( 190 ) و من خطبة له عليه السلام يصف فيها المنافقين [ 1 ]

نحمده على ما وفّق له من الطّاعة ، و ذاد عنه من المعصية [ 2 ] ، و نسأله لمنّته تماما ، و بحبله اعتصاما [ 3 ] ، و نشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله :

[ 1 ] المنافقين : هم الذين يبطنون الكفر و يظهرون الإيمان ، و كان وجودهم في صدر الإسلام من أعظم المشاكل التي إعترضت المسلمين ، حتى أن اللَّه سبحانه أنزل سورة فيهم ، مضافا الى سور كثيرة تعرضت لهم .

[ 2 ] ذاد عنه من المعصية : ذاد : دفع . و المراد : حمده على إبعاده عبده عن المعصية ، كمن هيّأ له جوّا بعيدا عن تناول المعاصي ، و محيطا لا يساعد على إرتكاب الآثام .

[ 3 ] لمنّته تماما . . . : المنّة : الإحسان و الأنعام . و المراد : أن يتم إحسانه ، و يفيض علينا نعمه . و بحبله إعتصاما : المراد بحبله القرآن الكريم ، لأن التمسك به سبب للنجاة عن الردى ، كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة عن الردى .

و معنى الإعتصام التمسك ، و المراد به العمل .

[ 88 ]

خاض إلى رضوان اللَّه كلّ غمرة [ 1 ] ، و تجرّع فيه كلّ غصّة ، و قد تلوّن له الأدنون [ 2 ] ، و تألّب عليه الأقصون ، و خلعت إليه العرب أعنّتها ، و ضربت لمحاربته بطون رواحلها ، حتّى أنزلت بساحته عدوانها : من أبعد الدّار ، و أسحق المزار [ 3 ] .

[ 1 ] خاض الى رضوان اللَّه كل غمرة . . . : خاض الماء : دخله و مشى فيه . و رضوان اللَّه : طلب مرضاته . و الغمرة :

الشدة . و المراد : بيان ما عاناه صلّى اللَّه عليه و آله في تأدية الرسالة . و جرّعه غصص الغيظ : غاضه مرة بعد أخرى فكظم الغيظ .

[ 2 ] تلون فلان : لم يثبت على خلق . و الأدنون : الأقربون منه . و المراد بهم عشيرته قريش . و تألّب : تظافر .

و الأقصون : الأبعدون منه ، كهوازن و ثقيف و غيرهما من قبائل العرب . و خلعت : نزعت . و ضربت لمحاربته بطون رواحلها : الرواحل من الأبل : الصالح للإسفار و الأحمال .

و المراد : وصف مسارعتهم إلى حربه : و أنزلت بساحته عدوانها : الساحة : الفضاء بين المنازل . و المراد : قصدهم له كما في أحد و الخندق و غيرهما . من أبعد الدار : من أماكن بعيدة . و اسحق : أبعد . و المزار : موضع الزيارة .

[ 89 ]

أوصيكم ، عباد اللَّه بتقوى اللَّه ، و أحذّركم أهل النّفاق : فإنّهم الضّالّون المضلّون ، و الزّالّون المزلّون [ 1 ] : يتلوّنون ألوانا ، و يفتنّون افتنانا [ 2 ] ،

[ 1 ] أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه . . . : العمل بأوامره ، و الانتهاء عما نهى عنه . و احذّركم : اخوفكم . و الضالون : السالكون طريق الضلال . و المضلون : لغيرهم و الزالون :

الواقعون في الخطأ . و المزلون : لغيرهم .

[ 2 ] يتلونون ألوانا . . . : يتغيّرون سراعا حسب مقتضيات مقاصدهم . و يفتنون افتتانا : يأخذون في فنون من القول و العمل . و يعمدونكم : يقصدونكم . و العماد : ما رفع شيئا و حمله . و المراد : يتوسّلون بشتّى الوسائل لما يضعفكم و يؤذيكم . و يرصدونكم : قعدوا لكم على الطريق يرقبونكم . بكل مرصاد : طريق الرصد و المراقبة . و المراد :

وصف تتبعهم و بحثهم عن كل ما يسبب للمسلمين المتاعب و الانقسام .

