( 189 ) و من خطبة له عليه السلام

روى أن صاحبا لأمير المؤمنين عليه السلام يقال له : همام كان رجلا عابدا ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم فتثاقل عليه السلام عن جوابه ، ثم قال :

يا همّام اتّق اللّه و أحسن ف إنَّ اللّه مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنونَ فلم يقنع همام بهذا القول حتى عزم [ 1 ] عليه ، فحمد اللّه و أثنى عليه ،

و صلّى على النبي صلّى اللّه عليه و آله ، ثم قال :

أمّا بعد ، فإنّ اللّه سبحانه و تعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيّا عن طاعتهم ، آمنا من معصيتهم ، لأنّه لا تضرّه معصية من عصاه ، و لا

[ 1 ] عزم : جدّ في أمره ، و المراد : ألحّ في سؤاله

[ 73 ]

تنفعه طاعة من أطاعه ، فقسم بينهم معايشهم ،

و وضعهم من الدّنيا مواضعهم [ 1 ] ، فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل : منطقهم الصّواب ، و ملبسهم الاقتصاد [ 2 ] ، و مشيهم التّواضع ، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم ، و وقفوا أسماعهم‏على

[ 1 ] و وضعهم من الدنيا مواضعهم : من الغنى و الفقر و الضعف و القوة ، و العمل و الجهل ، الى مميزات كثيرة ليعتبروا ذلك ،

و يتوجهوا لما أمروا به نَحنُ قَسَمنَا بَينَهُم مَعيشَتَهُم فيِ الحَياةَ الدّنيا وَ رَفَعنَا بَعضَهُم فَوقَ بَعضٍ دَرَجَاتٍ 23 : 32

[ 2 ] منطقهم الصواب . . . : لا يصدر منهم خطأ في قول .

و المراد : بيان صدقهم و عدم تعاطيهم لفضول الكلام .

و ملبسهم الإقتصاد : ما فيه التجمل : بلا إسراف في الأناقة ،

و لا هو بالمستوى الذي لا يليق . و مشيهم التواضع . خلافا لمشي المتكبرين و خيلائهم وَ لاَ تَمْشِ فيِ الَأرضِ مَرحَاً اِنَّ اللّه لاَ يُحبُّ كُلّ مختَالٍ فَخُورٍ 31 : 18 .

[ 3 ] غضّوا أبصارهم . . . : خفضوها و كفّوها . و وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم : إقتصروا على مدارسة العلم الذي ينفعهم في حياتهم الأبدية .

[ 74 ]

العلم النّافع لهم ، نزّلت أنفسهم منهم في البلاء كالّتي في الرّخاء [ 1 ] ، و لو لا الأجل الّذي كتب عليهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثّواب ، و خوفا من العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم [ 2 ] ،

فهم و الجنّة كمن قد رآها [ 3 ] فهم فيها منعّمون ،

و هم و النّار كمن قد رآها ، فهم فيها معذّبون .

[ 1 ] نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء : إستوى الأمران لديهم إستسلاما و رضا بقضاء اللّه تعالى .

[ 2 ] عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم : فهم لما تداخلهم من عظمة ربهم صاروا لا يخافون أحدا غيره .

[ 3 ] فهم و الجنة كمن قد راها فهم فيها منعمون الخ : هم في يقينهم بما وعد اللّه سبحانه المتقين بجنانه كأنهم فيها ، و هم في يقينهم بما أوعد اللّه سبحانه العصاة من النيران كأنهم فيها .

و هذا مشابه لما أمرنا به من بقاء العبد بين الخوف و الرجاء

[ 75 ]

قلوبهم محزونة ، و شرورهم مأمونة ، و أجسادهم نحيفة [ 1 ] ، و حاجاتهم خفيفة [ 2 ] ، و أنفسهم عفيفة ،

صبروا أيّاما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة . تجارة مربحة [ 3 ] يسّرها لهم ربّهم ، أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها [ 4 ] ، و أسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أمّا اللّيل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن : يرتّلونه

[ 1 ] قلوبهم محزونة . . . : لكثرة ما داخلهم من خوف . و شرورهم مأمونة : قد أمن الناس جانبهم ، فلا يصدر منهم إلاّ الخير .

