( 143 ) و من خطبة له عليه السلام

فبعث محمّدا ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ،

بالحقّ ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته ،

و من طاعة الشّيطان إلى طاعته ، بقرآن قد بيّنه و أحكمه ، ليعلم العباد ربّهم إذ جهلوه ، و ليقرّوا به إذ جحدوه ، و ليثبتوه [ 1 ] بعد إذ أنكروه . فتجلّى [ 2 ] لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه ، بما أراهم من قدرته ، و خوّفهم من سطوته [ 3 ] ، و كيف

[ 1 ] يثبتوه : يعرفوه حقّ معرفته .

[ 2 ] تجلّى : ظهر .

[ 3 ] سطوته : بطشه . و في التنزيل : إنَّ بَطَشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ 85 : 12 .

[ 32 ]

محق من محق بالمثلات [ 1 ] و احتصد من احتصد بالنّقمات .

و إنّه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شي‏ء أخفى من الحقّ ، و لا أظهر من الباطل ،

و لا أكثر من الكذب على اللّه و رسوله و ليس عند أهل ذلك الزّمان سلعة أبور [ 2 ] من الكتاب إذا تلي حقّ تلاوته ، و لا أنفق منه [ 3 ] إذا حرّف عن مواضعه ، و لا في البلاد شي‏ء أنكر من المعروف و لا أعرف من المنكر ، فقد نبذ [ 4 ] الكتاب حملته ، و تناساه حفظته ، فالكتاب يومئذ و أهله

[ 1 ] محق . . . : أهلك و أباد . و المثلاث : العقوبات .

[ 2 ] بار الشي‏ء : كسد ( تعطّل ) .

[ 3 ] و لا أنفق منه : و لا أروج منه .

[ 4 ] نبذ الكتاب حملته : أهملوه و لم يعملوا به .

[ 33 ]

طريدان منفيّان ، و صاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يؤويهما مؤو [ 1 ] فالكتاب و أهله في ذلك الزّمان في النّاس و ليسا فيهم [ 2 ] و معهم ، لأنّ الضّلالة لا توافق الهدى ، و إن اجتمعا فاجتمع القوم على الفرقة [ 3 ] و افترقوا عن الجماعة ، كأنّهم

[ 1 ] منفيان . . . : مبعدان . و المراد : لا يعمل بالكتاب ، و لا يلتفت الى أهله . و صاحبان مصطحبان : سائران معا في أتجاه واحد . و المراد بأهله : الأئمّة الاثني عشر ( عليهم السلام ) ، بدلالة حديث الثقلين : « انّي مخلّف فيكم الثقلين : كتاب اللّه ، و عترتي أهل بيتي » . لا يؤويهما مؤو :

لا يقبل منهما ، و لا يؤخذ عنهما .

[ 2 ] في الناس و ليسا فيهم : الكتاب مع الناس في بيوتهم ، و أهله بجوارهم ، و لكن بعدهم عن العمل بالكتاب ، و الأخذ عن الأئمّة عليهم السلام جعلاهما كأن لم يكونا معهم .

[ 3 ] فاجتمع القوم على الفرقة : اتفقوا على الافتراق .

[ 34 ]

أئمّة الكتاب [ 1 ] و ليس الكتاب إمامهم فلم يبق عندهم منه إلاّ اسمه ، و لا يعرفون إلاّ خطّه و زبره [ 2 ] و من قبل ما مثّلوا بالصّالحين كلّ مثلة و سمّوا صدقهم على اللّه فرية ، و جعلوا في الحسنة عقوبة السّيّئة [ 3 ] .

و إنّما هلك من كان قبلكم بطول آمالهم [ 4 ] ،

و تغيّب آجالهم ، حتّى نزل بهم الموعود الّذي تردّ

[ 1 ] كأنّهم أئمة الكتاب : انهم يجرونه و يجرجرون به الى اهوائهم ، و يفسرونه برغباتهم خلافا لما أمروا من اتباعه ،

و السير على هداه .

[ 2 ] زبره : كتابته .

[ 3 ] مثّلوا بالصالحين . . . : نكّلوا بهم . و فرية : كذبا . و جعلوا في الحسنة عقوبة السيئة : جعلوا حسنات الصالحين و فضائلهم سيئات عاقبوهما عليها .

[ 4 ] بطول آمالهم : ان السبب الذي دعاهم الى هذا هو طول أملهم بالدنيا ، و استبعادهم الموت ، و ترك الاستعداد له .

