( 187 ) و من خطبة له عليه السلام

الحمد للّه الفاشي في الخلق حمده ، و الغالب جنده ، و المتعالي جدّه [ 1 ] أحمده على نعمه التؤام ، و آلائه [ 2 ] العظام ، الّذي عظم حلمه فعفا ، و عدل في كلّ ما قضى ، و علم ما يمضي و ما مضى ، مبتدع الخلائق بعلمه ، و منشئهم بحكمه بلا اقتداء و لا تعليم ، و لا احتذاء لمثال صانع حكيم ، و لا إصابة خطإ ، و لا حضرة

[ 1 ] المتعالي . . . : جلّ عن كل وصف . و جدّه : جلاله و عظمته وَ اَنَّهُ تَعَالى‏ جدُّ رَبَّنا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَ لاَ وَلَداً 72 : 3 .

[ 2 ] التؤام . . . : جمع توءم : الولد المقارن أخاه في بطن واحد . و المراد : بيان كثرة النعم على العباد و ترادفها .

و آلائه : نعمه .

[ 6 ]

ملأ [ 1 ] . و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ابتعثه و النّاس يضربون في غمرة ، و يموجون في حيرة .

قد قادتهم أزمّة الحين ، و استغلقت على أفئدتهم أقفال الرّين [ 2 ] .

[ 1 ] احتذاء لمثال . . . : سار على مثاله . و المراد : لم يكن هناك خلق لخالق سبقه فيحذو حذوه في الخلق و الابداع ، بل هو الخالق المصوّر لخلقه . و لا اصابة خطأ : لم يحصل فيما خلقه خطأ فيعود لتلافيه و اصلاحه ، بل هو الخلاّق العليم .

و لا حضره ملأ : الملأ : الجماعة من الناس . و المراد : لم يعاونه أو يشير عليه في خلقه و ابداعه أحد .

[ 2 ] يضربون في غمرة . . . : ضرب في الأرض : سار و أبعد .

و الغمرة : الشدّة . و المراد : ما كانوا فيه قبل البعثة من بؤس و مصاعب ، فالأمن مفقود ، و الفقر منتشر ، و الجهل يسود المجتمع . يموجون في حيرة : ماج القوم : اختلفت أمورهم و اضطربت . و المراد : وصف ما كانوا فيه من الاختلاف و الاضطراب . قد قادتهم أزمة الحين : أزمة جمع زمام : ما تقاد به الدابة . و الحين : الهلاك . و المراد :

انجرارهم للهلاك بما يحصل بينهم من حروب و غارات استغلقت أقفال الرين : الرين : الدنس . و المراد : أن دنس الذنوب و آثارها السيئة قد استحكمت عليهم فكانت شبيهة بالأقفال المغلقة .

[ 7 ]

أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه [ 1 ] فإنّها حقّ اللّه عليكم ، و الموجبة على اللّه حقّكم [ 2 ] ، و أن تستعينوا عليها باللّه ، و تستعينوا بها على اللّه [ 3 ] ، فإنّ التّقوى في اليوم الحرز و الجنّة [ 4 ] ، و في غد

[ 1 ] أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه : سئل الامام الصادق عليه السلام عن التقوى فقال : ان لا يفقدك اللّه حيث أمرك ، و لا يراك حيث نهاك .

[ 2 ] الموجبة على اللّه حقكم : بها تستوجبون جنانه ، و ما أعدّه لأوليائه .

[ 3 ] و ان تستعينوا عليها باللّه . . . : تطلبون منه جلّ جلاله أن يوفّقكم لها ، و يعينكم على تحصيلها . و تستعينوا بها على اللّه : في بلوغ رضاه ، و تحصيل ثوابه .

[ 4 ] حرز حرازة : امتنع و تحصن . و الجنّة : كل ما وقي من سلاح و غيره . و المراد : بالتقوى يصون المسلم نفسه عمّا يشينها .

[ 8 ]

الطّريق إلى الجنّة : مسلكها واضح ، و سالكها رابح ، و مستودعها حافظ [ 1 ] ، لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين و الغابرين [ 2 ] لحاجتهم إليها غدا إذا أعاد اللّه ما أبدى . و أخذ ما أعطى .

و سأل عمّا أسدى . فما أقلّ من قبلها و حملها حقّ حملها [ 3 ] ، أولئك الأقلّون عددا . و هم أهل صفة

[ 1 ] مستودعها . . . : المودعة عنده . حافظ : لها ، لا تضيع عنده . و المراد به اللّه جلّ جلاله ، و هي مدخرة عنده يجزيه عنها أحسن الجزاء .

[ 2 ] لم تبرح . . . : لم تزل . عارضة نفسها : تدعو الى التمسّك بها ، و ترغّب بالأجر الذي يحصل عليه الملتزمون بها .

الغابرين . الغابر ها هنا الباقي ، و هو من الأضداد ، يستعمل بمعنى الباقي و بمعنى الماضي .

[ 3 ] أعاد ما أبدى . . . : أحياهم للحساب . و أسدى : أعطى .

و المراد : حاسبهم على ما أعطاهم ، فسأل كلاّ منهم عن ماله من أين اكتسبه ، و فيما أنفقه . فما أقل من قبلها و حملها حق حملها : المراد : قلّة المتّقين .

[ 9 ]

اللّه سبحانه إذ يقول : وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ . فأهطعوا بأسماعكم إليها ، و كظّوا بجدّكم عليها ، و اعتاضوها من كلّ سلف خلفا ،

و من كلّ مخالف موافقا [ 1 ] ، أيقظوا بها نومكم ،

و اقطعوا بها يومكم ، و أشعروا بها قلوبكم ،

و ارحضوا بها ذنوبكم . و داووا بها الأسقام ،

و بادروا بها الحمام [ 2 ] ، و اعتبروا بمن أضاعها ،

[ 1 ] فاهطعوا . . . : اسرعوا . و كظّوا : الزموا الأمر و داوموا عليه .

و الجدّ : الاجتهاد ، و بلوغ الغاية في الاحسان . و اعتاض :

أخذ العوض ، و هو البدل . و سلف : مضى . و خلفا :

عوضا . و المراد : هي العوض النافع عن كل محبوب لنا في الدنيا مضى . و من كل مخالف موافقا : و هي أيضا العوض عن كل مخالف خسرته في سبيل الحق .

[ 2 ] أيقظوا بها نومكم . . . : انتبهوا لصلاة الليل . و اقطعوا بها يومكم : اجعلوا جميع تصرفاتكم و معاملاتكم تجري على مجرى التقوى ، فلا كذب ، و لا غشّ ، و لا سرقة . . . الخ .

و الشعار : ما يلي جسد الانسان من الثياب . و المراد :

اجعلوا التقوى شعارا لقلوبكم . و ارحضوا : اغسلوا .

و بادروا : عجّلوا . و الحمام : الموت .

[ 10 ]

و لا يعتبرنّ بكم من أطاعها [ 1 ] ألا و صونوها و تصوّنوا بها [ 2 ] . و كونوا عن الدّنيا نزّاها ، و إلى الآخرة ولاّها [ 3 ] ، و لا تضعوا من رفعته التّقوى [ 4 ] ، و لا ترفعوا من رفعته الدّنيا ، و لا

[ 1 ] و اعتبروا بمن أضاعها . . الخ : خذوا العبر و الدروس بمن مضى منكم مضيّعا للتقوى ، و إيّاكم أن تكونوا المضيّعين لها فيعتبر بكم .

[ 2 ] صان الشي‏ء . . . : حفظه في مكان أمين . و المراد المحافظة عليها من عوارض قد تصيب المتقين فتفسد عملهم ، من عجب و غيره . و تصوّنوا بها : تجمّلوا بها عن كل ما يشين المتّقين ، و ينافي كرامتهم ، حتّى في الأمور الغير المحرّمة ، كالاستعانة بمخلوق و طلب معروفه ، الى غير ذلك .

[ 3 ] نزاها . . . : النزاهة : البعد عن السوء ، و ترك الشبهات .

و الوله : شدّة الحزن حتّى ذهاب العقل .

[ 4 ] و لا تضيّعوا من رفعته التقوى : لا تهملوا المتّقين و الاعتناء بهم ، و الاهتمام بأمرهم

[ 11 ]

تشيموا بارقها و لا تسمعوا ناطقها ، و لا تجيبوا ناعقها ، و لا تستضيئوا بإشراقها ، و لا تفتنوا بأعلاقها [ 1 ] ، فإنّ برقها خالب و نطقها كاذب ،

و أموالها محروبة ، و أعلاقها [ 2 ] مسلوبة ، ألا و هي

[ 1 ] و لا تشيموا بارقها . . . : البارق : السحاب . و شام البرق :

اذا نظر إليه انتظارا للمطر . و المراد : لا تنظروا الى أهل الدنيا ، فإنّ نعيمها زائل . و لا تسمعوا ناطقها : هم المحبّون لها ، الراغبون فيها ، المعجبون بها . و لا تجيبوا ناعقها : نعق في الفتنة : رفع فيها صوته . و المراد :

اعرضوا عن الدعاة إليها ، و المقبلين عليها . و لا تستضيئوا بإشراقها . استضاء : استنار . و اشراقها : نورها . و المراد :

عدم البحث عن الطرق المؤدّية للحصول عليها . و لا تفتنوا :

لا تقعوا في الإثم . باعلاقها : جمع علق : الشي‏ء النفيس . و المراد : لا تفتنكم بنفائسها و زخرفها ، فان ذلك الى الزوال .

[ 2 ] برقها . . . : سحابها . و خالب : خادع ليس فيه مطر . و نطقها كاذب : ان دواعي الرغبة فيها ، و الحرص عليها كاذبة ،

لمجانبتها الواقع . و أموالها محروبة : منهوبة ، فهي ان سلمت من المعتدين و السراق ، فلا بدّ من تركها يوما ما لآخرين . و اعلاقها : نفائسها . . .

[ 12 ]

المتصدّية العنون ، و الجامحة الحرون ، و المائنة الخؤون ، و الجحود الكنود ، و العنود الصّدود ،

و الحيود الميود [ 1 ] : حالها انتقال ، و وطأتها زلزال [ 2 ] ، و عزّها ذلّ ، و جدّها هزل ، و علوها

[ 1 ] العنون . . . : الدابة المتقدمة في السير . و الجامحة : هي التي تغلب الفارس فلا يملكها . و الحرون : التي اذا اشتدّ بها السوق وقفت . و المائنة : الكاذبة . و الخؤون : الخائنة .

و الجحود : الناكر للنعم . و الكنود : الكفور للنعمة إنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودُ 100 : 6 . و الصدود : المعرضة عمّن طلبها . و حاد عن الشي‏ء : مال عنه . و ماد الشي‏ء :

تحرّك و اضطرب . و المراد : وصف تبدل حالاتها و اضطرابها .

[ 2 ] وطأتها زلزال . . . : وطأ الشي‏ء : داسه . و الزلزلة : شدّة الاضطراب . و المراد : اضطراب حال أهلها . و علوها سفل : إن الحصول على الرتب الرفيعة فيها موجب لتأخر المنزلة في الدار الآخرة .

[ 13 ]

سفل ، دار حرب و سلب و نهب و عطب [ 1 ] ، أهلها على ساق و سياق [ 2 ] ، و لحاق و فراق ، قد تحيّرت مذاهبها ، و أعجزت مهاربها [ 3 ] . و خابت مطالبها ،

فأسلمتهم المعاقل ، و لفظتهم المنازل ، و أعيتهم

[ 1 ] دار حرب و سلب . . . : أهلها دائما في حرب و سلب ، و حتى في القرن العشرين ، و المدنيّة و الحضارة في أوج عظمتها ،

تجد مصداق كلام الامام عليه السلام ، فالحروب قائمة ،

و الدول الكبرى تسلب و تنهب خيرات الدول الضعيفة .

و العطب : الهلاك .

[ 2 ] أهلها على ساق و سياق . . . : السوق : الشدّة . و السياق :

نزع الروح . و المراد : يكابد أهلها الشدائد مع انّهم مساقون الى الدار الآخرة . و لحاق و فراق : يلحقون بالأموات ،

و يفارقون الأحياء .

[ 3 ] قد تحيّرت مذاهبها . . . : تحيّر أهلها في الاهتداء الى خيرها ، و اجتناب شرّها . و اعجزت مهاربها : موضع الهرب و النجاة منها . و المراد : لا مهرب منها .

[ 14 ]

المحاول [ 1 ] فمن ناج معقور ، و لحم مجزور ،

و شلو مذبوح ، و دم مسفوح ، و عاضّ على يديه ، و صافق بكفّيه ، و مرتفق بخدّيه ، و زار على رأيه ، و راجع عن عزمه [ 2 ] ، و قد أدبرت الحيلة ،

[ 1 ] فأسلمتهم المعاقل جمع معقل : الحصن . و المراد : لم تحميهم حصونهم عن الموت . و لفظتهم المنازل : أخرجتهم الى القبور . و أعيتهم المحاول : أعيا عليه الأمر : أعجزه ،

فلم يهتد لوجه الحيلة فيه . و المحاول جمع محاولة : و هي الحيلة . و المراد : لم يهتدوا السبيل الى المخرج من مآزقها .

[ 2 ] فمن ناج معقور . . . : مجروح . وصف الأحياء بمن شهد حربا فنجا من القتل بعد ما جرح . و المراد بالجراح مصائب الدنيا و أحزانها . و لحم مجزور : جزر الشي‏ء :

قطّعه . و المراد : وصف لمن قتل منهم و تقطّعت أوصاله ، أو صار جزرا للسباع . و شلو مذبوح : الشلو : العضو . و يقول الشارح البحراني : و أراد ذي شلو مذبوح ، أي قد صار بعد الذبح أشلاء . و دم مسفوح : مسفوك . و عاض على يديه :

ندما . و صافق بكفّيه : حزنا و أسفا . و مرتفق بخدّيه : مستند على مرفقيه ، قد وضع كفّيه تحت خدّيه ، متأسف حزين .

و زار على رأيه : عائب على نفسه و ما كانت عليه من رأي و عمل . و راجع عن عزمه : عن قصده .

[ 15 ]

و أقبلت الغيلة [ 1 ] و لات حين مناص [ 2 ] ، هيهات

[ 1 ] قد أدبرت الحيلة . . . : لا سبيل الى تدارك ذلك . و أقبلت الغيلة : الشر .

[ 2 ] و لات حين مناص : المناص : المهرب . و المراد : ليس الوقت وقت مزار .

تنبيه هذه الخطبة و غيرها كثير من كلام الامام عليه السلام في ذمّ الدنيا ، و الانصراف عنها ، و ليس الغرض من ذلك ترك العمل ، و الانقطاع عن التجارة و الزراعة و غيرها ، بل الغرض عدم التوجّه الكلّي الى الدنيا ، و السعي المجد في حصولها لأن ذلك مشغلا عن الآخرة ، مفوّتا لتحصيلها ، و سمع بعض الأثرياء يتكلّم في نومه قائلا : كيف صار موضوع الذهب ؟

و بعد برهة قال : القمح حتى الآن ما وصل . . إلخ فكلّمه فاذا هو يغطّ في نومه ، فعرف ان هذا الرجل لانغماسه في الدنيا فهو حينما ينام ينشغل عقله الباطني بها . فهذا الذي يأباه الامام عليه السلام و يحذّر منه .

[ 16 ]

هيهات قد فات ما فات ، و ذهب ما ذهب ،

و مضت الدّنيا لحال بالها فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَ الْأَرْضُ وَ مَا كَانُوا مُنْظَرِينَ .