( 188 ) و من خطبة له عليه السلام تسمّى القاصعة [ 1 ]

و هي تتضمّن ذمّ إبليس ( لعنه اللّه ) على استكباره و تركه السجود لآدم عليه السلام و أنّه أوّل

[ 1 ] قصعه قصعا : صغّره و حقّره . و المراد : أنّها في تحقير إبليس و المتكبّرين . و السبب في هذه الخطبة أن أهل الكوفة فسدت أخلاقهم في آخر خلافة الإمام عليه السلام ، فكان الرجل منهم يمرّ في غير قبيلته فيستصرخ بقبيلته ، فمثلا : يكون من بكر بن وائل ، و يمرّ بمذحج فيصيح : يا آل بكر بن وائل قاصدا الفتنة فيجتمع عليه المذحجيون فيضربونه ، فيأتي قبيلته يستصرخهم ، فتجيش الفتنة ، و تشهر السيوف بلا سبب ، و هكذا .

[ 17 ]

من أظهر العصبية و تبع الحمية ، و تحذير الناس من سلوك طريقته .

الحمد للّه الّذي لبس العزّ و الكبرياء ،

و اختارهما لنفسه دون خلقه ، و جعلهما حمى و حرما على غيره [ 1 ] ، و اصطفاهما لجلاله ، و جعل اللّعنة على من نازعه فيهما من عباده . ثمّ اختبر بذلك ملائكته المقرّبين ، ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين فقال سبحانه و هو العالم بمضمرات القلوب ، و محجوبات الغيوب : إنّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ، فَإذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ، فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ

[ 1 ] حمى و حرما على غيره : الحمى : موضع فيه كلأ ، يحمى من الناس أن يرعى . و حرم فلانا الشي‏ء حرمانا : منعه إياه . و المراد : أن ذلك مختصّ به جلّ جلاله ، لا يسمح به لأحد من خلقه .

[ 18 ]

أَجْمَعُونَ إلاّ إبْلِيسَ اعترضته الحميّة [ 1 ] فافتخر على آدم بخلقه ، و تعصّب عليه لأصله ، فعدوّ اللَّه إمام المتعصّبين ، و سلف المستكبرين ، الّذي وضع أساس العصبيّة ، و نازع اللَّه رداء الجبريّة وادّرع [ 2 ] لباس التّعزّز ، و خلع قناع التّذلّل [ 3 ] .

ألا ترون كيف صغّره اللَّه بتكبّره ؟ و وضعه اللَّه بترفّعه ؟ فجعله في الدّنيا مدحورا [ 4 ] ، و أعدّ له في

[ 1 ] الحمية : الأنفة و الغضب .

[ 2 ] الامام . . . : الذي يأتمّ به الناس فيتبعونه . و المراد : هو المنشأ لرذيلة العصبية و الافتخار بالأصل الذي نعاني منها اليوم . و السلف : المتقدّم .

[ 3 ] رداء الجبرية . . . : التجبّر ( الكبرياء ) و ادرع : لبس الدرع . لباس التعزز : العزّة و الجلال . و القناع : ما تغطّي به المرأة رأسها . و المراد : أن عدوّ اللَّه تعدّى طوره ، و ادعى ما ليس له ، و ترك ما أمر به .

[ 4 ] مدحورا : مطرودا مبعّدا قَالَ اخْرُج مِنْهَا مَذْؤُماً مَدحُوراً 7 : 18 .

[ 19 ]

الآخرة سعيرا .

و لو أراد اللَّه أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه ، و يبهر العقول رواؤه ، و طيب يأخذ الأنفاس عرفه [ 1 ] لفعل ، و لو فعل لظلّت له الأعناق خاضعة ، و لخفّت البلوى فيه على الملائكة ، و لكنّ اللَّه سبحانه ابتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالإختبار لهم ،

و نفيا للإستكبار عنهم ، و إبعادا للخيلاء [ 2 ] منهم .

فاعتبروا بما كان من فعل اللَّه بإبليس إذ

[ 1 ] الرواء . . . : حسن المنظر . و العرف : الرائحة الطيبة .

و المراد : لو أن اللَّه تعالى خلق آدم عليه السلام من نور باهر ، و منظر خلاّب يبهر العقول ، و روائح ذكيّة ، لخفّ التكليف على المكلفين بالسجود لما يرون من عظمته و بهائه ، و لكن اللَّه تعالى يختبر عباده تمييزا للمطيع من العاصي .

[ 2 ] الخيلاء : الكبرياء .

[ 20 ]

أحبط [ 1 ] عمله الطّويل ، و جهده الجهيد ، و كان قد عبد اللَّه ستّة آلاف سنة لا يدرى أمن سنيّ الدّنيا أم سنيّ الآخرة عن كبر ساعة واحدة فمن ذا بعد إبليس يسلم على اللَّه بمثل معصيته [ 2 ] ؟ كلاّ ما كان اللَّه سبحانه ليدخل الجنّة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا ، إنّ حكمه في أهل السّماء و أهل الأرض لواحد ، و ما بين اللَّه و بين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى [ 3 ] حرّمه على العالمين .

[ 1 ] حبط عمله : ذهب ثوابه .

[ 2 ] فمن ذا بعد إبليس يسلّم على اللَّه بمثل معصيته : ان إبليس و منزلته الرفيعة في العالم العلوي ، و عبادته ستّة آلاف سنة ،

هوى الى الحضيض لتكبّره ، فهل يستطيع متكبر بعد هذا النجاة من سخط اللَّه و عذابه .

[ 3 ] الهوادة . . . : اللين و الرفق . و المباح : خلاف المحذور ،

أي فيه الرخصة ، و الحمى : مرّ معناه . و المراد : لا يمكن أن يسمح اللَّه لعبد بعمل و قد حرّمه على الناس .

[ 21 ]

فاحذروا عدوّ اللَّه أن يعديكم بدائه ،

و أن يستفزّكم بندائه ، و أن يجلب عليكم بخيله و رجله [ 1 ] ، فلعمري [ 2 ] لقد فوّق لكم سهم الوعيد ، و أغرق لكم بالنّزع الشّديد [ 3 ] ، و رماكم من مكان قريب ، و قال : رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ قذفا

[ 1 ] يعديكم بدائه . . . : تصيبكم منه العدوى ، و ينتقل إليكم مرض الكبرياء ، و ان يستفزكم بندائه : يستزلّكم و يستخفّكم بوسوسته . و يجلب عليكم بخيله و رجله : يجمع عليكم ما قدر عليه من مكائده و اتباعه و ذريته وَ استَفزِز مَنِ استَطَعتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ اجْلِب عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ 17 : 64 .

[ 2 ] فلعمري : قسم .

[ 3 ] فوّق لكم سهم الوعيد . . . : فوّق السهم : جعل له فوقا ،

و هو موضع الوتر منه . و المراد : تهيّأ و استعد ، و أعدّ ما يلزمه لغوايتكم . و أغرق القوس نزعا : مدّها في نزعها لتكون سهامه أشدّ وقعا .

[ 22 ]

بغيب بعيد ، و رجما بظنّ مصيب ، صدّقه به أبناء الحميّة ، و إخوان العصبيّة [ 1 ] ، و فرسان الكبر و الجاهليّة . حتّى إذا انقادت له الجامحة منكم ،

و استحكمت الطّماعية منه فيكم [ 2 ] ، فنجمت الحال من السّرّ الخفيّ إلى الأمر الجليّ [ 3 ]

[ 1 ] صدّقه به أبناء الحمية . . . الخ : استجاب لندائه أهل الأنفة و العصبية و الكبرياء ، فكانوا عند حسن ظنّه بهم ، و طمعه فيهم .

[ 2 ] انقادت له الجامحة منكم . . . : جمح الفرس : عصا أمر صاحبه حتى غلبه . و المراد : تمكّن حتى من القوم الذين كانوا بعيدين منه . و استحكمت الطماعية منه فيكم :

استحكم الشي‏ء : توثق و صار محكما . و الطمع : الرغبة في الشي‏ء . و المراد : حققتم له آماله فيكم ، و طمعه في إغوائكم وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيهِم إبلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ 34 :

20 .

[ 3 ] فنجمت الحال . . . : ظهرت . من السر الخفيّ الى الأمر الجليّ : تدرّج بهم في الاغواء من الوسوسة حتى خرج بهم الى حيّز العمل ، و من التفكير في الجريمة الى تنفيذها .

[ 23 ]

استفحل سلطانه عليكم ، و دلف بجنوده نحوكم [ 1 ] ، فأقحموكم و لجات الذّلّ ، و أحلّوكم و رطات القتل ، و أوطأوكم إثخان الجراحة [ 2 ] :

طعنا في عيونكم ، و حزّا في حلوقكم ، و دقّا لمناخركم ، و قصدا لمقاتلكم [ 3 ] ، و سوقا بخزائم القهر إلى النّار [ 4 ] المعدّة لكم ، فأصبح أعظم في

[ 1 ] استفحل سلطانه . . . : قوي و اشتدّ . و دلف بجنوده : تقدّم بهم .

[ 2 ] فاقحموكم . . . : ادخلوكم قهرا . و لجات الذلّ جمع ولجة : كهف يحتمى به من المطر و شبهه . و احلوكم :

أنزلوكم . و ورطات الهلكة : القتل . و أوطأوكم أثخان الجراحة : وطى‏ء الشي‏ء : داسه . و أثخن في الأمر : بالغ فيه . و المراد : بمساعي الشيطان حصل لكم ذلك .

[ 3 ] طعنا في عيونكم . . . : و هو أشدّ الطعن . و حزّا في حلوقكم : قطعا . و المراد به القتل . و دقّا لمناخركم :

لأنوفكم . و قصدا لمقاتلكم : قاصدين لقتلكم .

[ 4 ] و سوقا بخزائم القهر الى النار : جمع خزامة : حلقة من شعر توضع في أنف البعير يشدّ فيها الزمام . و المراد : ساقوكم أذلاّء الى النار .

[ 24 ]

دينكم جرحا ، و أورى في دنياكم قدحا ، من الّذين أصبحتم لهم مناصبين ، و عليهم متألّبين [ 1 ] فاجعلوا عليه حدّكم ، و له جدّكم [ 2 ] فلعمر اللَّه لقد فخر على أصلكم ، و وقع في حسبكم ، و دفع في نسبكم ، و أجلب بخيله عليكم ، و قصد برجله

[ 1 ] فأصبح أعظم في دينكم جرحا . . . : ما أصبتم به في دينكم أعظم مما أصبتم به من القتل و الجراحة . و أورى في دنياكم قدحا : أورى النار : أوقدها و اشعلها . و ناصبه العداوة :

أظهرها له . و متألبين : مجتمعين . و المراد : ان هذا العدوّ اللدود الذي أفسد دينكم و دنياكم هو أولى بالعداوة و المقاطعة من اخوانكم الذين ناصبتموه العداء .

[ 2 ] فاجعلوا عليه حدّكم . . . : شدّتكم . و المراد : توجّهوا لهذا العدوّ اللدود بكلّ قواكم . و له جدّكم : اجتهدوا في دفعه و ابعاده عنكم .

[ 25 ]

سبيلكم [ 1 ] : يقتنصونكم بكلّ مكان ، و يضربون منكم كلّ بنان [ 2 ] لا تمتنعون بحيلة ، و لا تدفعون بعزيمة [ 3 ] في حومة ذلّ [ 4 ] و حلقة ضيق ،

و عرصة موت ، و جولة بلاء . فأطفئوا ما كمن في

[ 1 ] وقع في حسبكم . . . : وقع فيه : سبّه و عابه . و الحسب :

ما يعدّه المرء من مناقبه و شرف آبائه . و دفع في نسبكم :

و المراد : امتناعه عن السجود لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمأٍ مَسْنُونٍ 15 : 33 . و اجلب بخيله . . الخ : المراد بهم جنوده و أعوانه من شياطين الجنّ و الإنس ، و دعاة الضلالة . و سبيلكم : طريقكم . و المراد :

طريق الحقّ و السلامة و النجاة . قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُستَقِيمَ 7 : 16 .

[ 2 ] يقتنصونكم . . . : يتصيّدونكم . و البنان : اطراف الأصابع .

[ 3 ] بعزيمة : هي إرادة الفعل ، و القطع عليه ، و الجدّ في الأمر .

و المراد : ادفعوا إبليس بقوّة و جدّ .

[ 4 ] حومة ذلّ : الحومة من القتال : أشدّ موضع فيه ، و من البحر : معظمه .

[ 26 ]

قلوبكم من نيران العصبيّة ، و أحقاد الجاهليّة فإنّما تلك الحميّة تكون في المسلم من خطرات الشّيطان و نخواته ، و نزغاته و نفثاته [ 1 ] و اعتمدوا وضع التّذلّل على رؤوسكم ، و إلقاء التّعزّز تحت أقدامكم ، و خلع التّكبّر من أعناقكم ، و اتّخذوا التّواضع مسلحة [ 2 ] بينكم و بين عدوّكم : إبليس و جنوده ، فإنّ له من كلّ أمّة جنودا و أعوانا ، و رجلا و فرسانا . و لا تكونوا كالمتكبّر على ابن أمّه [ 3 ] من

[ 1 ] خطرات الشيطان . . . : وساوسه . و نخواته : افتخاره و تعظمه : و نفثاته : هو ما يلقيه في قلب الإنسان ، و يوقعه في باله مما يصطاده به .

[ 2 ] المسلحة : خيل و رجال معدّة على الحدود للطوارى‏ء .

و المراد : ادفعوا ابليس و أعوانه بالتواضع ، كما تدفع المسالح جنود العدو .

[ 3 ] و لا تكونوا كالمتكبّر على ابن امّه . . الخ : المراد به قابيل الذي قتل أخاه هابيل حسدا و تكبّرا على الإذعان بالحقّ .

[ 27 ]

غير ما فضل جعله اللَّه فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد ، و قدحت الحميّة في قلبه من نار الغضب ، و نفخ الشّيطان في أنفه من ريح الكبر الّذي أعقبه اللَّه به النّدامة ، و ألزمه آثام القاتلين [ 1 ] إلى يوم القيامة .

ألا و قد أمعنتم في البغي [ 2 ] ، و أفسدتم في الأرض ، مصارحة للَّه بالمناصبة [ 3 ] ، و مبارزة للمؤمنين بالمحاربة فاللَّه اللَّه في كبر الحميّة ،

[ 1 ] عاقبة كل شي‏ء : آخره . و ألزمه آثام القاتلين : لأنّه سنّ سنّة ضلال ، و من سنّ سنّة هدى فله أجرها و أجر من عمل بها الى يوم القيامة ، من دون أن ينقص من أجرهم ، و من سنّ سنّة ضلال فعليه وزرها و وزر من عمل بها الى يوم القيامة ،

من دون أن ينقص من أوزارهم .

[ 2 ] أمعن فلان في الأمر : جدّ . و البغي : الظلم .

[ 3 ] مصارحة للَّه بالمناصبة : صارح بما في نفسه : بيّنه و أظهره . و ناصبه : نصب له حربا شنّها عليه .

[ 28 ]

و فخر الجاهليّة فإنّه ملاقح الشّنآن [ 1 ] ، و منافخ الشّيطان ، الّتي خدع بها الأمم الماضية ،

و القرون الخالية ، حتّى أعنقوا في حنادس جهالته و مهاوي ضلالته ، ذللا على سياقه ، سلسا في قياده [ 2 ] ، أمرا تشابهت القلوب فيه ، و تتابعت القرون عليه ، و كبرا تضايقت الصّدور به .

ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم و كبرائكم

[ 1 ] ملاقح جمع لقاح : ماء الفحل ، و ما يلقح به الشجر و النبات . و الشنآن : العداوة و البغضاء . و المراد : أن الكبر و الفخر و الحميّة يولّد البغضاء ، و سبيل الشيطان في التسلّط على الانسان .

[ 2 ] أعنقوا في حنادس جهالته . . . : أعنق الجمل : مدّ عنقه و أوسع خطوته . و حنادس جمع حندس : الليل المظلم .

و مهاوي جمع مهوى : ما بين الجبلين و نحو ذلك . ذللا على سياقه : أذلاء منقادين له . سلسا في قياده : سهل عليه انقيادهم . و المراد : ما زال بهم الشيطان حتى أدخلهم سراعا الى ظلمة الباطل ، و مهوى عميق يصعب الخروج منه .

[ 29 ]

الّذين تكبّروا عن حسبهم ، و ترفّعوا فوق نسبهم ،

و ألقوا الهجينة على ربّهم [ 1 ] ، و جاحدوا اللَّه على ما صنع بهم ، مكابرة لقضائه ، و مغالبة لآلائه [ 2 ] فإنّهم قواعد أساس العصبيّة ، و دعائم أركان الفتنة ، و سيوف اعتزاء الجاهليّة ، فاتّقوا اللَّه و لا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا ، و لا لفضله عندكم حسّادا [ 3 ] و لا تطيعوا الأدعياء الّذين

[ 1 ] الهجينة : العيب و القبيح . و المراد : انّهم في تفاخرهم و تكبّرهم ، و ذمّهم لغيرهم بأن يقولوا : أنا عربي ، و أنت أعجمي علما أن ليس للإنسان في ذلك صنع . فكأنّهم بذلك ألقوا بهذا العيب على الخالق جلّ جلاله .

[ 2 ] مكابرة . . . : مجاحدة و مغالبة لما قضى به . و لآلآئه :

لنعمه .

[ 3 ] اعتزاء الجاهلية . . . : هو نداؤهم : يا لفلان ، فوصف استصراخهم لقبائلهم بما كان يفعله أهل الجاهلية في تهييج الفتن . و لا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا : لا تقابلوا النعم بالجحود فتنفر عنكم ، فبالشكر تدوم النعم . و لا لفضله حسّادا : انّكم تقومون بدور الحاسد في إزالة النعم .

[ 30 ]

شربتم بصفوكم كدرهم [ 1 ] ، و خلطتم بصحّتكم مرضهم و أدخلتم في حقّكم باطلهم و هم أساس الفسوق ، و أحلاس العقوق [ 2 ] اتّخذهم إبليس مطايا ضلال ، و جندا بهم يصول على النّاس ،

و تراجمة ينطق على ألسنتهم استراقا لعقولكم ،

و دخولا في عيونكم ، و نفثا في أسماعكم [ 3 ]

[ 1 ] و لا تطيعوا الأدعياء : المنتسبين لغير آبائهم . شربتم بصفوكم كدرهم : الصفو : خالص الشراب . و كدر الماء : صار غير صافي . و المراد : مزجتم إيمانكم الخالص بنفاقهم .

[ 2 ] أحلاس . . . : جمع حلس : كساء رقيق يلازم ظهر البعير ،

فقيل لكلّ ملازم لأمر : هو حلس كذا . وعق أباه : استخفّ به و عصاه ، و رحمه قطعها .

[ 3 ] استراقا لعقولكم . . . : كمن هو يسرق مستخفيا . و دخولا في عيونكم : مزيّنا لهم المحرمات . و نفثا في أسماعكم :

النفث : النفخ . و المراد بذلك الوساوس ، و الإيحاء بالباطل قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لأَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَ عَنْ شَمَائِلِهِمْ وَ لاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ 7 : 17 .

[ 31 ]

فجعلكم مرمى نبله ، و موطى‏ء قدمه [ 1 ] ، و مأخذ يده . فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس اللَّه و صولاته ، و وقائعه و مثلاته [ 2 ] ، و اتّعظوا بمثاوي خدودهم ، و مصارع جنوبهم [ 3 ] . و استعيذوا باللَّه من لواقح الكبر كما تستعيذون به من طوارق الدّهر [ 4 ] فلو رخّص اللَّه

[ 1 ] فجعلكم مرمى نبله . . . : هدفا لنباله . و موطى‏ء قدمه :

المراد : وصف تمكّنه الكلي منهم .

[ 2 ] فاعتبروا . . . : خذو العبرة و الموعظة بما حلّ بمن كان قبلكم . البأس : العذاب الشديد جَاءَهُم بَأْسُنَا 6 :

43 . و الصولة : السطوة في الحرب و نحوها . و الوقعة :

النازلة الشديدة . و المثلات : العقوبات .

[ 3 ] ثوى بالمكان : أقام و استقر . و صرعه : طرحه على الأرض . و جنب الانسان : شقّه .

[ 4 ] استعيذوا باللَّه . . . : اطلبوا منه أن يعينكم و يجنّبكم . من لواقح الكبر : أسبابه و دواعيه . و طوارق الدهر جمع طارق : الآتي ليلا . و المراد بذلك : نكبات الدهر التي تأتي على غفلة .

[ 32 ]

في الكبر لأحد من عباده لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه و أوليائه ، و لكنّه سبحانه كرّه إليهم التّكابر ،

و رضي لهم التّواضع ، فألصقوا بالأرض خدودهم ، و عفّروا في التّراب وجوههم ، و خفضوا أجنحتهم [ 1 ] للمؤمنين ، و كانوا أقواما مستضعفين و قد اختبرهم اللَّه بالمخمصة ، و ابتلاهم بالمجهدة ،

و امتحنهم بالمخاوف ، و مخضهم بالمكاره [ 2 ] ،

[ 1 ] العفر . . . : التراب . و عفّروا في التراب وجوههم : مرّغوها به . و خفضوا أجنحتهم : المراد : وصف ما كانوا فيه من تواضع ، و لين الجانب ، تشبيها بالطائر إذا أراد أن ينزل كسر جناحه و خفضه وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَة 17 : 24 .

[ 2 ] المخمصة . . . : الجوع . و المجهدة : المشقّة . و مخض اللبن : حرّكه ليخرج زبده . و المكاره : المشاق . و المراد :

وصف ما تعرّضوا له من الشدّة و العسر .

[ 33 ]

فلا تعتبروا الرّضا و السّخط بالمال و الولد جهلا بمواقع الفتنة ، و الإختبار في مواضع الغنى و الإقتدار [ 1 ] ، و قد قال سبحانه و تعالى أَ يَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَ بَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ، بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ فإنّ اللَّه سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم ، بأوليائه المستضعفين في أعينهم [ 2 ] .

[ 1 ] فلا تعتبروا الرضا و السخط بالمال و الولد . . . : ليست كثرة المال و الأولاد دليلا على رضاء اللَّه تعالى ، و لا حرمانهما دليلا على غضبه . جهلا بمواقع الفتنة و الاختبار في مواضع الغنى و الإقتار : الاقتار : الفقر . و المراد : أن الغنى و الفقر و الأولاد ، و جميع ما في الحياة من حسن و سيّى‏ء ، جعله اللَّه جلّ جلاله اختبارا و امتحانا لعباده .

[ 2 ] يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم بأوليائه المستضعفين في أعينهم : و هو كما مرّ اختبار للمتكبّر بإغداق النعم ليتبّين شكره من كفره ، و ابتلاء للولي ليتبيّن صبره ، و ترتفع درجته .

[ 34 ]

و لقد دخل موسى بن عمران و معه أخوه هارون ، عليهما السّلام ، على فرعون و عليهما مدارع [ 1 ] الصّوف ، و بأيديهما العصيّ ، فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه ، و دوام عزّه فقال : « ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العزّ و بقاء الملك و هما بما ترون من حال الفقر و الذّلّ ، فهلاّ ألقي عليهما أساور [ 2 ] من ذهب ؟ » إعظاما للذّهب و جمعه ، و احتقارا للصّوف و لبسه . و لو أراد اللَّه سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز

[ 1 ] مدارع جمع مدرعة : ثوب من صوف .

[ 2 ] أساور جمع سوار : حلية من الذهب مستديرة كالحلقة تلبس في اليد .

[ 35 ]

الذّهبان ، و معادن العقيان ، و مغارس الجنان [ 1 ] ،

و أن يحشر معهم طير السّماء ، و وحوش الأرض لفعل و لو فعل لسقط البلاء ، و بطل الجزاء [ 2 ] ،

و اضمحلّت الأنباء ، و لما وجب للقابلين أجور المبتلين ، و لا استحقّ المؤمنون ثواب المحسنين ، و لا لزمت الأسماء معانيها [ 3 ] و لكنّ

[ 1 ] الذهبان جمع ذهب . و العقيان : الذهب الخالص .

و مغارس الجنان : الحدائق و البساتين .

[ 2 ] و لو فعل ذلك لسقط البلاء . . . : زالت الشدائد التي يعانيها الأنبياء عليهم السلام و المؤمنون من الجبابرة الطغاة ، و بطل الجزاء : الأجر الذي يحصل لهم جزاء و عوضا عمّا أصابهم .

و اضمحلّت الأنباء : أخبار الأنبياء و ما في حياتهم من مواعظ و عبر ، و دروس مستفادة من سيرتهم الغرّاء .

[ 3 ] و لا لزمت الأسماء معانيها : لو نظرت الى كتب الأخلاق و السلوك وجدت فهرسا مطوّلا لأبوابها : الإسلام ، الإيمان ،

الصبر ، الشكر ، الرضا ، الجهاد ، الى عشرات الأسماء ،

و لو لم يبعث اللَّه سبحانه الأنبياء عليهم السلام بالكيفية التي بعثهم بها ، و بجعلهم تارة غالبين ، و أخرى مغلوبين ،

لبطلت هذه المسميات كلها .

[ 36 ]

اللَّه سبحانه جعل رسله أولي قوّة في عزائمهم و ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملأ القلوب و العيون غنى ، و خصاصة تملأ الأبصار و الأسماع أذى [ 1 ] .

و لو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام ، و عزّة لا تضام ، و ملك تمتدّ نحوه أعناق الرّجال ، و تشدّ إليه عقد الرّحال [ 2 ] لكان ذلك أهون على

[ 1 ] العزم . . . : الصبر و الجدّ . مع قناعة تملأ القلوب و العيون غنى : يعيشون بقناعة تامة ، بحيث لا تميل قلوبهم و لا عيونهم الى شي‏ء من زخارف الدنيا و بهجتها . و خصاصة :

جوع . تملأ الأبصار و الأسماع أذى : بيان وصف ما كانوا فيه من جوع كان تأثيره على الحواس واضحا .

[ 2 ] لا ترام . . . : لا تطلب . و لا تضام : لا يصيبهم ظلم .

و المراد : لو كانوا أهل قوّة لا يمكن أن تدحر . و ملك تمد نحوه أعناق الرجال . . الخ : أهل دنيا عريضة يقصدون لغناهم .

[ 37 ]

الخلق في الإعتبار ، و أبعد لهم في الإستكبار [ 1 ] ،

و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة مائلة [ 2 ] بهم ، فكانت النيّات مشتركة ، و الحسنات مقتسمة [ 3 ] ، و لكنّ اللَّه سبحانه أراد أن يكون الإتّباع لرسله ، و التّصديق بكتبه ، و الخشوع

[ 1 ] لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار . . . : لكانوا أسرع استجابة لهم . و أبعد لهم من الاستكبار عليهم ،

و مخالفتهم .

[ 2 ] و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم . . . : لدخلوا في دينهم خوفا من بطشهم . أو رغبة مائلة بهم : بأمل الحصول على دنياهم .

[ 3 ] فكانت النيّات مشتركة . . . : تكون الدوافع حينئذ منقسمة من الخوف من بأسهم ، و الحصول على دنياهم ، و الإيمان بربّهم ، بينما المطلوب من المسلم أن يكون إيمانه من أجل اللَّه وحده . و الحسنات مقتسمة : حسب الدوافع .

[ 38 ]

لوجهه ، و الإستكانة [ 1 ] لأمره ، و الإستسلام لطاعته أمورا له خاصّة لا يشوبها [ 2 ] من غيرها شائبة و كلّما كانت البلوى و الإختبار أعظم ، كانت المثوبة و الجزاء أجزل .

ألا ترون أنّ اللَّه سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم ، صلوات اللَّه عليه ، إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار [ 3 ] لا تضرّ و لا تنفع ، و لا تسمع و لا تبصر . فجعلها بيته الحرام الّذي جعله للنّاس قياما [ 4 ] ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض

[ 1 ] الاستكانة : الخضوع و الذلّ .

[ 2 ] يشوبها : يخالطها .

[ 3 ] بأحجار : هي الكعبة المعظّمة .

[ 4 ] جعله للناس قياما : مقيما لدينهم يطوفون به ، و يتوجّهون إليه في صلاتهم و ذبائحهم ، و مقيما لدنياهم لما يحصل لهم من الأمن و السلامة ببركته ، فكانوا لا يتعرضون عنده حتى لقاتل آبائهم و أبنائهم ، و أيضا فهو أعظم سوق لهم يتبادلون فيه تجاراتهم .

[ 39 ]

حجرا ، و أقلّ نتائق الأرض مدرا [ 1 ] . و أضيق بطون الأودية قطرا : بين جبال خشنة ، و رمال دمثة ، و عيون وشلة [ 2 ] ، و قرى منقطعة ، لا يزكو بها خفّ ، و لا حافر و لا ظلف [ 3 ] . ثمّ أمر آدم و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه [ 4 ] ، فصار مثابة

[ 1 ] النتائق . . . : البقاع المرتفعة . و المدر : قطع الطين اليابس .

[ 2 ] دمثة . . . : لا تصلح للنبات و الرعي . و عيون وشلة : قليلة المياه .

[ 3 ] لا تزكو . . . : لا تنمو لقلة التغذية ، و عدم صلاح التربة .

خف : كالابل . و لا حافر : كالخيل . و لا ظلف : كالبقر و الغنم .

[ 4 ] يثنوا . . . : يميلوا . و عطف : مال و انحنى . و المراد :

يتوجّهون إليه بالحجّ و الصلاة .

[ 40 ]

لمنتجع [ 1 ] أسفارهم ، و غاية لملقى رحالهم .

تهوي إليه ثمار الأفئدة [ 2 ] من مفاوز قفار سحيقة .

و مهاوي فجاج عميقة [ 3 ] ، و جزائر بحار منقطعة ،

حتّى يهزّوا مناكبهم ذللا [ 4 ] يهلّلون للَّه حوله ،

و يرملون على أقدامهم شعثا غبرا [ 5 ] له ، قد نبذوا

[ 1 ] مثابة . . . : مرجعا . و المنجع : الموضع الذي يقصد لما فيه من كلأ و ماء .

[ 2 ] تهوي إليه ثمار الأفئدة : تتوجّه إليه القلوب قبل الابدان فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ 14 : 37 .

[ 3 ] مفاوز جمع مفازة : الموضع المهلك . و قفار : أرض لا نبات فيها و لا ماء . و سحيقة : بعيدة . و مهاوي جمع مهوى : ما بين جبلين و نحوه . و فجاج : الطريق الواسع البعيد مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ 22 : 27 .

[ 4 ] يهزّوا مناكبهم ذللا : وصف لطوافهم حوله .

[ 5 ] يهلّلون . . . : يرفعون أصواتهم بالتهليل ( لا إله إلاّ اللَّه ) يرمّلون : يهرولون . شعثا : قد تغيّر شعرهم و تلبّد . غبرا :

علاهم الغبار .

[ 41 ]

السّرابيل وراء ظهورهم ، و شوّهوا بإعفاء الشّعور محاسن خلقهم [ 1 ] ، ابتلاء عظيما ، و امتحانا شديدا ، و اختبارا مبينا ، و تمحيصا بليغا [ 2 ] ،

جعله اللَّه سببا لرحمته ، و وصلة إلى جنّته [ 3 ] . و لو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ، و مشاعره العظام [ 4 ] ، بين جنّات و أنهار ، و سهل و قرار [ 5 ] ،

[ 1 ] قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم . . . : خلعوا ملابسهم و لبسوا ثوبي الإحرام . و شوّهوا باعفاء الشعور محاسن خلقهم : تركوا شعرهم بدون قصّ و ادهان لأن المحرم لا يجوز له قصّ شعره و لا تمشيطه و ادهانه .

[ 2 ] اختبارا مبينا . . . : امتحانا بيّنا . و تمحيصا بليغا : ابتلاء منه سبحانه لهم ، و تكفيرا لذنوبهم وَ ليُمَحِّصَ اللَّهُ الّذِينَ آمَنُوا و يَمحَقَ الْكَافِرِين 3 : 141 .

[ 3 ] وصلة الى جنّته : سببا للوصول الى الجنّة .

[ 4 ] مشاعره العظام : مواضع أعمال الحج .

[ 5 ] السهل . . . : الأرض المنبسطة . وقرّ بالمكان قرارا : سكن و اطمأنّ .

[ 42 ]

جمّ الأشجار [ 1 ] ، داني الثّمار ، ملتفّ البنى ،

متّصل القوى ، بين برّة سمراء ، و روضة خضراء ، و أرياف محدقة ، و عراص مغدقة ،

و رياض ناضرة [ 2 ] ، و طرق عامرة لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء [ 3 ] ، و لو كان الإساس المحمول عليها ، و الأحجار المرفوع بها بين زمرّدة خضراء ، و ياقوتة حمراء [ 4 ] ، و نور

[ 1 ] جمّ الأشجار : كثيرها .

[ 2 ] البرّة . . . : الحنطة . و السمراء : الجيّد منها . و الروضة الخضراء : البستان . و أرياف جمع ريف : أرض فيها زرع و خصب . و غدقت الأرض غدقا : كان فيها الماء . و رياض ناضرة : بساتين زاهرة .

[ 3 ] صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء : يكون الأجر قليلا لقلّة الأتعاب ، فان الأجر على قدر المشقّة .

[ 4 ] الأساس المحمول عليها . . . : أصل البناء . و الزمرد و الياقوت : أحجار كريمة يتزيّن بها .

[ 43 ]

و ضياء لخفّف ذلك مسارعة الشّكّ في الصّدور ، و لوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ،

و لنفى معتلج الرّيب [ 1 ] من النّاس ، و لكنّ اللَّه يختبر عباده بأنواع الشّدائد ، و يتعبّدهم بأنواع المجاهد ، و يبتليهم بضروب المكاره ، إخراجا للتّكبّر من قلوبهم ، و إسكانا للتّذلّل في نفوسهم ، و ليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله ،

و أسبابا ذللا لعفوه [ 2 ] .

[ 1 ] لخفف ذلك مسارعة الشكّ في الصدور . . . : لامتنع تسرّب الشكوك الى النفس . و لوضع مجاهدة إبليس عن القلوب :

لو كان البيت المعظّم من الأحجار الكريمة لكانت النفوس أدعى الى تعظيمه . و لنفى معتلج الريب من الناس : علج :

اضطرب . و الريب : الظنّ و الشكّ . و المراد : لزالت الشكوك من الناس ، و لم تعان من الشيطان ما عانته .