[ 2 ] حاجاتهم خفيفة : إقتصروا من الدنيا على القليل المجزي .

[ 3 ] صبروا أياما قصيرة . . . : على الطاعة ، و عن المعصية ،

و على تحمّل مشاق الحياة و نكباتها . أعقبتهم راحة طويلة :

عاقبة الشي‏ء : آخره . و المراد : أن صبرهم فترة قصيرة أكسبهم راحة طويلة ، و نعيما دائما لا يزول .

[ 4 ] أرادتهم الدنيا فلم يريدوها . . . : كانت الفرصة مؤاتية لهم في النيل منها ، و الحصول على مراكز مهمة فيها . و أسرتهم فقدوا أنفسهم منها : سلموا من مغرياتها و زهدوا فيها

[ 76 ]

ترتيلا [ 1 ] ، يحزنون به أنفسهم ، و يستثيرون دواء دائهم [ 2 ] ، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا [ 3 ] ، و تطلّعت نفوسهم إليها شوقا ، و ظنّوا أنّها نصب أعينهم ، و إذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، و ظنّوا أنّ زفير جهنّم و شهيقها في أصول آذانهم [ 4 ] ، فهم حانون على

[ 1 ] يرتلونه ترتيلا : يبينونه بيانا و لم يعجلوا بقراءته .

[ 2 ] يحزنون به أنفسهم . . . : يقرؤونه بصوت محزن . و يستثيرون به دواء دائهم : إستثار الساكن : هيّجه . و المراد : أنهم يأخذون منه الدواء و العلاج للجهل ، و جميع ما يباعد العبد عن ربه .

[ 3 ] ركنوا إليها طمعا : سكنوا و إطمأنوا .

[ 4 ] زفير جهنم و شهيقها : زفرت النار : سمع لإتقادها صوتا و شهيقها : مثل صوت القدر عند غليانها و فورانها اِذَا اُلقُوا فَيها سَمعُوا لَهَا شَهيقاً وَ هيَ تفُوُر 67 : 7

[ 77 ]

أوساطهم [ 1 ] ، مفترشون لجباههم و أكفّهم و ركبهم و أطراف أقدامهم ، يطّلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم . و أمّا النّهار فحلماء [ 2 ] علماء ، أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف بري القداح [ 3 ] ينظر إليهم النّاظر فيحسبهم مرضى ، و ما بالقوم من مرض ، و يقول قد خولطوا [ 4 ] و لقد خالطهم أمر عظيم : لا يرضون من أعمالهم القليل [ 5 ] ، و لا

[ 1 ] فهم حانون على أوساطهم . . . : حال ركوعهم . و مفترشون لجباههم : حال سجودهم .

[ 2 ] حلماء . . . : عقلاء . و أبرار جمع بر : المطيع للّه تعالى ،

المحسن في أفعاله .

[ 3 ] براهم الخوف : برى السهم : نحتها . و المراد : وصف نحافة أجسامهم لكثرة عبادتهم و صيامهم . و القداح :

السهام .

[ 4 ] خولطوا : إختلت قواهم العقلية .

[ 5 ] لا يرضون من أعمالهم القليل . . . : همتهم عالية ، فهم يحاولون الحصول على الرقم القياسي في عمل الخير . و لا يستكثرون الكثير : لا يدخلهم عجب و زهو بكثرة العمل ، بل لا يخرجون أنفسهم من التقصير .

[ 78 ]

يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متّهمون ، و من أعمالهم مشفقون [ 1 ] ، إذا زكّي أحدهم [ 2 ] خاف ممّا يقال له فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ،

و ربّي أعلم بي منّي بنفسي . اللّهمّ لا تؤاخذني بما يقولون ، و اجعلني أفضل ممّا يظنّون ، و اغفر لي ما لا يعلمون .

