( 148 ) و من خطبة له عليه السلام

الحمد للّه الدّال على وجوده بخلقه [ 2 ] ،

و بمحدث خلقه على أزليّته [ 3 ] ، و باشتباههم على

[ 1 ] و لا تدخلوا بطونكم لعق الحرام . . . : لعق جمع لعقة و هو ما تأخذه بالملعقة . و المراد : تجنّبوا حتى القليل من الحرام .

فانكم بعين من حرّم عليكم المعصية : أي يراكم . و تفيد بعض الأحاديث ان لا ينظر الانسان الى صغر المعصية ، بل ينظر الى من عصاه و خالفه .

[ 2 ] الدال على وجوده بخلقه : ان مخلوقاته تشهد بأن لها خالقا صانعا لاستحالة وجودها من غير موجد لها ، قائم على شؤونها ، مدبر لها .

[ 3 ] و بمحدث خلقه على أزليته : الأزلي : القديم . و المراد : أن جميع المحدثات ( المخلوقات ) صادرة عن محدث ( خالق ) لها .

[ 59 ]

أن لا شبه له ، لا تستلمه المشاعر ، و لا تحجبه السّواتر [ 1 ] ، لإفتراق الصّانع و المصنوع ، و الحادّ و المحدود [ 2 ] ، و الرّبّ و المربوب ، الأحد بلا تأويل عدد ، و الخالق لا بمعنى حركة و نصب ،

و السّميع لا بأداة ، و البصير بلا تفريق آلة ،

و الشّاهد لا بمماسّة ، و البائن لا بتراخي مسافة ،

و الظّاهر لا برؤية ، و الباطن لا بلطافة [ 3 ] ، بان [ 4 ]

[ 1 ] المشاعر . . . : الحواس . و المعنى : لا تدركه الحواس . و لا تحجبه السواتر : هو عالم بجميع مخلوقاته ، مطلع عليهم ،

القريب و البعيد لديه سواء ، علمه بمن في ظلمات البحار ،

و طبقات الأرض السفلى ، كعلمه بمن في السماوات العلى .

[ 2 ] الحاد . . . : الذي جعل لكل شي‏ء حدّا ، و لكل بداية نهاية .

و المحدود : المخلوق ، فهو محدود العمر ، محدود الطاقة .

[ 3 ] الأحد لا بتأويل عدد . . . : واحدي الوجود . و المعنى : انه واحد لا ثاني له . الخالق لا بمعنى حركة و نصب : النصب :

التعب . و المعنى : انه خلق الأشياء بإرادته ، تنزّه من أن يلحقه جهد أو تعب . و في التنزيل : وَ لَقَد خَلَقْنَا السَّمَواتِ و الأرضَ وَ مَا بَيْنَهما في ستَّةِ أيّامٍ وَ مَا مَسَّنَا من لُغُوبٍ 50 : 38 .

و اللغوب : النصب و التعب ، البصير لا بتفريق آلة : لا بفتح عين . و المراد : انه يبصر الأشياء بقدرته الغير متناهية .

الشاهد . لا بمماسة : المراد بالمماسة القرب . و المعنى : انه شاهد كل صغيرة و كبيرة من خلقه ، خبير بها . و في التنزيل :

مَا يَكُونُ مِن نَجوى‏ ثَلاثَةٍ إلاّ هُوَ رَابِعُهُم وَ لاَ خَمسَةٍ إلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَ لاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ و لاَ أَكْثَر إلاّ هُوَ مَعَهُم أَينَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّههُم بِمَا عَمِلُوا يَومَ القِيامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ 58 : 7 . البائن : المنفصل . لا بتراخي مسافة : مع انفصاله عنهم ليس بينه و بينهم بعد . الباطن لا بلطافة : الباطن :

الخفي . و الباطن من الأشياء ما كان لطيفا ، إمّا لصغره ، أو لطافة قوامه كالهواء ، و قد تنزّه عن ذلك كلّه .

[ 4 ] بان . . . : انفصل . بالقهر لها : بالغلبة عليها ، و التمكن منها .

و بانت : انفصلت . بالخضوع : بالاستسلام الى مشيئته .

[ 60 ]

من الأشياء بالقهر لها ، و القدرة عليها ، و بانت الأشياء منه بالخضوع له و الرّجوع إليه ، من وصفه فقد حدّه ، و من حدّه فقد عدّه ، و من عدّه فقد

[ 61 ]

أبطل أزله ، و من قال « كيف ؟ » فقد استوصفه ،

و من قال « أين ؟ » فقد حيّزه [ 1 ] ، عالم إذ لا معلوم ، و ربّ إذ لا مربوب ، و قادر إذ لا مقدور .

منها : قد طلع طالع ، و لمع لامع ، و لاح لائح [ 2 ] ، و اعتدل مائل ، و استبدل اللّه بقوم قوما ، و بيوم يوما ، و انتظرنا الغير انتظار المجدب [ 3 ] المطر ، و إنّما الأئمّة قوّام اللّه على

[ 1 ] من وصفه فقد حدّه . . . : من وصفه بالصفات التي توصف بها الأجسام فقد جعل له حدودا . و من حدّه فقد عدّه : جعله له اجزاء . و من عدّه فقد أبطل أزله . الأزل : القديم ، و المعدود محدث و ليس بقديم . و من قال : كيف ؟ فقد استوصفه :

طلب وصفه بصفات المخلوقين . و من قال : أين ؟ فقد حيّزه : الحيز : الجهة . و المراد : جعله في جهة معيّنة .

[ 2 ] لاح : بدا .

[ 3 ] الغير . . . : تقلّبات الزمان و تغيّراته : و المجدب الذي انقطع عنه المطر .

[ 62 ]

خلقه ، و عرفاؤه على عباده [ 1 ] ، لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم و عرفوه ، و لا يدخل النّار إلاّ من أنكرهم و أنكروه .

إنّ اللّه تعالى خصّكم بالإسلام ،

و استخلصكم له [ 2 ] ، و ذلك لأنّه اسم سلامة و جماع كرامة [ 3 ] ، اصطفى اللّه تعالى منهجه [ 4 ] ،

و بيّن حججه ، من ظاهر علم ، و باطن حكم ،

[ 1 ] انما الأئمة قوام اللّه على خلقه . . . : يقومون بأمر اللّه تعالى ،

تنصيبهم و تعليمهم يكون من قبل رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و آله ) ، فهم يخلفونه في إقامة معالم الدين ، و ما يلزم لمصالح العباد . و العريف : القيّم بأمور الجماعة من الناس ، يلي أمورهم ، و يتعرّف الغير منه أحوالهم .

[ 2 ] استخصّكم له : أعدّكم له من بين سائر الأمم .

[ 3 ] جماع كرامة : به تنال كرامة الدنيا و الآخرة .

[ 4 ] اصطفى اللّه تعالى منهجه : اختاره لكم منهجا تنتهجوه ،

و طريقا تسلكوه .

[ 63 ]

لا تفنى غرائبه ، و لا تنقضي عجائبه [ 1 ] ، فيه مرابيع النّعم [ 2 ] و مصابيح الظّلم ، لا تفتح الخيرات إلاّ بمفاتيحه ، و لا تكشف الظّلمات إلاّ بمصابيحه ، قد أحمى حماه ، و أرعى مرعاه [ 3 ] ، فيه شفاء المشتفي ، و كفاية المكتفي .

[ 1 ] لا تفنى غرائبه ، و لا تنقضي عجائبه : جعله سبحانه و تعالى ملائما لجميع العصور و الأجيال .

[ 2 ] فيه مرابيع النعم : هي الأمطار التي تأتي زمن الربيع ، فتحيي الأرض بعد موتها و جدبها . و المراد : وصف ما جعله اللّه جلّ جلاله في الاسلام من حياة القلوب ، و تهذيب النفوس ، التي بها يصل الانسان الى الدرجات الرفيعة ، و المراتب السامية .

[ 3 ] قد أحمى حماه . . . : جعله حمى لا يقرب ، و لا يحقّ لأحد أن يرعى فيه . و المراد : النهي عن الاقدام على المحرّمات .

و أرعى مرعاه : السماح بما أذن فيه و أباحه من الحلال .

[ 64 ]