[ 2 ] ذللا لعفوه : ان هذا التشديد في المحنة سبب للحصول على علوّ المنزلة ، و سمّو المرتبة .

[ 44 ]

فاللَّه اللَّه في عاجل البغي ، و آجل و خامة الظّلم ، و سوء عاقبة [ 1 ] الكبر فإنّها مصيدة إبليس العظمى ، و مكيدته الكبرى ، الّتي تساور قلوب الرّجال مساورة السّموم القاتلة ، فما تكدي أبدا ، و لا تشوي أحدا [ 2 ] : لا عالما لعلمه ، و لا مقلاّ في طمره [ 3 ] ، و عن ذلك ما حرس اللَّه عباده المؤمنين بالصّلوات [ 4 ] و الزّكوات ، و مجاهدة

[ 1 ] البغي . . . : الظلم . و الآجل : المؤخّر . و خمّ الأمر : ثقل و صار رديئا . و العاقبة : مصير كل شي‏ء .

[ 2 ] تساور . . . : تواثب . و المراد : ان الكبر في مغالبة و مصاولة مع القوى العقلية ، و يحاول من طريق و آخر ان يدخل النفوس . و تشبه قوّة تأثيره في النفوس بالسموم القاتلة . ما تكدي : ما ترد عن تأثيرها و لا تشوي أحدا : لا تخطى‏ء المقتل .

[ 3 ] الطمر : الثوب الخلق .

[ 4 ] و عن ذلك ما حرس اللَّه عباده المؤمنين بالصلوات . . . الخ :

ان هذه العبادة جعلها اللَّه سبحانه حراسة للمسلم تمنع عنه الكبرياء . و جاء في خطبة الزهراء عليها السلام : و جعل الصلاة تنزيها لكم عن الكبر .

[ 45 ]

الصّيام في الأيّام المفروضات ، تسكينا لأطرافهم [ 1 ] ، و تخشيعا لأبصارهم ، و تذليلا لنفوسهم ، و تخفيضا لقلوبهم ، و إذهابا للخيلاء [ 2 ] عنهم لما في ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتّراب تواضعا ، و التصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغرا ، و لحوق البطون بالمتون [ 3 ] من

[ 1 ] تسكينا . . . : خضوعا و ذلاّ . و الأطراف : الأعضاء و الجوارح .

[ 2 ] الخيلاء : الكبرياء و العجب .

[ 3 ] العفر . . . : التراب . و عفّر جوارحه : مرّغها بالتراب .

و المراد بذلك السجود على الأرض . و عتاق جمع عتيقة :

كرائم الوجوه . و كرائم الجوارح : الأعضاء التي تلامس الأرض حال السجود ، و هي الجبهة و الكفّان و الركبتان و ابهاما الرجلين . و لحوق البطن بالمتون : وصف لما يعتريه من هزال بسبب الجوع .

[ 46 ]

الصّيام تذلّلا ، مع ما في الزّكاة من صرف ثمرات الأرض ، و غير ذلك إلى أهل المسكنة [ 1 ] و الفقر . انظروا إلى ما في هذه الأفعال من قمع نواجم الفخر و قدع طوالع الكبر [ 2 ] .

و لقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصّب لشي‏ء من الأشياء إلاّ عن علّة تحتمل تمويه الجهلاء ، أو حجّة تليط [ 3 ] بعقول

[ 1 ] المسكنة : الفقر و الضعف .

[ 2 ] قمع . . . : تغيّب و دخل وراء ستر . نجم الشي‏ء : طلع و ظهر . و قذع عن الشي‏ء : كفّه و منعه . و طوالع الكبر :

بواديه و آثاره .

[ 3 ] التمويه . . . : التلبيس . و الحجّة : الدليل و البرهان .

و تليط : تلتصق . و المراد : أن المتعصبين من غيركم لهم وجهة نظر و ان كانت تافهة ، أما أنتم فتتعصّبون بدون سبب و لا موجب . و هذا النمط من الكلام أدعى لقبول النصيحة و الرجوع الى طريق الاستقامة .

[ 47 ]

السّفهاء غيركم فإنّكم تتعصّبون لأمر لا يعرف له سبب و لا علّة ، أمّا إبليس فتعصّب على آدم لأصله ، و طعن عليه في خلقته ، فقال : ( أنا ناريّ و أنت طينيّ ) و أمّا الأغنياء من مترفة الأمم [ 1 ] فتعصّبوا لآثار مواقع النّعم فقالوا : نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَ أَوْلاَداً ، وَ مَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ .

فإن كان لا بدّ من العصبيّة فليكن تعصّبكم لمكارم الخصال ، و محامد الأفعال ، و محاسن الأمور الّتي تفاضلت فيها المجداء و النّجداء [ 2 ] من بيوتات العرب ، و يعاسيب القبائل [ 3 ] بالأخلاق

[ 1 ] مترفة الأمم : المتنعمين منهم .

[ 2 ] المجداء جمع مجيد : الكريم الشريف الفعال . و النجداء جمع نجيد : الشجاع .

[ 3 ] يعاسيب جمع يعسوب : أمير النحل و ذكرها . و المراد :

رؤساء القبائل و سادتها .

[ 48 ]

الرّغيبة ، و الأحلام العظيمة ، و الأخطار الجليلة [ 1 ] ، و الآثار المحمودة . فتعصّبوا لخلال [ 2 ] الحمد : من الحفظ للجوار ، و الوفاء بالذّمام ، و الطّاعة للبرّ ، و المعصية للكبر ،

و الأخذ بالفضل ، و الكفّ عن البغي ، و الإعظام للقتل ، و الإنصاف للخلق ، و الكظم للغيظ [ 3 ] ،

و اجتناب الفساد في الأرض .

[ 1 ] الأخلاق الرغيبة . . . : التي رغّب فيها الإسلام ، و حثّ المسلمين عليها ، و سيأتي ذكرها . و الأحلام : العقول .

و الأخطار الجليلة : المنازل الرفيعة .

[ 2 ] خلال : خصال .

[ 3 ] الوفاء بالذمام . . . : الوفاء بالعهد . الطاعة للبر : اسم جامع للخير كلّه . و المراد : الانقياد و العمل بجميع أفعال الخير .

الكظم للغيظ : الكاظم : الممسك على ما في نفسه عند الغضب . و الغيظ : أشدّ الغضب و الكَاظِمِينَ الغَيظَ وَ الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ 3 : 134 .

[ 49 ]

و احذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات [ 1 ] بسوء الأفعال ، و ذميم الأعمال ، فتذكّروا في الخير و الشّرّ أحوالهم [ 2 ] ، و احذروا أن تكونوا أمثالهم .

فإذا تفكّرتم في تفاوت حاليهم ، فالزموا كلّ أمر لزمت العزّة به شأنهم ، و زاحت الأعداء له عنهم ، و مدّت العافية فيه عليهم ، و انقادت النّعمة

[ 1 ] و احذروا ما نزل بالأمم قبلكم . . . : قال تعالى : وَ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطَرت مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَم تُسكَن مِنْ بَعْدِهِمْ إلاَّ قَلِيلاً وَ كُنَّا نَحْنُ الوارِثِينَ 28 : 58 . المثلات :

العقوبات .

[ 2 ] فتذكروا في الخير و الشر أحوالهم : اختلافها . و على سبيل المثال : قوم لوط عليه السلام و ما كانوا عليه من الطاعة و السعادة الدنيوية ، و بعد المعصية خسروا دنياهم و آخرتهم و ذلك هو الخسران المبين .

[ 50 ]

له معهم ، و وصلت الكرامة عليه حبلهم [ 1 ] : من الإجتناب للفرقة ، و اللّزوم للألفة ، و التّحاضّ عليها [ 2 ] ، و التّواصي بها ، و اجتنبوا كلّ أمر كسر فقرتهم ، و أوهن منّتهم [ 3 ] : من تضاغن القلوب ،

[ 1 ] فاذا تفكّرتم في تفاوت حاليهم . . . : في الخير و الشرّ . فالزموا كلّ أمر لزمت العزّة به شأنهم : أدّى بهم الى عزّ الطاعة ،

و البعد عن المعصية . و زاحت الأعداء له عنهم : بعدت عنهم و في الحديث القدسي : إذا عصاني من يعرفني ،

سلّطت عليه من لا يعرفني . و مدت العافية فيه عليهم : قال الطريحي : العافية دفع اللَّه الانتقام و البلايا عن العبد .

و انقادت النعمة له معهم : وافتهم لأجل ذلك النعم لإقبالهم على الطاعة . و وصلت الكرامة عليهم حبلهم : شملتهم الكرامة .

[ 2 ] من الاجتناب للفرقة . . . : غير متفرقين ، و لا متقاطعين .

و اللزوم للإلفة : كانوا متآلفين متحابين . و التحاضّ عليها :

الحثّ عليها .

[ 3 ] كسر فقرتهم . . . : ظهورهم . و أوهن : أضعف . و منّتهم :

قوتهم .

[ 51 ]

و تشاحن الصّدور ، و تدابر النّفوس ، و تخاذل الأيدي [ 1 ] ، و تدبّروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم : كيف كانوا في حال التّمحيص [ 2 ] و البلاء ؟ ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء ، و أجهد العباد بلاء ، و أضيق أهل الدّنيا حالا [ 3 ] ؟ اتّخذتهم الفراعنة عبيدا ، فساموهم سوء العذاب ،

و جرّعوهم المرار [ 4 ] ، فلم تبرح الحال بهم في ذلّ

[ 1 ] تضاغن القلوب . . . : بالحقد . و تشاحن الصدور :

بالتباغض . و تدابر النفوس : تقاطعها . و تخاذل الأيدي : عن نصرة بعضهم البعض ، و الدفع عن المظلومين . و المراد : ان هذه الرذائل كانت السبب لضعفهم و انكسارهم .

[ 2 ] التمحيص : الاختبار .

[ 3 ] العب‏ء . . . : الثقل من أي شي‏ء كان . و جهده الأمر : بلغ منه المشقّة . و أضيق أهل الدنيا حالا : أكثرهم فقرا .

[ 4 ] ساموهم سوء العذاب . . . : ألزموهم أسوأ العذاب و أشدّه وَ إذْ نَجَّيناكُم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ . . 2 : 49 . و جرعوهم المرار : الجرعة من الماء و نحوه حسوة مل‏ء الفم . و جرعوهم : أي مرة بعد أخرى . و المرار : شجر شديد المرارة . و المراد : وصف طول مكثهم في البلاء .

[ 52 ]

الهلكة [ 1 ] ، و قهر الغلبة : لا يجدون حيلة في امتناع ، و لا سبيلا إلى دفاع ، حتّى إذا رأى اللَّه جدّ الصّبر منهم على الأذى في محبّته ، و الاحتمال للمكروه من خوفه جعل لهم من مضايق البلاء فرجا : فأبدلهم العزّ مكان الذّلّ ، و الأمن مكان الخوف ، فصاروا ملوكا حكّاما ، و أئمّة أعلاما ،

و قد بلغت الكرامة من اللَّه لهم ما لم تبلغ الآمال إليه بهم [ 2 ] .

فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء

[ 1 ] فلم تبرح الحال بهم في ذلّ الهلكة : لم يزالوا أذلاّء .

[ 2 ] ما لم تبلغ الآمال إليه بهم : وصلوا بعد جهد البلاء الى حال من العزّة و الكرامة لم تبلغه آمالهم ، و لا يحلمون بمثله .

[ 53 ]

مجتمعة ، و الأهواء متّفقة ، و القلوب معتدلة ،

و الأيدي مترادفة ، و السّيوف متناصرة ، و البصائر نافذة ، و العزائم [ 1 ] واجدة ألم يكونوا أربابا [ 2 ] في أقطار الأرضين ، و ملوكا على رقاب العالمين ؟ ؟

فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم ، حين وقعت الفرقة ، و تشتّتت الألفة ، و اختلفت الكلمة و الأفئدة ، و تشعّبوا مختلفين ، و تفرّقوا متحاربين [ 3 ] ، قد خلع اللَّه عنهم لباس كرامته ،

[ 1 ] الاملاء جمع ملأ : جماعة القوم . و الأهواء جمع هوى : ميل النفس الى الشي‏ء . و القلوب معتدلة : مستقيمة . و الأيدي مترادفة : متعاضدة متعاونة . و البصائر : العقول . و العزائم جمع عزيمة : إرادة الشي‏ء و عقد النيّة عليه .

[ 2 ] أربابا : ملوكا . و المراد : باتصافهم بما مرّ ، جعلهم اللَّه سبحانه ملوكا في الأرض .

[ 3 ] متحاربين : أحزابا .

[ 54 ]

و سلبهم غضارة نعمته [ 1 ] ، و بقي قصص أخبارهم فيكم عبرة للمعتبرين [ 2 ] منكم .

و اعتبروا بحال ولد إسماعيل و بني إسحاق و بني إسرائيل عليهم السّلام فما أشدّ اعتدال الأحوال ، و أقرب اشتباه الأمثال [ 3 ] تأمّلوا أمرهم في حال تشتّتهم و تفرّقهم ،

ليالي كانت الأكاسرة و القياصرة [ 4 ] أربابا لهم يحتازونهم عن ريف الآفاق ، و بحر العراق ،

[ 1 ] غضارة نعمته : طيّبها .

[ 2 ] عبر للمعتبرين : تأخذون من قصصهم الدروس و العبر و المواعظ .

[ 3 ] فما أشد اعتدال الأحوال . . . : شابهت حالكم حالهم .

و أقرب اشتباه الأمثال : الصفات . و المراد : شابهتموهم في الأحوال و الصفات ، و لزمكم أخذ العبرة من حياتهم .

[ 4 ] الأكاسرة . . . ملوك الفرس . و القياصرة : ملوك الروم .

[ 55 ]

و خضرة الدّنيا ، إلى منابت الشّيح ، و مهافي الرّيح ، و نكد [ 1 ] المعاش ، فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر و وبر [ 2 ] أذلّ الأمم دارا ،

و أجدبهم قرارا [ 3 ] ، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها [ 4 ] و لا إلى ظلّ ألفة يعتمدون على

[ 1 ] يحتازونهم . . . : يبعدونهم . و الريف : الأرض ذات الخصب و الزرع . و بحر العراق : دجلة و الفرات . و خضرة الدنيا : البساتين و الأراضي الزراعية . و الشيح : نبت سهل ترعاه الماشية . و مهافي الريح : محلّ هبوبها ، و هي الصحاري . و النكد : القليل العسر .

[ 2 ] عالة . . . : فقراء . و الدبر : الجرح في ظهر البعير .

و الوبر : الذي يكسو جلده . و المراد : انّهم أصحاب مواشي رحّل .

[ 3 ] جدب المكان : يبس لاحتباس الماء عنه . وقرّ بالمكان قرارا : سكن و اطمأنّ .

[ 4 ] لا يأوون الى جناح دعوة يعتصمون بها : ليس لهم من يحتمون به ، و يلوذون بجنابه ، و لا من يجمع شملهم .

[ 56 ]

عزّها ، فالأحوال مضطربة ، و الأيدي مختلفة ،

و الكثرة متفرّقة [ 1 ] . في بلاء أزل ، و أطباق جهل ، من بنات موءودة ، و أصنام معبودة ،

و أرحام مقطوعة ، و غارات مشنونة [ 2 ] .

فانظروا إلى مواقع نعم اللَّه عليهم ، حين بعث إليهم رسولا ، فعقد بملّته طاعتهم [ 3 ] ،

و جمع على دعوته ألفتهم ، كيف نشرت النّعمة عليهم جناح كرامتها ، و أسالت لهم جداول

[ 1 ] و الكثرة متفرّقة : هم مع كثرتهم متفرّقون .

[ 2 ] الأزل . . . : الضيق و الشدّة . و الموؤدة : البنت التي تدفن حيّة وَ إذَا المَوْءودَة سُئِلَت . بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَت 81 : 9 .

و شنّ الغارة على عدوّه : أغار عليهم من كلّ ناحية .

[ 3 ] فعقد بملّته طاعتهم : عقد لفلان على البلد : ولاّه عليه .

و المراد : أنّ اللَّه سبحانه جعل طاعتهم لمحمد صلّى اللَّه عليه و آله بعد أن كانوا شيعا متفرقين ، و أحزابا متشتتين .

[ 57 ]

نعيمها ، و التفّت الملّة بهم في عوائد بركتها [ 1 ] ،

فأصبحوا في نعمتها غرقين ، و في خضرة عيشها فكهين [ 2 ] ؟ قد تربّعت الأمور بهم ، في ظلّ سلطان قاهر ، و آوتهم الحال إلى كنف عزّ غالب ،

و تعطّفت الأمور عليهم في ذرى [ 3 ] ملك ثابت ،

فهم حكّام على العالمين ، و ملوك في أطراف الأرضين : يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم [ 4 ] ، و يمضون الأحكام فيمن كان يمضيها

[ 1 ] التفت الملّة بهم في عوائد بركتها : تكاثفت عليهم عوائد الإسلام و بركاته ، ففازوا به دنيا و آخرة .

[ 2 ] و في خضرة عيشها فكهين : وصف ما صاروا اليه من نعيم الدنيا ، و رغيد العيش و سعته .

[ 3 ] قد تربّعت الأمور بهم . . . : استقامت به أمورهم . و كنف :

جانب . و تعطّفت الأمور : مالت أمورهم الى الرخاء و السعادة .

و ذرى الشي‏ء : أعلاه .

