( 162 ) و من خطبة له عليه السلام

ليتأسّ [ 1 ] صغيركم بكبيركم ، و ليرأف كبيركم بصغيركم ، و لا تكونوا كجفاة الجاهليّة : لا في الدّين يتفقّهون [ 2 ] ، و لا عن اللّه يعقلون ، كقيض بيض [ 3 ] في أداح يكون كسرها وزرا ، و يخرج حضانها شرّا

[ 1 ] ليتأس : ليقتد .

[ 2 ] جفاة جمع جافي : هو الذي غلظ خلقه ، و ساء طبعه .

و يتفقون : يتعلمون أحكام الشريعة .

[ 3 ] كقيض بيض . . . : الكسرة العليا اليابسة على البيضة .

و الأداح جمع أدحى : الموضع الذي تفرّخ فيه النعامة .

و كسرها وزرا : اثما ، لاحتمال أن يكون بيض نعام و ادخال أذى عليه . و حضانها شرّا : لأنّها تخرج أفاعي . و المعنى :

ان البيض الذي يشاهده الانسان في الأداحي لا يجوز كسره لاحتمال أن يكون بيضا لبعض الطيور ، و بتركه و ربما كان بيض حيات تخرج أفاعي ، و كذلك من وصفهم من الجفاة لا يجوز قتلهم بالشريعة ، و بتركهم ينشأ جيل فاسد .

[ 55 ]

منها : افترقوا بعد ألفتهم ، و تشتّتوا عن أصلهم : فمنهم آخذ بغصن أينما مال مال معه ،

على أنّ اللّه تعالى سيجمعهم لشرّ يوم لبني أميّة كما تجتمع قزع الخريف [ 1 ] يؤلّف اللّه بينهم ثمّ يجعلهم ركاما [ 2 ] كركام السّحاب ، ثمّ يفتح اللّه لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنّتين [ 3 ]

[ 1 ] قزع الخريف : القطع المتفرّقة من السحاب .

[ 2 ] الركام : ما اجتمع من الأشياء و تراكم بعضه فوق بعض .

[ 3 ] يسيلون . . . : يخرجون . و مستثارهم : موضع ثورانهم .

كسيل الجنتين : اللتين ذكرهما سبحانه و تعالى في كتابه العزيز لَقَد كانَ لِسَبأٍ فِي مَسكنِهِم آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يمينٍ وَ شِمَالٍ 34 : 15 . كانت ديارهم على وتيرة واحدة ،

و البساتين عن يمينهم و شمالهم متصلة ، بعضها ببعض ، كانت المرأة تمشي و المكتل على رأسها فيمتلى‏ء بالفواكه من غير أن تقطف بيدها شيئا ، فعاقبهم اللّه على كفرهم و عصيانهم بسيل العرم ( الصعب ) ، فأغرق بساتينهم ، و خرّب دورهم .

[ 56 ]

حيث لم تسلم عليه قارّة ، و لم تثبت عليه أكمة [ 1 ] ، و لم يردّ سنته رصّ طود ، و لا حداب أرض [ 2 ] ، يذعذعهم اللّه في بطون أوديته ثمّ يسلكهم ينابيع في الأرض يأخذ بهم من قوم حقوق قوم [ 3 ] ، و يمكّن لقوم في ديار قوم ،

و ايم اللّه ليذوبنّ ما في أيديهم [ 4 ] بعد العلوّ

[ 1 ] قارة . . . : المستقر الثابت من الأرض . و الاكمة : التل .

[ 2 ] سننه . . . : طريقه . و رصّ : انضمّ بعضه الى بعض و تقارب .

و الطود : الجبل العظيم . و حداب الأرض : ما ارتفع و غلظ منها .

[ 3 ] يذعذعهم . . . : يحركهم بشدّة . ثم يسلكهم ينابيع : تشبيها بالماء المتجمع في جوف الأرض ثم يخرج ينابيع فتحيا به البلاد ، و كذلك هؤلاء ، فبعد تفرّقهم و استتارهم يخرجون .

يأخذ : اللّه سبحانه . من قوم : ظالمين . حقوق قوم :

مظلومين .

[ 4 ] ليذوبن ما في أيديهم : يذهب ما بأيديهم من الأموال .

[ 57 ]

و التّمكين كما تذوب الألية على النّار .

أيّها النّاس ، لو لم تتخاذلوا عن نصر الحقّ ،

و لم تهنوا عن توهين الباطل ، لم يطمع فيكم من ليس مثلكم ، و لم يقو من قوي عليكم ، لكنّكم تهتم متاه بني إسرائيل [ 1 ] و لعمري ليضعّفنّ لكم التّيه من بعدي أضعافا [ 2 ] بما خلّفتم الحقّ وراء

[ 1 ] تهتم . . . : تحيرتم . متاه بني إسرائيل : و ذلك بعد انتصارهم و هلاك فرعون ، أمرهم موسى ( عليه السلام ) بدخول الأرض المقدّسة ، فكان ردّهم إنَّا لَنْ ندخُلَهَا أَبداً مَا دَامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنتَ وَ رَبّكَ فَقَاتِلا إنَّا ههُنَا قَاعِدون 5 : 24 فأوحى اللّه إليه قَالَ فَإنَّها مُحَرَّمةٌ عَلَيهِم أَربَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفاسِقِين 5 : 26 . فمكثوا في ستّة عشر فرسخا أربعين سنة لا يهتدون طريقهم ، فكانوا إذا قاربوها أمر اللّه سبحانه الأرض فدارت بهم ، فأصبحوا في منزلهم الأول .

[ 2 ] و لعمري . . . : قسم . ليضعفن لكم التيه من بعدي اضعافا :

تزدادون تيها و حيرة ، و بعدا عن طريق النجاة و الخلاص .

[ 58 ]

ظهوركم ، و قطعتم الأدنى ، و وصلتم الأبعد [ 1 ] و اعلموا أنّكم إن اتّبعتم الدّاعي لكم [ 2 ] سلك بكم منهاج الرّسول ، و كفيتم مؤونة الإعتساف ، و نبذتم الثّقل الفادح [ 3 ] عن الأعناق .