[ 35 ]

عنه المعذرة ، و ترفع عنه التّوبة ، و تحلّ معه القارعة و النّقمة [ 1 ] .

أيّها النّاس ، إنّه من استنصح اللّه وفّق ، و من اتّخذ قوله دليلا هدي للّتي هي أقوم [ 2 ] ، فإنّ جار اللّه آمن ، و عدوّ اللّه خائف ، و إنّه لا ينبغي لمن

[ 1 ] الموعود . . . : الموت . و المعذرة : التوبة . و المراد : همهم الموت فلا تقبل معذرتهم ، و لا تنفعهم توبتهم و ندامتهم فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنّا بِاللّه وَحْدَهُ وَ كَفرنَا بِما كُنَّا بِهِ مُشركِينَ . فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ ايمانُهُم لَمّا رَأَوا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللّهِ الَّتِي قَد خَلَت فِي عِبَادِهِ وَ خَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ 40 : 85 و القارعة : الشديدة من شدائد الدهر .

[ 2 ] استنصح اللّه . . . : عمل بنصائحه التي جاءت في القرآن الكريم ، و على لسان النبيّ الأمين ، و العترة الهادين . هدي للتي هي أقوم : الى الحال التي هي أعدل الحالات ، و هي توحيد اللّه تعالى ، و الإيمان به و برسوله ، و العمل بطاعته .

[ 36 ]

عرف عظمة اللّه أن يتعظّم [ 1 ] ، فإنّ رفعة الّذين يعرفون ما عظمته أن يتواضعوا له ، و سلامة الّذين يعملون ما قدرته أن يستسلموا له [ 2 ] . فلا تنفروا من الحقّ نفار الصّحيح من الأجرب ، و البارى‏ء من ذي السّقم [ 3 ] و اعلموا أنّكم لن تعرفوا الرّشد حتّى تعرفوا الّذي تركه ، و لن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الّذي نقضه ، و لن تمسّكوا به

[ 1 ] يتعظّم : يتكبّر . و المراد : ينبغي للمسلم التواضع ، و ترك التكبّر ، فهو من أضعف المخلوقات ، تقتله الشرقة ، و تؤلمه الشوكة ، و تنتنه العرقة ، لا سيما و قد دعاه للتواضع جبّار السماوات و الأرض .

[ 2 ] فان رفعة الذين يعملون ما عظمته ان يتواضعوا له . . . : ان المتواضعين ترتفع منزلتهم ، و تسمو مرتبتهم في الدنيا و الآخرة . و يستسلموا له : يخضعوا و ينقادوا و يطيعوا .

[ 3 ] فلا تنفروا . . . : فلا تفزعوا . و البارى‏ء : المعافى . و ذو السقم : ذو المرض .

[ 37 ]

حتّى تعرفوا الّذي نبذه [ 1 ] ، فالتمسوا ذلك من عند أهله [ 2 ] ، فإنّهم عيش العلم ، و موت الجهل [ 3 ] :

هم الّذين يخبركم حكمهم عن علمهم ، و صمتهم عن منطقهم [ 4 ] ، و ظاهرهم عن باطنهم : لا

[ 1 ] الرشد . . . : نهج الحقّ و طريقه . و ميثاق الكتاب : العمل به .

و الذي نقضه : أبطله . و تمسّكوا به : أخذوا به و اعتصموا .

و نبذه : تركه و المراد : ان من تمام معرفة نهج الحقّ معرفة من تركه و مجانبته ، و الحذر منه ، و التحذير من مصاحبته .

[ 2 ] فالتمسوا . . . : فاطلبوا . و أهله : الأئمة من آل محمد ( صلّى اللّه عليه و آله ) . و المراد : منهم أطلبوا الرشد ، و منهج الحقّ .

[ 3 ] فانهم عيش العلم . . . : بهم يحيا العلم . و موت الجهل :

بتعاليمهم يضمحلّ الجهل .

[ 4 ] حكمهم عن علمهم . . . : إن الأحكام المأثورة عنهم ،

و الأجوبة المعضلة التي أجابو بها ، و ما دوّن من تعاليمهم يدل على علم غزير مستمد من العليم العزيز . و صمتهم عن منطقهم : إنّ سكوتهم في المواطن التي يجب فيها السكوت يكشف أيضا عن مواهبهم .

[ 38 ]

يخالفون الدّين ، و لا يختلفون فيه ، فهو بينهم شاهد صادق ، و صامت ناطق [ 1 ] .

[ 38 ]