( 181 ) و من خطبة له عليه السلام

الحمد للّه الّذي لا تدركه الشّواهد ، و لا تحويه المشاهد ، و لا تراه النّواظر ، و لا تحجبه السّواتر [ 3 ] ، الدّالّ على قدمه بحدوث خلقه ،

[ 1 ] الضئيل . . . : الصغير الحقير . و خفيّا صوتك : ليس لك ذكر و موقف . و المراد : لم يكن لك دور تحت راية الحقّ .

[ 2 ] نعر . . : صاح . و نجمت : برزت . و المعز : ما له شعر من الغنم بخلاف الضأن . و قرن الماعز : مادة صلبة ناشئة بجوار الاذن ، يظهر بغتة . و المراد : تشبيه نبوغه فجأة في سماء الباطل .

[ 3 ] الشواهد . . . : الحواس . و المشهد : المجمع من الناس .

و المراد : تنزّه من أن تراه العيون ، و يحويه مكان دون مكان . و لا تحجبه السواتر : لا يستخفى منه بستر ، و لا يحتجب عنه بحجاب .

[ 55 ]

و بحدوث خلقه على وجوده ، و باشتباههم على أن لا شبه له [ 1 ] ، الّذي صدق في ميعاده ، و ارتفع عن ظلم عباده ، و قام بالقسط [ 2 ] في خلقه ،

و عدل عليهم في حكمه ، مستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته ، و بما وسمها به من العجز على قدرته ، و بما اضطرّها إليه من الفناء على دوامه [ 3 ] . واحد لا بعدد ، دائم لا بأمد ، و قائم لا

[ 1 ] الدال على قدمه بحدوث خلقه . . . : ان سلالات الانسان و الحيوان تشهد على أن لها خالقا موجدا لها ، موجودا قبلها .

و بحدوث خلقه على وجوده : لاستحالة أن يكون بناء من غير بان . و باشتباههم : تشابههم في الخلقة . لا شبه له : لا مثيل له و لا شبيه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 42 : 11 .

[ 2 ] ميعاده . . . : وعده . و القسط : العدل .

[ 3 ] مستشهد بحدوث الأشياء . . . : ان مخلوقاته شاهدة على وجود صانع لها ، قد أتقن صنعها هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ 31 :

11 . و أزليته : قدمه . وسمها : وصفها . و العجز : الضعف و عدم القدرة على الشي‏ء . و المراد : وصف عجزهم عن الاقتدار على شي‏ء اختصّ به . و اضطرّها : ألجأها . و فنى الشي‏ء : باد و انتهى وجوده . و دوامه : بقائه .

[ 56 ]

بعمد [ 1 ] . تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة ، و تشهد له المرائي لا بمحاضرة [ 2 ] . لم تحط به الأوهام بل

[ 1 ] واحد لا بعدد . . . : ليس له ثاني ، و لا يشاركه في الوحدانية غيره . و الدائم : الباقي الذي لا يبيد و لا يفنى . و الأمد :

الغاية . و عماد الشي‏ء : ما يقوم به و يثبت و لولاه لزال .

و المراد : تنزّه عن الاستعانة بشي‏ء ، بل كل خلقه محتاج الى معونته .

[ 2 ] تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة . . . : شواعر الانسان و مشاعره حواسه . و المراد : تتقبّله العقول و تؤمن به بلا حاجة الى استخدام حاسة . و المرائي جمع مرآة : المنظر . و المراد :

تشهد له المناظر بالخلق ، و الابداع ، مستغنية عن المشاهدة . لا بمحاضرة : لا بمشاهدة .

[ 57 ]

تجلّى لها و بها امتنع منها ، و إليها حاكمها [ 1 ] ليس بذي كبر [ 2 ] امتدّت به النّهايات فكبّرته تجسيما ،

و لا بذي عظم تناهت به الغايات فعظّمته تجسيدا [ 3 ] ، بل كبر شأنا ، و عظم سلطانا [ 4 ] .

[ 1 ] لم تحط به الأوهام . . . : امتنع على الأوهام الاحاطة به ،

و معرفة كنه ذاته . و تجلّى لها : للعقول . و بها : ان العقول السليمة اهتدت الى معرفته و الأيمان به . و بها امتنع منها :

و بالعقول امتنع ان تحيط به العقول ، و تعلم كنه ذاته . و إليها حاكمها : حكمت العقول السليمة بامتناع رؤيته .

[ 2 ] ليس بذي كبر . . . : حجم و مقدار . و امتدت به : طولا و عرضا . و النهايات : حدود الجسمية . فعظمته : فكبرته ،

و تجسيدا : مجسدا . و المراد : تنزّهه عن ذلك ، و انه من مستلزمات الأجسام ، و عند ما يوصف جلّ جلاله بالكبير المراد به رفيع القدر ، عظيم الشأن .

[ 3 ] و لا بذي عظم . . . : المراد به الحجم و شبهه . و تناهت :

أبعاده في الطول و العرض . و الغايات : النهايات و الحدود .

فكبرته : فعظمته . تجسيما : مجسّدا .

[ 4 ] كبر شأنا . . . : منزلة و قدرة . و عظم سلطانا : قوة و قهرا وَ هُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الخَبِيرُ 6 : 18 .

و قال الطريحي في معنى عظيم : جلّ عن حدود العقول حتى لا يتصوّر الإحاطة بكنهه و حقيقته .

[ 58 ]

و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله الصّفيّ ، و أمينه الرّضيّ [ 1 ] ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، أرسله بوجوب الحجج ، و ظهور الفلج ، و إيضاح المنهج [ 2 ] ، فبلّغ الرّسالة صادعا بها ، و حمل على المحجّة دالاّ عليها ، و أقام أعلام الإهتداء ،

و منار الضّياء [ 3 ] ، و جعل أمراس الإسلام متينة ،

[ 1 ] الصفي . . . : اصطفاه و اختاره . و امينه : على وحيه و تبليغ رسالته . و الرضي : المرضي .

[ 2 ] أرسله بوجوب الحجج . . . : إقامة للحجّة على الخلق .

و الفلج : الظهور بالحجّة . و إيضاح المنهج : النهج الذي يتبعه الخلق .

[ 3 ] صادعا بها . . . : بيّنها ، و جهر بتبليغها . و المحجّة : الطريق المستقيم . و دالا عليها : مرشدا إليها . و منار الضياء :

العلامات التي يهتدى بها في البرّ و البحر .

[ 59 ]

و عرى الإيمان وثيقة [ 1 ] .

منها : في صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات :

و لو فكّروا في عظيم القدرة ، و جسيم النّعمة [ 2 ] ، لرجعوا إلى الطّريق ، و خافوا عذاب الحريق ، و لكنّ القلوب عليلة ، و البصائر مدخولة [ 3 ] ألا ينظرون إلى صغير ما خلق كيف

[ 1 ] أمراس جمع مريسة : الحبل وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُوا 3 : 102 . و متينة : قوية . و عرى جمع عروة : ما يستمسك به و يستعصم . وثيقة : محكمة .

[ 2 ] و لو فكّروا في عظيم القدرة . . . : حثّ الإسلام على التفكّر ، فبه ينتبه الى بدائع المخلوقات و ما أودع فيها الخالق من عجائب القدرة ، و عظيم الصنعة وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَواتِ وَ الأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ 3 : 191 . و جسيم النعمة : عظيمها .

[ 3 ] عليلة . . . : مريضة . و البصائر جمع بصيرة : قوة الإدراك و الفطنة . و مدخولة : فسد داخلها .

[ 60 ]

أحكم خلقه ، و أتقن تركيبه ، و فلق له السّمع و البصر ، و سوّى له العظم و البشر [ 1 ] ؟

أنظروا إلى النّملة في صغر جثّتها ، و لطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، و لا بمستدرك الفكر ، كيف دبّت على أرضها ، و صبت [ 2 ] على رزقها تنقل الحبّة إلى جحرها [ 3 ] ، و تعدّها في مستقرّها ، تجمع في حرّها لبردها ، و في ورودها لصدرها [ 4 ] مكفولة برزقها ، مرزوقة بوفقها [ 5 ] ، لا

[ 1 ] أتقن تركيبه . . . : أحكمه صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتقَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ 27 : 88 . و فلق : شقّ . و البشر : الجلد .

[ 2 ] دبّت . . . : مشت مشيا رويدا . وصبت : بعثت عليه .

[ 3 ] الجحر : حفرة تأوي إليها الهوام و صغار الحيوانات .

[ 4 ] في ورودها لصدورها : عبّر عن الأيّام التي تظهر فيها بالورود ، و الأيام التي تختفي فيها بالصدود .

[ 5 ] بوفقها : بما يوافقها و يلائمها من الرزق .

[ 61 ]

يغفلها المنّان ، و لا يحرمها الدّيّان [ 1 ] ، و لو في الصّفا اليابس ، و الحجر الجامس [ 2 ] ، و لو فكّرت في مجاري أكلها ، في علوها و سفلها ، و ما في الجوف من شراسيف [ 3 ] بطنها ، و ما في الرّأس من عينها و أذنها ، لقضيت من خلقها عجبا ، و لقيت من وصفها تعبا ، فتعالى [ 4 ] الّذي أقامها على قوائمها ، و بناها على دعائمها لم يشركه في فطرتها [ 5 ] فاطر ، و لم يعنه في خلقها قادر . و لو

[ 1 ] يغفلها . . . : يتركها اهمالا من غير نسيان . و المنّان : هو الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال . و الديّان القهّار . و المراد :

تحصيلها رزقها في المواضع التي لا يكون فيها عادة ما يصلحها من الغذاء .

[ 2 ] الصفا . . . : الحجر . و الجامس : الجامد .

[ 3 ] الشراسيف : أطراف الأضلاع المشرفة على البطن .

[ 4 ] فتعالى : تنزّه عمّا لا يليق بشأنه .

[ 5 ] فطرتها : خلقها .

[ 62 ]

ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته [ 1 ] ما دلّتك الدّلالة إلاّ على أنّ فاطر النّملة هو فاطر النّخلة ،

لدقيق تفصيل كلّ شي‏ء ، و غامض اختلاف كلّ حيّ [ 2 ] و ما الجليل و اللّطيف [ 3 ] ، و الثّقيل و الخفيف ، و القويّ و الضّعيف ، في خلقه إلاّ سواء و كذلك السّماء و الهواء ، و الرّياح و الماء .

فانظر إلى الشّمس و القمر ، و النّبات و الشّجر ،

و الماء و الحجر ، و اختلاف هذا اللّيل و النّهار ،

[ 1 ] مذاهب فكرك . . . : قصارى تفكيرك في الكائنات الحيّة لتبلغ غاياته : النهاية فيه .

[ 2 ] الدقيق . . . : الأمر الغامض . و غامض اختلاف كل حي : ما اشتمل عليه كل كائن من أجزاء غامضة . و المراد : التفكّر بما امتاز به كل مخلوق من دقّة الصنعة ، و عجائب الإبداع و القدرة .

[ 3 ] الجليل . . . : العظيم . و لطف الشي‏ء : صغر حجمه ،

و دقّ وصفه .

[ 63 ]

و تفجّر هذه البحار ، و كثرة هذه الجبال ، و طول هذه القلال [ 1 ] ، و تفرّق هذه اللّغات ، و الألسن المختلفات ، فالويل [ 2 ] لمن جحد المقدّر ، و أنكر المدبّر . زعموا أنّهم كالنّبات ما لهم زارع ، و لا لإختلاف صورهم صانع [ 3 ] و لم يلجأوا إلى حجّة [ 4 ] فيما ادّعوا ، و لا تحقيق لما أوعوا ، و هل

[ 1 ] القلال جمع قلّة : رأس الجبل . و جحد : أنكر .

[ 2 ] الويل : كلمة تقال عند الهلكة . و ويل : واد في جهنّم لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حرّه وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ 45 : 7 .

[ 3 ] و لاختلاف صورهم صانع : و أعظم فنّان و مصوّر لا يستطيع أن يرسم مائة صورة لا يشبه بعضها البعض ، و هذه ملايين البشر لا تجد اثنين منهما تتحد صورتهما ، و يتماثل شكلهما ،

فسبحان الخلاّق العليم .

[ 4 ] لم يلجأوا . . . : لم يستندوا . الى حجّة : الى دليل و برهان .

[ 64 ]

يكون بناء من غير بان [ 1 ] ، أو جناية من غير جان ؟

و إن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين ، و أسرج لها حدقتين قمراوين [ 2 ] ،

و جعل لها السّمع الخفيّ ، و فتح لها الفم السّويّ [ 3 ] ، و جعل لها الحسّ القويّ ، و نابين بهما تقرض ، و منجلين بهما تقبض [ 4 ] يرهبها الزّرّاع في

[ 1 ] و هل يكون بناء من غير بان ؟ : و هذا شي‏ء يحسّه كلّ أحد ،

فيستحيل وجود بناء و غيره من دون صانع له ، و هذه السماوات مرفوعات بلا عمد ، و ما فيها من شمس و قمر و نجوم ، و هذه أجهزة البدن و ما فيها من دقيق التصميم ، و عظيم القدرة ،

و غير ذلك من عجائب المخلوقات التي تكاد تنطق انّ لها خالقا و مصوّرا .

[ 2 ] أسرج لها . . . : جعلها كالسراج ( المصباح ) و الحدقة :

السواد المستدير وسط العين . قمراوين : شبههما بالليلة المنيرة بالقمر و المراد : وصف قوّة الباصرة عندها .

[ 3 ] سوّى الشي‏ء : قوّمه و عدّله . و المراد : المناسب لخلقتها .

[ 4 ] المنجل . . . : آلة من الحديد تستعمل لحصد الزرع .

و المراد بذلك رجليها . و قبض الشي‏ء : أخذه بقبضة يده .

[ 65 ]

زرعهم ، و لا يستطيعون ذبّها ، و لو أجلبوا بجمعهم ، حتّى ترد الحرث في نزواتها [ 1 ] و تقضي منه شهواتها و خلقها كلّه لا يكون إصبعا مستدقّة [ 2 ] .

فتبارك اللّه الّذي يسجد له من في السّموات و الأرض طوعا و كرها ، و يعنو له خدّا و وجها ،

و يلقي إليه بالطّاعة سلما و ضعفا ، و يعطي له القياد [ 3 ] رهبة و خوفا . فالطّير مسخّرة لأمره ،

[ 1 ] ذبّها . . . : دفعها . و الجلب : الصياح و الصخب . و نزا :

وثب . مصداق ذلك اهتمام حكومات العالم بمكافحة الجراد ، و تجهيز فرق خاصة لذلك مستخدمة للطيران .

[ 2 ] المستدق من كلّ شي‏ء : ما كان دقيقا رقيقا .

[ 3 ] تبارك اللّه . . . : عظمت بركاته و كثرت . و طوعا :

المؤمنون . و كرها : الكافرون عند اضطرارهم إليه وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَواتِ وَ الأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً 13 : 15 .

و يعنو : يخضع و يذل . و يلقي إليه بالطاعة : يطيعه . سلما و ضعفا : مستسلما مطيعا خاضعا . و يعطي له القياد : ينقاد و يخضع له .

[ 66 ]

أحصى عدد الرّيش منها و النّفس ، و أرسى قوائمها على النّديّ و اليبس [ 1 ] ، و قدّر أقواتها ،

و أحصى أجناسها : فهذا غراب ، و هذا عقاب ،

و هذا حمام ، و هذا نعام . دعا كلّ طائر باسمه ،

و كفل له برزقه ، و أنشأ السّحاب الثّقال فأهطل ديمها [ 2 ] و عدّد قسمها ، فبلّ الأرض بعد جفوفها ،

و أخرج نبتها بعد جدوبها [ 3 ] .

[ 1 ] مسخّرة . . . : ذليلة منقادة . و أرسى : ثبّت . و الندي :

المبتل . و اليبس : الجاف .

[ 2 ] السحاب . . . : الغيم . و الثقال : بالماء . و أهطل المطر :

تتابع متفرّقا . و الديمة : المطر يطول زمانه في سكون .

[ 3 ] جدب المكان : لاحتباس الماء عنه .

[ 67 ]