( 150 ) و من خطبة له عليه السلام

و ناظر قلب اللّبيب : به يبصر أمده ، و يعرف غوره و نجده [ 1 ] ، داع دعا و راع رعا [ 2 ] ،

فاستجيبوا للدّاعي ، و اتّبعوا الرّاعي .

قد خاضوا بحار الفتن ، و أخذوا بالبدع دون

[ 1 ] ناظر القلب . . . : بصيرة القلب . و اللبيب : العاقل . و الغور :

ما انخفض من الأرض . و النجد : ما ارتفع منها . و المراد : ان العاقل يدرك مخبيّات الأمور و لا ينخدع .

[ 2 ] داع دعا . . . : هو رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و آله ) ، دعا الناس الى طريق الهدى و الاستقامة . و راع رعى : يريد به نفسه المقدّسة ، لأنّ الأئمّة ( عليهم السلام ) رعاة الخلق و ولاتهم .

[ 71 ]

السّنن [ 1 ] ، و أرز المؤمنون [ 2 ] و نطق الضّالّون المكذّبون . نحن الشّعار و الأصحاب ، و الخزنة و الأبواب [ 3 ] و لا تؤتى البيوت إلاّ من أبوابها ، فمن أتاها من غير أبوابها سمّي سارقا .

[ 1 ] خاضوا بحار الفتن . . . : يشير الى قوم انغمسوا بالفتن ،

و تركوا طريق الحقّ . و أخذوا بالبدع دون السنن : البدع : ما استحدث في الدين مما ليس له أصل في كتاب اللّه و لا ورد عن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و آله ) . و السنن : ما وجد عن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و آله ) قولا و فعلا .

[ 2 ] أرز : انقبض و سكت . و المراد : سكوتهم لشدّة صولة الباطل .

[ 3 ] الشعار . . . : ما تحت الدثار من اللباس ، و هو ما يلي الجسد . و المراد : نحن خاصة رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و آله ) . و الخزنة : للعلوم التي تعلموها من رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و آله ) ، حتى قال ( عليه السلام ) : علّمني رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و آله ) ألف باب من العلم ، يفتح لي من كل باب ألف باب . و الأبواب : إشارة الى ما رواه الخاص و العام : « أنا مدينة العلم و عليّ بابها » .

[ 72 ]

منها : فيهم كرائم القرآن ، و هم كنوز الرّحمن [ 1 ] ، إن نطقوا صدقوا ، و إن صمتوا لم يسبقوا [ 2 ] ، فليصدق رائد أهله [ 3 ] ، و ليحضر عقله ، و ليكن من أبناء الآخرة فإنّه منها قدم ،

[ 1 ] فيهم كرائم القرآن . . . : نزلت فيهم آيات من القرآن الكريم . روى الاربلي عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : نزل القرآن أرباعا : فربع فينا ، و ربع في عدوّنا ، و ربع سير و أمثال ،

و ربع فرائض و أحكام ، و لنا كرائم القرآن . و يقول الشيخ محمد عبده : و القرآن كريم كله ، و هذه كرائم من كرائم . و هم كنوز الرحمن : خزائن علمه .

[ 2 ] ان صمتوا لم يسبقوا : ان سكوتهم لا يكون عن جهل منهم فيكون غيرهم قد سبقهم بالعلم ، بل بمقتضى الحكمة و المصلحة

[ 3 ] فليصدق رائد أهله : الرائد : الذي يرسله أهل الماشية يستعلم لهم موضع الكلاء ، يتعيّن عليه أن يصدقهم الخبر . و المراد :

ان الواجب على أهل العلم و المعرفة أن يصدقوا الناس و يرشدوهم الى مع علموه من فضل أهل البيت ( عليهم السلام ) .

[ 73 ]

و إليها ينقلب ، فالنّاظر بالقلب العامل بالبصر يكون مبتدا عمله أن يعلم : أعمله عليه أم له [ 1 ] ؟ فإن كان له مضى فيه ، و إن كان عليه وقف عنه ، فإنّ العامل بغير علم كسائر في غير طريق ، فلا يزيده بعده عن الطّريق إلاّ بعدا من حاجته ، و العامل بالعلم كسائر على الطّريق الواضح ، فلينظر ناظر أسائر هو أم راجع .

و اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطنا على مثاله ، فما طاب ظاهره طاب باطنه ، و ما خبث ظاهره خبث باطنه ، و قد قال الرّسول الصّادق ، ( صلّى اللّه عليه و سلم ) : « إنّ اللّه يحبّ العبد و يبغض عمله ، و يحبّ العمل و يبغض بدنه » [ 2 ] . و اعلم

[ 1 ] عليه أم له : هل ينفعه في الآخرة أو يضرّه .

[ 2 ] ان اللّه يحبّ العبد . . . : المؤمن لإيمانه . و يبغض عمله اذا كان مخالفا للشريعة . و يحبّ العمل : الحسن و ان صدر من كافر . و يبغض بدنه : لكفره .

[ 74 ]

أنّ لكلّ عمل نباتا ، و كلّ نبات لا غنى به عن الماء ، و المياه مختلفة : فما طاب سقيه طاب غرسه و حلت ثمرته ، و ما خبث سقيه خبث غرسه و أمرّت ثمرته .