[ 90 ]

و يعمدونكم بكلّ عماد ، و يرصدونكم بكلّ مرصاد ، قلوبهم دويّة ، و صفاحهم نقيّة [ 1 ] ،

يمشون الخفاء ، و يدبّون الضّرّاء [ 2 ] . وصفهم دواء ، و قولهم شفاء ، و فعلهم الدّاء العياء [ 3 ] ،

حسدة الرّخاء [ 4 ] ، و مؤكّدو البلاء ، و مقنطو

[ 1 ] قلوبهم دويّة . . . : مريضة . في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مرَضَاً و لَهُم عَذَابُ اليمُ بِمَا كَانُوا يكذِبُوُنَ 2 :

10 . و صفاحهم نقيّة : وجوهم نظيفة . و المراد : أن ظاهرهم مليح ، يستقبلون المسلمين بالود و البشاشة ،

و باطنهم خبيث فاسد .

[ 2 ] يمشون الخفاء . . . : كيدهم في سرّية و كتمان . و يدبّون الضراء : دب النمل : مشى رويدا . و الضراء : الشجر الملتف بالوادي ، و هو مثل يضرب لمن يختل صاحبه .

و المراد : وصف عملهم السرّي في الكيد للمسلمين .

[ 3 ] وصفهم دواء ، و قوله شفاء . . . : كلامهم كلام العلماء و الحكماء في الزهد و المواعظ . و فعلهم الداء العياء : الذي أعيى أطباء النفوس شفاؤه .

[ 4 ] حسدة الرخاء . . . : يحسدون المسلمين إذا رأوا عليهم آثار النعم و سعة العيش ، و حسن الحال . و مؤكدوا البلاء :

يسعون في زيادة البلاء النازل على غيرهم ، كمن طلبته الدولة بجرم فينسبوه له آخر تشديدا عليه .

[ 91 ]

الرّجاء [ 1 ] ، لهم بكلّ طريق صريع ، و إلى كلّ قلب شفيع ، و لكلّ شجو دموع يتقارضون الثّناء ، و يتراقبون الجزاء [ 2 ] : إن سألوا ألحفوا ،

و إن عذلوا كشفوا ، و إن حكموا أسرفوا [ 3 ] . قد

[ 1 ] و مقنطو الرجاء : الاياس من الفرج .

و المراد : كثرة الضحايا الذين قتلوهم أو أساؤوا إليهم . و الى كل قلب شفيع : وصف لمكائدهم ، فهم يأتون الشخص من حيث هواه و ميوله فيستولون عليه . و لكل شجو دموع :

الشجو : الحزن . و المراد : انهم يتظاهرون بمشاركة الناس في مصائبهم ، فيبكون معهم تملقا و كسبا لمودتهم .

[ 2 ] يتقارضون الثناء . . . : هم في ثنائهم كمن يقرض صاحبه منتظرا إرجاع القرض ، فهو متوقع لثناء صاحبه عليه .

و يتراقبون الجزاء : جزاء ثنائهم .

[ 3 ] إن سألوا الحفوا . . . : ألحّوا . و اذا عذلوا كشفوا : العدل :

اللوم . و المراد : هم عند لومهم و عبثهم على الشخص يكشفون عيوبه . و إن حكموا أسرفوا : في الأموال و الدماء .

[ 92 ]

أعدّوا لكلّ حقّ باطلا ، و لكلّ قائم مائلا ، و لكلّ حيّ قاتلا ، و لكلّ باب مفتاحا ، و لكلّ ليل مصباحا [ 1 ] : يتوصّلون [ 2 ] إلى الطّمع باليأس ليقيموا به أسواقهم ، و ينفقوا به أعلاقهم : يقولون فيشبّهون ، و يصفون فيموهّون [ 3 ] ، قد هوّنوا

[ 1 ] قد أعدّوا لكل حق باطلا . . . : من الشبه و التمويه و الخداع . و لكل قائم مائلا : لكل استقامة إعوجاجا . و لكل حي قاتلا : سببا لقتله . و لكل باب مفتاحا : مدخلا من وجوه الضلال . و لكل ليل مصباحا : لكل ورطة مخرجا .

[ 2 ] يتوصلون الى الطمع باليأس . . . : يظهرون العفاف و الزهد .

ليقيموا به أسواقهم : لترويج بضاعتهم . و ينفقوا به أعلاقهم : جمع علق : النفيس من كل شي‏ء . و المراد :

أنهم يظهرون بمظهر الأولياء و المتعففين عن أموال الناس ليتمكنوا بذلك من الهيمنة عليهم .

[ 3 ] يقولون فيشبهون . . . : يلقون بالشبه أمام الضعفاء .

و يصفون فيموهون : المموه : المطلي بذهب و فضة و ليس جوهره منهما . و المراد : بيان خداعهم و تزييفهم الحقائق .

[ 93 ]

الطّريق ، و أضلعوا المضيق [ 1 ] : فهمّ لمّة الشّيطان ، و حمة النّيران [ 2 ] أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ، أَلاَ إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسرُونَ .