( 147 ) و من خطبة له عليه السلام

و أستعينه على مداحر الشّيطان و مزاجره ،

و الإعتصام من حبائله و مخاتله [ 3 ] . و أشهد أنّ

[ 1 ] على سنة من آل فرعون : السنة : الطريقة . و المراد : انهم في غاية الضلال و البعد عن اللّه تعالى .

[ 2 ] منقطع الى الدنيا . . . : مستغرق في طلبها . و راكن : مائل اليها ، معتمد عليها . و مباين : مفارق .

[ 3 ] مداحر الشيطان . . . : الأمور التي بها يطرد . و مزاجره : التي بها يزجر . شبهه بالكلب الذي يطلبك فتزجره عنك .

و المراد : استعن باللّه عليه ، و قدّم الأعمال الصالحة التي بها يدحر و يزجر . و حبائله : مصائده . و مخاتله : مكائده .

و المراد : الطرق التي يغوي بها الناس و يضلّهم .

[ 51 ]

محمّدا عبده و رسوله و نجيبه و صفوته ، لا يوازى فضله ، و لا يجبر فقده ، أضاءت به البلاد بعد الضّلالة المظلمة ، و الجهالة الغالبة ، و الجفوة الجافية [ 1 ] ، و النّاس يستحلّون الحريم ، و يستذلّون الحكيم [ 2 ] ، يحيون على فترة [ 3 ] و يموتون على كفرة ، ثمّ إنّكم معشر العرب أغراض بلايا قد اقتربت [ 4 ] ، فاتّقوا سكرات النّعمة ، و احذروا

[ 1 ] الجفوة الجافية : القسوة الشديدة .

[ 2 ] يستحلون الحريم . . . : يستحلّون المحرمات . و يستذلّون الحكيم : يذلّون العلماء .

[ 3 ] يحيون على فترة : هي المدّة التي بين عيسى و محمد ( عليهما الصلاة و السلام ) ، و هي الجاهلية ، رجع فيها الناس الى الغاية في الجهل لعبادتهم الأصنام .

[ 4 ] أغراض بلايا قد اقتربت : الغرض : الهدف الذي يرمى إليه و المعنى : أنتم مستهدفون لبلاء اقترب أوانه .

[ 52 ]

بوائق النّقمة ، و تثبّتوا في قتام العشوة [ 1 ] و اعوجاج الفتنة ، عند طلوع جنينها ، و ظهور كمينها ،

و انتصاب قطبها ، و مدار رحاها [ 2 ] : تبدو في مدارج خفيّة ، و تؤول إلى فظاعة جليّة [ 3 ] ، شبابها كشباب الغلام ، و آثارها كآثار السّلام [ 4 ] . تتوارثها

[ 1 ] فاتقوا سكرات النعمة . . . : ان تتابع النعم ينسي الآخرة و يلهي عنها ، فحذّرهم من زوالها . و البوائق : الدواهي .

و تثبّتوا في قتام العشوة : القتام : الغبار . و العشوة : ركوب الأمر على غير هدى . و المراد : ينبغي للمسلم أن يثبّت سلامة الطريق قبل سلوكها .

[ 2 ] كمينها . . . : ما كمن منها و استتر . و المراد : ظهر ما كان مستترا منها . و قطبها : المسيّر لها ، و العقل المفكّر فيها . و مدار رحاها : الاعوان و الأتباع .

[ 3 ] تبدأ في مدارج خفيّة ، و تؤول الى فضاعة جليّة : تتدرج في الكبر و التضخم كالأحزاب السرية حتى تصل الى الحكم .

[ 4 ] شبابها كشباب الغلام : شبّه قوّتها عند مجيئها بشباب الغلام في عنفوان شبابه ، و أوج قوّته . و السلام : الحجارة . و آثارها في الأبدان الرض و الكسر ، و المراد : وصف تحطيمها للآخرين .

[ 53 ]

الظّلمة بالعهود [ 1 ] ، أوّلهم قائد لآخرهم ، و آخرهم مقتد بأوّلهم ، يتنافسون في دنيا دنيّة ، و يتكالبون على جيفة مريحة [ 2 ] و عن قليل يتبرّأ التّابع من المتبوع ، و القائد من المقود فيتزايلون [ 3 ] بالبغضاء و يتلاعنون عند اللّقاء ، ثمّ يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرّجوف ، القاصمة الزّحوف [ 4 ] ، فتزيغ

[ 1 ] يتوارثها الظلمة بالعهود : يعهد بها الأول منهم للثاني ،

و هكذا ، على منهج الأكاسرة و القياصرة .

[ 2 ] مريحة : منتنة .

[ 3 ] يتزايلون : يتفارقون .

[ 4 ] طالع الفتنة . . . : مقدماتها . و الرجوف : التي يكثر اضطراب الناس فيها . و القاصمة : الكاسرة . و الزحوف : الشديدة الزحف ( التقدم ) .