فمن علامة أحدهم : أنّك ترى له قوّة في دين ، و حزما في لين ، و إيمانا في يقين ، و حرصا في علم ، و علما في حلم ، و قصدا في

[ 1 ] فهم لأنفسهم متهمون . . . : في أنها لم تؤد المطلوب منها و من أعمالهم مشفقون : خائفون من عدم قبولها

[ 2 ] إذا زكي أحدهم : مدح و أثني عليه .

[ 79 ]

غنى ، و خشوعا في عبادة ، و تجمّلا في فاقة ،

و صبرا في شدّة ، و طلبا في حلال ، و نشاطا في هدى ، و تحرّجا عن طمع [ 1 ] ، يعمل الأعمال الصّالحة و هو على وجل ، يمسي و همّه الشّكر

[ 1 ] قوة في دين . . . : صلب العقيدة ، قوي الإيمان . و حزما في لين : مع ضبطه لأموره فهو ليّن العريكة مع المجتمع . و إيمانا في يقين : راسخا في إيمانه ، على يقين من أمره . و علما في حلم : قد مزج علمه بعقل ظهر باديا في تعلمه و تعليمه .

و قصدا في غنى : قصد في النفقة : لم يسرف و لم يقتّر .

و خشوعا في عبادة : خاضعين متواضعين متذللين الَّذينَ هُم في صَلاَتهم خَاشِعُونَ 23 : 2 . و تجملا في فاقة :

تجمّل : تزيّن و تكلّف الجميل . و الفاقة الفقر . و المراد :

يظهر للناس بمظهر الغني يحسَبُهُمُ الجَاهِلُ اغنيَاءَ منَ التَّعفّفُ 2 : 273 . و صبرا في شدّة : يقابل نكبات الحياة بالصبر عليها . و طلبا في حلال : مقتصرا في مكسبه على الرزق الحلال . و نشاطا في هدى : قويا نشيطا في كل ما يقربه الى اللّه تعالى . و تحرجا عن طمع : متجنبا للمطامع لأنها تجره الى ما لا يحمد عقباه .

[ 80 ]

و يصبح و همّه الذّكر ، يبيت حذرا ، و يصبح فرحا : حذرا لما حذر من الغفلة ، و فرحا بما أصاب من الفضل و الرّحمة . إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره [ 1 ] لم يعطها سؤلها فيما تحبّ ،

قرّة عينه فيما لا يزول ، و زهادته فيما لا يبقى [ 2 ] ،

يمزج الحلم بالعلم ، و القول بالعمل [ 3 ] ، تراه قريبا أمله ، قليلا زلله ، خاشعا قلبه ، قانعة نفسه ،

منزورا أكله ، سهلا أمره ، حريزا دينه ، ميتة

[ 1 ] إن إستصعبت عليه نفسه فيما تكره . . . : من عمل الخير ،

لأن النفس أمّارة بالسوء . لم يعطها سؤلها فيما تحب : لم يستجب لرغباتها و نزواتها .

[ 2 ] قرة عينه فما لا يزول . . . : أنسه و ابتهاجه فيما يقدمه من عمل الخير . و زهادته فيما لا يبقى : الزهد : الرضا باليسير بما يتيقّن حلاله ، و ترك الزائد على ذلك للّه تعالى . و المراد : بيان اعراضه عن الدنيا .

[ 3 ] يمزج الحلم بالعلم . . . و لأهمية التلازم بينهما فقد ذكرها الإمام عليه السلام في هذا الكلام مرارا و المراد : إتصافه بالأناة و ضبط النفس ، مع تحليه بالعلم . و القول بالعمل : يعمل بما يقوله و يأمر به الآخرين .

[ 81 ]

شهوته ، مكظوما غيظه [ 1 ] ، الخير منه مأمول [ 2 ] ، و الشّرّ منه مأمون ، إن كان في الغافلين كتب في الذّاكرين ، و إن كان في الذّاكرين لم يكتب من

[ 1 ] قريبا أمله . . . : لا يبعد بآماله : و كلمة الإمام عليه السلام :

أخوف ما أخاف عليكم إثنان : أتباع الهوى و طول الأمل .