[ 4 ] يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم : صاروا حاكمين على من كان يحكمهم و يذلهم .

[ 58 ]

فيهم ، لا تغمز لهم قناة ، و لا تقرع لهم صفاة [ 1 ] ألا و إنّكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطّاعة و ثلمتم حصن اللَّه [ 2 ] المضروب عليكم بأحكام الجاهليّة ، و إنّ اللَّه سبحانه قد امتنّ على جماعة هذه الأمّة فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة [ 3 ] : الّتي ينتقلون في ظلّها ، و يأوون

[ 1 ] غمزها . . . : كبسها بيده ليختبر صلاحها ، و هل تحتاج الى تقويم . و القناة : الرمح . و قرع الشي‏ء قرعا : ضربه .

و الصفاة : الحجر الأملس . و المراد : وصف قوتهم و عزّتهم ، و عدم تمكّن العدوّ منهم .

[ 2 ] ثلمتم حصن اللَّه : ثلمتم : كسرتم . و الحصن : الموضع المنيع . و المراد : خرجتم عن حدود الإسلام و تعاليمه المفروضة عليكم الى عادات الجاهلية و حروبها .

[ 3 ] فان اللَّه سبحانه قد امتنّ على جماعة هذه الأمّة فيما عقد بينهم من حبل هذه الإلفة : يشير عليه السلام الى الآية الكريمة وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ . فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَاناً 3 : 103 و انها لمن أعظم نعمة على المسلمين ، فبها ظهرت قوّتهم ، و قهروا أعداءهم .

[ 59 ]

إلى كنفها بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة لأنّها أرجح من كلّ ثمن ، و أجلّ من كلّ خطر [ 1 ] .

و اعلموا أنّكم صرتم بعد الهجرة أعرابا ،

و بعد الموالاة أحزابا [ 2 ] ، ما تتعلّقون من الإسلام إلاّ باسمه ، و لا تعرفون من الإيمان إلاّ رسمه

[ 1 ] الخطر : المثيل في الشرف و الرفعة . و المراد : أن نعمة الإلفة لا مثيل لها و لا نظير .

[ 2 ] بعد الهجرة اعرابا . . . : بينما أنتم في عداد المهاجرين علما و دينا و فهما صرتم في عداد الأعراب الذين لا يعرفون من الدين إلاّ اسمه ، و لم يغيّر شيئا من عاداتهم . و بعد الموالاة أحزابا : بعد الأخوّة و الإلفة متفرّقين متشتّتين .

[ 60 ]

تقولون « النّار و لا العار » ، كأنّكم تريدون أن تكفئوا الإسلام على وجهه انتهاكا لحريمه ، و نقضا لميثاقه [ 1 ] الّذي وضعه اللّه لكم حرما في أرضه ،

و أمنا بين خلقه [ 2 ] ، و إنّكم إن لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر ، ثمّ لا جبرائيل [ 3 ] و لا ميكائيل و لا مهاجرون و لا أنصار ينصرونكم ، إلاّ المقارعة

[ 1 ] تريدون أن تكفئوا الإسلام على وجهه . . . : كفأ الاناء :

قلبه و ذهب ماؤه . و المراد : ان أفعالكم تشويه لمعالم الإسلام ، و خروج منه . انتهاكا لحريمه : انتهك الشي‏ء :

أذهب حرمته . و الحريم : ما حرّم فلا ينتهك . و نقضا لميثاقه : نقض الشي‏ء نقضا : أفسده بعد إحكامه . و ميثاقه عهوده و حدوده .

[ 2 ] حرما في أرضه . . . : يحتمون به من كل سوء . و أمنا بين خلقه : أمانا و حرزا لهم من الأعداء .

[ 3 ] ان لجأتم الى غيره . . . : إذا تخلّيتم عنه ملتجئين الى حميّتكم و نخوتكم . لا جبرئيل . . الخ : انقطع عنكم العون الإلهي الذي انتصر به المسلمون في بدر و غيرها .

و المقارعة : المضاربة .

[ 61 ]

بالسّيف حتّى يحكم اللّه بينكم .

و انّ عندكم الأمثال من بأس اللّه و قوارعه ،

و أيّامه و وقائعه [ 1 ] ، فلا تستبطئوا وعيده جهلا بأخذه ، و تهاونا ببطشه ، و يأسا من بأسه [ 2 ] ، فإنّ اللّه سبحانه لم يلعن القرن الماضي بين أيديكم إلاّ لتركهم الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر [ 3 ] ، فلعن اللّه السّفهاء لركوب المعاصي ،

[ 1 ] بأس اللّه . . . : عذابه . و قوارعه : دواهيه . و أيامه : عقوباته التي نزلت بمن مضى في الأيّام الخالية وَ ذكِّرهُم بأَيَّامِ اللَّهِ 14 : 5 . وقائعه جمع واقعة : النازلة من مصائب الدهر الشديدة .

[ 2 ] بطشه . . . : اخذه بالعذاب الجبابرة و الظالمين و الطغاة بأليم العذاب إنَّ بَطْشَ رَبَّكَ لَشَدِيد 85 : 12 . و بأسه : عذابه وَ لاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَومِ المُجْرِمِينَ 12 : 110 .

[ 3 ] لعن القرون . . . : أبعدهم عن رحمته و فيوضاته . و الأمر بالمعروف : الأمر بكل عمل حسن . و النهي عن المنكر :

النهي عن كل عمل قبيح لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى‏ لِسَانِ دَاوُدَ وَ عِيسَى‏ ابنُ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَ كَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ 5 : 79 .

[ 62 ]

و الحلماء لترك التّناهي [ 1 ] .

ألا و قد قطعتم قيد الإسلام [ 2 ] ، و عطّلتم حدوده ، و أمتّم أحكامه ، ألا و قد أمرني اللّه بقتال أهل البغي و النّكث ، و الفساد في الأرض : فأمّا النّاكثون فقد قاتلت ، و أمّا القاسطون فقد جاهدت ، و أمّا المارقة فقد دوّخت [ 3 ] ، و أمّا شيطان

[ 1 ] فلعن اللّه السفهاء . . . : الجهلة . و الحلماء : ذوي العقول . لترك التناهي : لتركهم هذه الفريضة .

[ 2 ] قطعتم قيد الإسلام : ما ألزمكم به من أحكام و تعاليم .

[ 3 ] أهل البغي . . . : الظلم . و نكث البيعة : نبذها .

و المراد : الذين حاربوه في البصرة بعد بيعتهم .

و القاسطون : العادلون عن الحقّ . و هم معاوية و لفيفه .

و مرق من الدين : خرج منه . و المراد بهم أهل النهروان .

و دوخت : أذللته و أخضعته .

[ 63 ]

الرَّدهة فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه ،

و رجّة صدره [ 1 ] ، و بقيت بقيّة من أهل البغي ،

و لئن أذن اللّه في الكرّة عليهم لأديلنّ منهم ، إلاّ ما يتشذّر في أطراف البلاد تشذّرا [ 2 ] .

[ 1 ] و أما شيطان الردهة فقد كفيته . . . : قال ابن الأثير : الردهة :

النقرة في الجبل يستنقع فيها الماء ، و في حديث عليّ عليه السلام أنّه ذكر ذا الثدية فقال : شيطان الردهة ا ه . و أيضا يسمى بالمخدّج ، و هو حرقوص بن زهير ، رئيس الخوارج .

و هو الذي استخبرت عنه عائشة من مسروق ، فأخبرها بقتله ،

و سألها عمّا سمعت من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيهم ،

فقالت : سمعته يقول : انّهم شرّ الخلق و الخليقة ، يقتلهم خير الخلق و الخليقة ، و أقربهم عند اللّه وسيلة . و الصفعة :

غشية من صيحة و نحوها . وجبة قلبه : اضطرابه . و رجّة صدره : ارتعاده .

[ 2 ] بقية من أهل البغي . . . : معاوية و أصحابه . و الكرّة :

الرجعة لاذيلنّ منهم : أقهرهم و أغلبهم . و يتشذّر : يتمزّق و يتبدد .

[ 64 ]

أنا وضعت في الصّغر بكلاكل العرب ،

و كسرت نواجم القرون [ 1 ] ربيعة و مضر ، و قد علمتم موضعي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالقرابة القريبة ، و المنزلة الخصيصة ،

وضعني في حجره و أنا ولد يضمّني إلى صدره ،

و يكنفني في فراشه ، و يمسّني جسده ، و يشمّني عرفه [ 2 ] ، و كان يمضغ الشّي‏ء ثمّ يلقمنيه ، و ما وجد لي كذبة في قول ، و لا خطلة [ 3 ] في فعل ، و لقد قرن اللّه به ، صلّى اللّه عليه و آله ، من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به

[ 1 ] كلاكل جمع كلكل : الصدر . و المراد به صدور أهل الجاهلية و أكابرها . نجم الشي‏ء : طلع و ظهر . و المراد بالقرون رؤساء المشركين و شجعانهم لأنّهم مركز القوّة و السطوة .

[ 2 ] يكنفني . . . : يجعلني بجنبه . يشمني عرفه : رائحته .

[ 3 ] خطلة : خطأ .

[ 65 ]

طريق المكارم ، و محاسن أخلاق العالم ، ليله و نهاره ، و لقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل [ 1 ] أثر أمّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علما [ 2 ] ،

و يأمرني بالإقتداء به ، و لقد كان يجاور في كلّ سنة بحرّاء [ 3 ] ، فأراه و لا يراه غيري ، و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ، و خديجة ، و أنا ثالثهما ، أرى نور الوحي و الرّسالة ، و أشمّ ريح النّبوّة .

و لقد سمعت رنّة الشّيطان [ 4 ] حين نزل الوحي

[ 1 ] الفصيل : ولد الناقة .

[ 2 ] يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما : العلم : الراية .

و المراد : أتعلم في كل يوم منه خلقا ، و أهتدي الى فضيلة ،

كالعلم الذي يستهدى به .

[ 3 ] يجاور . . . : كان قبل البعثة يقيم في حراء للعبادة في كل شهر رمضان يمرّ عليه . و حراء : جبل قريب من مكّة .

[ 4 ] رنّة الشيطان : صوته .

[ 66 ]

عليه ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فقلت : يا رسول اللّه ، ما هذه الرّنّة ؟ فقال : « هذا الشّيطان أيس من عبادته ، إنّك تسمع ما أسمع ، و ترى ما أرى ، إلاّ أنّك لست بنبيّ ، و لكنّك وزير [ 1 ] ،

و إنّك لعلى خير » . و لقد كنت معه ، صلّى اللّه عليه و آله ، لمّا أتاه الملأ [ 2 ] من قريش ، فقالوا له : يا محمّد ، إنّك قد ادّعيت عظيما لم يدّعه آباؤك و لا أحد من بيتك ، و نحن نسألك أمرا إن أنت أجبتنا إليه و أريتناه علمنا أنّك نبيّ و رسول ،

و إن لم تفعل علمنا أنّك ساحر كذّاب . فقال

[ 1 ] وزير الملك : الذي يحمل ثقله ، و يعينه برأيه . و يدعم هذا ما رواه الخاص و العام ( أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ) تشبيها بمنزلة هارون عليه السلام التي ذكرها القرآن الكريم : وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي . هَارُونَ أَخِي 20 : 30 .

[ 2 ] الملأ : الاشراف .

[ 67 ]

صلّى اللّه عليه و آله : و ما تسألون ؟ قالوا : تدعو لنا هذه الشّجرة حتّى تنقلع بعروقها و تقف بين يديك . فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : إنّ اللّه على كلّ شي‏ء قدير ، فإن فعل اللّه لكم ذلك أ تؤمنون و تشهدون بالحقّ ؟ قالوا : نعم ، قال :

فإنّي سأريكم ما تطلبون ، و إنّي لأعلم أنّكم لا تفيئون إلى خير ، و إنّ فيكم من يطرح في القليب ، و من يحزّب الأحزاب [ 1 ] ، ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله : يا أيّتها الشّجرة ، إن كنت تؤمنين باللّه و اليوم الآخر و تعلمين أنّي رسول اللّه فانقلعي

[ 1 ] لا تفيئون الى خير . . . : لا ترجعون . و القليب : البئر .

و المراد به قليب بدر الذي طرح به قتلى المشركين . و تحزّب القوم : تعاونوا عليه . و الحزب : كل طائفة جمعها الإتجاه الى غرض واحد . و يحزّب الأحزاب : هو أبو سفيان ، فقد جاء بقريش و غطفان و كنانة و بني سليم و بقية العرب ، بل و حتى اليهود لإجتياح الاسلام في معركة الخندق .

[ 68 ]

بعروقك حتّى تقفي بين يديّ بإذن اللّه . و الّذي بعثه بالحقّ لانقلعت بعروقها و جاءت و لها دويّ شديد ، و قصف [ 1 ] كقصف أجنحة الطّير ، حتّى وقفت بين يديّ رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، مرفرفة ، و ألقت بغصنها الأعلى على رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، و ببعض أغصانها على منكبي و كنت عن يمينه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فلمّا نظر القوم إلى ذلك قالوا علوّا و استكبارا : فمرها فليأتك نصفها و يبقى نصفها ، فأمرها بذلك فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال و أشدّه دويّا ، فكادت تلتفّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فقالوا كفرا و عتوّا [ 2 ] :

[ 1 ] قصف الرعد : إشتد صوته .

[ 2 ] عتّوا : إستكبارا و تجاوزا للحق

[ 69 ]

فمر هذا النّصف فليرجع إلى نصفه كما كان ،

فأمره ، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فرجع فقلت أنا : لا إله إلاّ اللّه ، فإنّي أوّل مؤمن بك يا رسول اللّه ، و أوّل من أقرّ بأنّ الشّجرة فعلت ما فعلت بأمر اللّه تعالى تصديقا بنبوّتك و إجلالا لكلمتك ،

فقال القوم كلّهم : بل ساحر كذّاب عجيب السّحر خفيف فيه ، و هل يصدّقك في أمرك إلاّ مثل هذا ؟ ( يعنونني ) و إنّي لمن قوم لا تأخذهم في اللّه لومة لائم [ 1 ] : سيماهم [ 2 ] سيما الصّدّيقين ،

[ 1 ] لامه على كذا لوما : عذله : و المراد : انا معشر صدق لا نتأثر في مسيرتنا نحو اللّه تعالى ، و ما يقرّبنا إليه ، و يرفع درجتنا عنده ، بلوم اللائمين و عتابهم ، بل نمضي قدما .

[ 2 ] سيماهم . . . : علامتهم . و الصديقين جمع صدّيق :

المصدّق بكل ما أمر به اللّه ، و أمر به الرسل ، لا يدخله في ذلك شك . و الأبرار جمع بر : المطيع للّه ، المحسن في أفعاله .

[ 70 ]

و كلامهم كلام الأبرار ، عمّار اللّيل و منار النّهار [ 1 ] ، متمسّكون بحبل القرآن [ 2 ] ، يحيون سنن اللّه و سنن رسوله [ 3 ] ، لا يستكبرون و لا يعلون و لا يغلّون [ 4 ] ، و لا يفسدون : قلوبهم في الجنان ،

[ 1 ] عمّار الليل . . . . بالصلاة و الدعاء و الإستغفار . روى الطبرسي عن ابن عباس في قوله تعالى : و طائفَةُ مِنَ الّذَينَ معك قال : علي و أبو ذر . و المنار : العلائم التي يهتدي بها في البر و البحر : و المراد : نحن الهداة للخلق ، و المرشدون لهم .

[ 2 ] متمسكون . . . : معتصمون . بحبل القرآن : إستعار له الحبل من جهة أن التمسك به سبب للنجاة من الردى ، كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة من الردى .

[ 3 ] سنن اللّه . . . : شرائعه و أحكامه . و سنن رسوله : ما صدر عنه من قول و فعل .

[ 4 ] و لا يغلون : لا يحقدون وَ نزعنا مَا في صُدُوِرِهم مِن غِلّ 7 : 43 تنبيه و هذه الخطبة هي أطول خطب النهج ، و هي كما قرأنها في التحذير من الشيطان و سبله ، و قد تتصور أن الشيطان قوة قاهرة لا يمكن الخلاص منها ، و فخ مرصود لا يمكن تجنبه ،

و الأمر خلاف ذلك ، و اللّه سبحانه أعدل من أن يجعل عدوا بهذه الكيفية ثم يؤاخذ خلقه بأعمالهم .

إن الشيطان بمنزلة صديق السوء ، فهو يحبذ لك الفساد و عمل الشر ، لكنه لا يستطيع إجبارك عليه أبدا ، بل ورد عن الصادقين صلوات اللّه عليهم : إطرد الخبيث فانه لا يعود .

و المراد : أن الشيطان إذا حبذ لك لعب القمار و لو بقرش واحد و إستجبت لرغبته ، فقد سجلك في دفتر زبائنه ،

و يصعب حينئذ الإفلات من قبضته ، أما إذا لم تستجب له في المرة الأولى ، فانه لا يعود إليك ، و معنا في ذلك القرآن الكريم إن عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانُ 15 : 42 .

و قوله تعالى : إنَّه لَيسَ لَهُ سُلطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ 16 : 99 .

[ 71 ]

و أجسادهم في العمل [ 1 ] .

[ 1 ] قلوبهم في الجنان . . . : تعلّقا بها ، و اعراضا عن الدنيا و ما فيها . و أجسادهم في العمل : بالطاعات

[ 72 ]