( 157 ) و من خطبة له عليه السلام

بعثه بالنّور المضي‏ء ، و البرهان الجليّ ،

و المنهاج البادي [ 2 ] و الكتاب الهادي : أسرته خير

[ 1 ] المدرعة . . . : ثوب من صوف . و تنبذها : تطرحها .

و اعزب : اذهب . فعند الصباح يحمد القوم السرى : ان القوم يسيرون ليلا فيحمدون عاقبة ذلك اذا أصبحوا . و المراد : بذل الجهد اليوم من أجل الراحة و النعيم في الآخرة .

[ 2 ] المنهاج البادي : الظاهر . و بعض المذاهب فيها استتار و تكتّم بمبادئها و ما ذلك إلاّ بما فيها من تخليط و تدليس و بعد عن طريق الاستقامة .

[ 21 ]

أسرة ، و شجرته خير شجرة : أغصانها معتدلة ،

و ثمارها متهدّلة [ 1 ] مولده بمكّة ، و هجرته بطيبة [ 2 ] علا بها ذكره ، و امتدّ بها صوته [ 3 ] . أرسله بحجّة كافية ، و موعظة شافية ، و دعوة متلافية [ 4 ] أظهر به الشّرائع المجهولة ، و قمع به البدع المدخولة ،

و بيّن به الأحكام المفصولة [ 5 ] ، فمن يتّبع غير

[ 1 ] اسرته . . . : أهله و عشيرته . و يصف الجاحظ عبد المطلب جدّ الرسول ( صلّى اللّه عليه و آله ) فيقول : لم يكن لعبد المطلب في قريش نظير ، كما أنه ليس في العرب لقريش نظير ، و كما أنه ليس في الناس للعرب نظير . متهدلة :

متدلية .

[ 2 ] طيبة : المدينة المنوّرة .

[ 3 ] امتدّ بها صوته : انتشر فيها الاسلام ، و امتد منها نور الإيمان .

[ 4 ] و دعوة متلافية : متداركة لما كانوا فيه من فساد و جاهلية ،

و بعد عن الحضارة و المدنية .

[ 5 ] اظهر به الشرائع المجهولة . . . : لا شكّ أن جميع الأنبياء بعثوا بالإسلام بدلالة الآية الكريمة إنَّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الإسلام 3 : 19 . لكن بمرور الزمن ، و كثرة المخرّبين تتغيّر معالم الدين ، و تجهل الشرائع ، و برسالته ( صلّى اللّه عليه و آله ظهر ما كان مجهولا من الحنيفية السمحاء . و قمع :

تغيّب و دخل وراء ستر . و البدع : ما أحدثوه من النسي‏ء و عبادة الأصنام و غير ذلك . و المدخولة : الدخيلة . و بيّن به الأحكام المفصولة : ما فصّله و بيّنه من أحكام الشريعة .

[ 22 ]

الإسلام دينا تتحقّق شقوته ، و تنفصم عروته ،

و تعظم كبوته [ 1 ] ، و يكن مآبه إلى الحزن الطّويل ،

و العذاب الوبيل [ 2 ] .

و أتوكّل على اللّه توكّل الإنابة إليه [ 3 ] ،

و أسترشده السّبيل المودّية إلى جنّته ، القاصدة إلى

[ 1 ] تتحقق شقوته . . . : في الآخرة وَ مَن يبتَغِ غَيرَ الإسلامِ ديناً فَلَنْ يُقبَلَ مِنهُ وَ هُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ 3 : 85 .

و تنفصم : تنقطع . و المراد بالعروة ما يستمسك به و يستعصم . و كبوته : عثرته .

[ 2 ] مآبه . . . : مرجعه . و الوبيل : الوخيم .

[ 3 ] أتوكل على اللّه . . . : استسلم له ، و افوض أمري إليه .

و الانابة : الرجوع إليه .

[ 23 ]

محلّ رغبته . أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه [ 1 ] و طاعته ، فإنّها النّجاة غدا ، و المنجاة أبدا ، رهّب فأبلغ ، و رغب فأسبغ [ 2 ] و وصف لكم الدّنيا و انقطاعها و زوالها و انتقالها ، فأعرضوا عمّا يعجبكم فيها لقلّة ما يصحبكم منها [ 3 ] . أقرب دار من سخط اللّه ، و أبعدها من رضوان اللّه ، فغضّوا عنكم عباد اللّه غمومها و أشغالها لما أيقنتم به من فراقها و تصرّف حالها [ 4 ] ، فاحذروها حذر الشّفيق

[ 1 ] تقوى اللّه : العمل بأوامره ، و الانتهاء عمّا نهى عنه .

[ 2 ] رهّب . . . : خوّف . فأبلغ : لم يبق عذرا لأحد . رغّب :

فيما عنده من نعيم . فأسبغ : أتمّه بقرآنه ، و برسوله .

[ 3 ] فاعرضوا عمّا يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها : قلّلوا الالتفات إليها ، و الاهتمام بها ، و السعي لها ، لأنه لا يبقى معكم منها سوى الكفن .

[ 4 ] فغضّوا عنكم . . . : ادفعوا عن أنفسكم . غمومها :

أحزانها . و المراد : لا تلتفتوا إليها ، و لا تحزنوا على ما فاتكم منها . و تصرّف حالاتها : تقلّبها .

[ 24 ]

النّاصح و المجدّ الكادح [ 1 ] ، و اعتبروا [ 2 ] بما قد رأيتم من مصارع القرون قبلكم : قد تزايلت أوصالهم [ 3 ] و زالت أبصارهم و أسماعهم ، و ذهب شرفهم و عزّهم ، و انقطع سرورهم و نعيمهم ،

فبدّلوا بقرب الأولاد فقدها ، و بصحبة الأزواج مفارقتها ، لا يتفاخرون ، و لا يتناسلون ، و لا يتزاورون ، و لا يتجاورون . فاحذروا عباد اللّه حذر الغالب لنفسه [ 4 ] ، المانع لشهوته ، النّاظر

[ 1 ] الشفيق . . . : الخائف . و نصح قلبه : خلا من الغش .

و المجد : المجتهد . و الكادح : المبالغ في سعيه . و المراد :

احذروا الدنيا حذر الخائف على نفسه منها ، المجد في الابتعاد عنها ، المبالغ في السعي لغيرها .

[ 2 ] اعتبروا : اتّعظوا .

[ 3 ] تزايلت . . . : تفرّقت . و أوصالهم : مفاصلهم . و المراد وصف حالهم في القبور .

[ 4 ] الغالب لنفسه : حاول أن تغلبها قبل أن تغلبك ، فانها كما وصفها جلّ جلاله إنَّ النَّفسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ 12 : 53 .

[ 25 ]

بعقله ، فإنّ الأمر واضح ، و العلم قائم ، و الطّريق جدد ، و السّبيل قصد [ 1 ] .