( 160 ) و من كلام له عليه السلام

لما اجتمع الناس عليه و شكوا مما نقموه على عثمان ، و سألوه مخاطبته عنهم و استعتابه [ 1 ] لهم ،

فدخل عليه فقال :

إنّ النّاس ورائي ، و قد استسفروني [ 2 ] بينك و بينهم ، و و اللّه ما أدري ما أقول لك ؟ ما أعرف شيئا تجهله ، و لا أدلّك على شي‏ء لا تعرفه . إنّك لتعلم ما نعلم ، ما سبقناك إلى شي‏ء فنخبرك عنه ، و لا خلونا بشي‏ء فنبلغكه ، و قد رأيت كما

[ 1 ] عتب عليه : لامه و راجعه فيما كرهه منه .

[ 2 ] استسفروني : جعلوني سفيرا .

[ 37 ]

رأينا ، و سمعت كما سمعنا ، و صحبت رسول اللّه كما صحبنا ، و ما ابن أبي قحافة و لا ابن الخطّاب أولى بعمل الحقّ منك ، و أنت أقرب إلى رسول اللّه ، ( صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) ، وشيجة [ 1 ] رحم منهما ، و قد نلت من صهره ما لم ينالا ،

فاللّه اللّه في نفسك فإنّك ، و اللّه ، ما تبصّر من عمى [ 2 ] ، و لا تعلم من جهل ، و إن الطّرق لواضحة ، و إنّ أعلام الدّين لقائمة . فاعلم أنّ أفضل عباد اللّه عند اللّه إمام عادل هدي و هدى ،

فأقام سنّة معلومة ، و أمات بدعة مجهولة ، و إنّ السّنن لنيّرة لها أعلام ، و إنّ البدع [ 3 ] لظاهرة لها

[ 1 ] الوشيجة : الرحم المشتبكة المتصلة .

[ 2 ] ما تبصّر من عمى . . الخ : تعلم بالأمر ، فلا حاجة بك الى من يعلّمك .

[ 3 ] السنة . . . : ما أوثر عن الرسول الأعظم ( صلّى اللّه عليه و آله ) من قول و فعل . و نيّرة : واضحة . و البدعة : ما أحدث في الدين ما لم يكن له أصل في كتاب و لا سنّة .

[ 38 ]

أعلام . و إنّ شرّ النّاس عند اللّه إمام جائر [ 1 ] ضلّ و ضلّ به ، فأمات سنّة مأخوذة ، و أحيا بدعة متروكة ، و إنّي سمعت رسول اللّه ، ( صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) ، يقول : « يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر و ليس معه نصير و لا عاذر [ 2 ] ، يلقى في نار جهنّم فيدور فيها كما تدور الرّحى : ثمّ يرتبط في قعرها [ 3 ] و إنّي أنشدك اللّه أن لا تكون إمام هذه الأمّة المقتول ، فإنّه كان يقال : يقتل في هذه الأمّة إمام يفتح عليها القتل و القتال إلى يوم القيامة ، و يلبس [ 4 ] أمورها عليها ، و يثبّت الفتن

[ 1 ] جائر : ظالم .

[ 2 ] عاذر : يقبل منه العذر .

[ 3 ] يرتبط . . . : يشدّ . و قعرها : عمقها .

[ 4 ] لبّس عليه الأمر : خلطه حتى لا يعرف حقيقته . و يقول جلّ جلاله ناقما على اليهود تصرفاتهم وَ لاَ تلبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَ تَكتُمُوا الحَقَّ وَ أَنْتُم تَعلَمُونَ 2 : 42 .

[ 39 ]

فيها ، فلا يبصرون الحقّ من الباطل ، يموجون فيها موجا ، و يمرجون فيها مرجا [ 1 ] ، فلا تكوننّ لمروان سيّقة [ 2 ] يسوقك حيث شاء بعد جلال السّنّ ، و تقضّي العمر فقال له عثمان رضي اللّه عنه : كلّم الناس في أن يؤجّلوني حتى أخرج إليهم من مظالمهم ، فقال عليه السلام :

ما كان بالمدينة فلا أجل فيه ، و ما غاب فأجله وصول أمرك إليه .

[ 1 ] يموجون . . . : اختلفت امورهم و اضطربت . و يمرجون :

يختلطون و يضطربون .

[ 2 ] السيقة : ما استاقه العدو من الدواب . و المراد : لا تعط زمامك بيده فيوجهك حسب رغباته .

[ 40 ]