قليلا زلله : خطأه . خاشعا قلبه : خاضعا ذليلا . قانعة نفسه : بما قسم له ، و القناعة كنزه الذي لا يفنى .

أكله : قليلا . سهلا أمره : مكتفيا من الدنيا بالقليل المجزي . حريزا دينه : مصونا منزورا من الشكوك و الوساوس . ميتة شهوته : عن المحرمات .

مكظوما غيظه : الكاظم لغيظه : الممسك على ما في نفسه منه ، صافحا أو مغيظا و الغيظ : أشد الغضب وَ الكَاظِمِينَ الغَيظَ وَ العَافَين عَنِ النَّاس 3 : 134 .

[ 2 ] الخير منه مأمول . . . : لأنه أهله و محله ، و قد إعتاده .

و الشر منه مأمون : فهو لا يعرفه فضلا عن أن يأتي به .

[ 82 ]

الغافلين [ 1 ] ، يعفو عمّن ظلمه [ 2 ] ، و يعطي من حرمه ، و يصل من قطعه ، بعيدا فحشه [ 3 ] ، ليّنا قوله ، غائبا منكره ، حاضرا معروفه ، مقبلا خيره ،

مدبرا شرّه ، في الزّلازل وقور [ 4 ] ، و في المكاره

[ 1 ] ان كان في الغافلين كتب من الذاكرين . . . : لعدم غفلته معهم ، و ملازمته لما إعتاده من ذكر اللّه تعالى . و ان كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين : لانشغاله معهم في ذكر اللّه تعالى .

[ 2 ] يعفو عمن ظلمه . . . : تفضلا ، راجيا بذلك عفو اللّه تعالى عنه . و يعطي من حرمه : تقرّبا الى اللّه تعالى . و يصل من قطعه : إحسانا ، فقد سمت نفسه عن مقابلة المسي‏ء بالإساءة .

[ 3 ] بعيدا فحشه . . . : نزّه نفسه عن كل قول و فعل يشين بصاحبه . لينا قوله : يتكلم برفق و لين . غائبا منكره : بعيدا عن كل سوء . حاضرا معروفه : باديا إحسانه . مقبلا خيره ،

مدبرا شره : شبيه بما مرّ الخير منه مأمول ، و الشر منه مأمون .

و المراد : كثرة خيره ، و إنعدام شرّه

[ 4 ] في الزلازل وقور . . . : فهو عند الأهوال و الشدائد لا يخرج عن الكياسة و الإتزان . و في المكاره صبور : يصبر على نكبات الحياة ، و تقلبات الزمن . و في الرخاء شكور : يستديم بذلك تواتر النعم .

[ 83 ]

صبور ، و في الرّخاء شكور ، لا يحيف على من يبغض ، و لا يأثم فيمن يحبّ [ 1 ] يعترف بالحقّ قبل أن يشهد عليه [ 2 ] ، لا يضيع ما استحفظ ، و لا ينسى ما ذكّر [ 3 ] ، و لا ينابز بالألقاب [ 4 ] ، و لا يضارّ بالجار ،

[ 1 ] لا يحيف على من يبغض . . . : لا يصدر منه ظلم حتى لمن كرههه و مقته . و لا يأثم فيمن يحب : لا يتجاوز في حبّه الشريعة فيخالفها فيمن أحبّه ، بل هو على السداد و الإستقامة فيمن أحب و أبغض .

[ 2 ] يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه : مستغنيا بإيمانه و تقواه من أن تقام عليه دعوى ، و يشهد عليه شهود .

[ 3 ] و لا يضيّع ما استحفظ . . . : إستحفظه الشي‏ء : سأله حفظه . و المراد محافظته على أوامر اللّه تعالى و حدوده . و لا ينسى ما ذكّر : من مواعظ القرآن الكريم ، و حديث الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله ، و لا تغيب المواعظ و العبر عن ذهنه .