[ 54 ]

قلوب [ 1 ] بعد استقامة ، و تضلّ رجال بعد سلامة ،

و تختلف الأهواء عند هجومها ، و تلتبس الآراء عند نجومها [ 2 ] من أشرف لها قصمته ، و من سعى فيها حطمته [ 3 ] ، يتكادمون فيها تكادم الحمر في العانة [ 4 ] قد اضطرب معقود الحبل [ 5 ] ، و عمي وجه الأمر ، تغيض فيها الحكمة [ 6 ] ، و تنطق فيها

[ 1 ] فتزيغ قلوب : تميل عن خطّ الاستقامة .

[ 2 ] تلتبس . . . : يخفى وجه الصواب لاختلاط الصحيح بالفاسد .

و نجومها : ظهورها .

[ 3 ] من أشرف لها قصمته . . . : من حاربها أهلكته . و من سعى فيها حطمته : من عمل في اسكاتها و مقاومتها كسرته .

[ 4 ] يتكادمون . . . : يعضّ بعضهم البعض . و العانة : القطيع من حمر الوحش .

[ 5 ] قد اضطرب معقود الحبل : المراد بذلك اضطراب أمورهم ،

و بيان بعدهم عن خطّ الإسلام .

[ 6 ] تغيض . . . : تنقص . و الحكمة : خط الشريعة الذي أمروا بسلوكه . . و المراد : بيان وصف بعدهم عن الدّين .

[ 55 ]

الظّلمة ، و تدقّ أهل البدو بمسحلها و ترضّهم بكلكلها [ 1 ] ، يضيع في غبارها الوحدان ، و يهلك في طريقها الرّكبان [ 2 ] ، ترد بمرّ القضاء ، و تحلب عبيط الدّماء [ 3 ] ، و تثلم منار الدّين [ 4 ] و تنقض عقد اليقين ، تهرب منها الأكياس ، و تدبّرها

[ 1 ] المسحل . . . : المبرد . و الكلكل : الصدر . و المعنى : انها تفعل بأهل البادية فعل المبرد بالحديد ، و تحطيم الناقة في بروكها على الشي‏ء بصدرها ، و المراد : بيان ما يصيبهم من الأذى .

[ 2 ] الركبان : الجماعات الكثيرة ، و المراد : أنها تهلك الناس فرادى و جماعات .

[ 3 ] ترد بمر القضاء . . . : انها من المحن و البلاء المحتّم وقوعه ، و عبيط الدماء : الطري الخالص منها .

[ 4 ] تثلم منار الدين . . . : تهدم قواعد الدين . و تنفض عقد اليقين : تغيّر العقائد الصحيحة .

[ 56 ]

الأرجاس [ 1 ] ، مرعاد مبراق [ 2 ] ، كاشفة عن ساق ،

تقطع فيها الأرحام ، و يفارق عليها الإسلام [ 3 ] ،

بريّها سقيم ، و ظاعنها مقيم [ 4 ] .

منها : بين قتيل مطلول [ 5 ] ، و خائف مستجير ، يختلون بعقد الأيمان ، و بغرور

[ 1 ] الاكياس . . . : العقلاء . و الأرجاس : الخبثاء .

[ 2 ] مرعاد مبراق . . . : بها رعد و برق . و المراد : وصفها بالشدّة .

كاشفة عن ساق : هي في إقبالها مجرّدة كالمشمر للحرب .

و المراد : بيان شدّة الأمر ، و في التنزيل : يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَ يُدعَونَ إلى السُّجُودِ فَلا يَستَطِيعُونَ 68 : 42 .

[ 3 ] و يفارق عليها الاسلام : الداخل فيها خارج من الاسلام .

[ 4 ] بريها . . . : المعافى من شرّها . سقيم : مبتلى بطرف منها .

و الظاعن : المرتحل عنها . مقيم : كأنّه فيها . و المراد : بيان شدّتها و شمولها الأمة .

[ 5 ] مطلول : غير مطالب بدمه .

[ 57 ]

الإيمان [ 1 ] ، فلا تكونوا أنصاب الفتن و أعلام البدع [ 2 ] ، و الزموا ما عقد عليه حبل الجماعة ،

و بنيت عليه أركان الطّاعة [ 3 ] ، و اقدموا على اللّه مظلومين و لا تقدموا عليه ظالمين ، و اتّقوا مدارج الشّيطان ، و مهابط العدوان [ 4 ] ، و لا تدخلوا بطونكم لعق الحرام ، فإنّكم بعين من حرّم عليكم

[ 1 ] يختلون . . . : يخدعون . و عقد الإيمان : بأيمان يقسمون لهم بها . و يغرونهم بالأيمان : يخدعونهم باتّصفاهم بالإيمان و الاسلام .

[ 2 ] أنصاب الفتن . . . : رؤساؤها . و أعلام البدع : رؤوسها .

[ 3 ] و الزموا ما عقد عليه حبل الجماعة . . . : تمسّكوا بالتعاليم التي عليها جمهور المسلمين . و بنيت عليها أركان الطاعة :

الأصول التي شيّد عليها الإسلام .

[ 4 ] مدارج الشيطان . . . : سبله التي يتدرج بها في اغواء الناس .

و مهابط العدوان : الأعمال التي تهوي بالإنسان الى الحضيض .

[ 58 ]

المعصية [ 1 ] و سهّل لكم سبل الطّاعة

[ 58 ]