[ 4 ] و لا ينابز بالألقاب . . . : هو كل أسم لم يوضع للشخص ،

و يكره أن يدعى به وَ لاَ تَنَابَزوا بالالقَابِ بِئسَ الاِسمُ الفسُوقُ بَعَد الايمان 49 : 11 و لا يضار بالجار : لا يؤذي جاره . و لا يشمت بالمصائب : لا يفرح بمكروه أصاب خصمه ، فهو أنزه و أسمى من ذلك .

[ 84 ]

و لا يشمت بالمصائب ، و لا يدخل في الباطل ،

و لا يخرج من الحقّ [ 1 ] . إن صمت لم يغمّه صمته [ 2 ] ،

و إن ضحك لم يعل صوته ، و إن بغي عليه [ 3 ] صبر حتّى يكون اللّه هو الّذي ينتقم له . نفسه منه في عناء [ 4 ] ، و النّاس منه في راحة . أتعب نفسه

[ 1 ] و لا يدخل في الباطل . . . : هو في حذر من الولوج في مداخل الباطل . و لا يخرج من الحق : هو أقوى من أن يستميله الشيطان فيترك طريق الهدى و الإستقامة .

[ 2 ] إن صمت لم يغمّه صمته . . . : لا يحزن لما فاته من كلام لمعرفته بمواقع الكلام و السكوت ، و أيضا : إن الإنسان قد يحزن و يأسف على الكلام لا على السكوت . و إن ضحك لم يعل صوته : كما يفعل السفهاء ، بل أن ضحكه التبسمّ .

[ 3 ] و إن بغي عليه الخ : البغي : الظلم . و المراد : إستعماله الصبر مع الظالمين منتصرا باللّه تعالى عليهم .

[ 4 ] نفسه منه في عناء . . . : في تعب من العبادة ، و السعي بجد في طلب مرضاته تعالى . و الناس منه في راحة : لا تصدر منه إساءة إليهم .

[ 85 ]

لآخرته [ 1 ] ، و أراح النّاس من نفسه . بعده عمّن تباعد عنه زهد و نزاهة [ 2 ] ، و دنوّه ممّن دنا منه لين و رحمة . ليس تباعده بكبر و عظمة ، و لا دنوّه بمكر و خدعة .

[ 1 ] أتعب نفسه لآخرته الخ : الجملة شبيهة بالسابقة ، فهو تعب في تحصيل أكثر ما يمكن من الحسنات ، فالدنيا مزرعة الآخرة ، و أيضا : شغلته نفسه من أن يصدر عنه ما يسي‏ء لآخرين ، بل لا يصدر منه إلاّ الخير .

[ 2 ] بعده عمن تباعد عنه زهد و نزاهة . . . : فهو حينما يتباعد عن قوم زهدا منه في دنياهم ، و تنزها عن الانغماس فيها . و دنوه ممن دنا منه لين و رحمة : عملا بما أمر به من التواصل ، و زيارة الاخوان ، و ادخال السرور عليهم . ليس تباعده بكبر و عظمة : بل لما استوجبوا من المقاطعة ، لبعدهم عن الشريعة . و اليأس من إصلاحهم . و لا دنوّه بمكر و خديعة : ليس غرضه فيمن يتصل به الإحتيال ، و النيل من دنياه ، أو إيقاعه في مكروه .

[ 86 ]

فصعق [ 1 ] همام صعقة كانت نفسه فيها ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام :

أما و اللّه لقد كنت أخافها عليه ثمّ قال :

هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها ؟ فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين [ 2 ] فقال :

ويحك إنّ لكلّ أجل وقتا لا يعدوه ، و سببا لا يتجاوزه ، فمهلا لا تعد لمثلها ، فإنّما نفث الشّيطان على لسانك

[ 1 ] صعق . . . : أغمي عليه . كانت نفسه فيها : مات منها .

[ 2 ] فما بالك . . . : لا تتأثر بها كهمام . ويحك : كلمة ترحّم و توجّع . ان لكل أجل وقتا لا يعدوه : إن لكل إنسان عمرا مكتوبا في اللوح المحفوظ ، لا يزيد و لا ينقص . نفث الشيطان على لسانك : تكلم بلسانك .

[ 87 ]