( 191 ) و من خطبة له عليه السلام

الحمد للَّه الّذي أظهر من آثار سلطانه ،

و جلال كبريائه ، ما حيّر مقل العيون من عجائب

[ 1 ] قد هونوا الطريق . . . : كأن إقتحام الباطل ، و تخطي الحواجز التي جعلها اللَّه جلّ جلاله ليس بالأمر السهل ،

و مهمتهم تهوينها على الناس ، و دفعهم لتخطيها . و اضلعوا المضيق : عوّجوا مضائقها حتى يصعب على الداخلين الخروج منها .

[ 2 ] فهم لمة الشيطان . . . : جماعته . و حمّة النيران : الحمّة :

إبرة العقرب التي تلسع بها .

[ 94 ]

قدرته ، و ردع خطرات هماهم النّفوس عن عرفان كنه صفته [ 1 ] . و أشهد أن لا إله إلاّ اللَّه شهادة إيمان و إيقان ، و إخلاص و إذعان [ 2 ] و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله أرسله و أعلام الهدى دارسة ، و مناهج الدّين طامسة [ 3 ] ، فصدع

[ 1 ] الحمد للَّه الذي أظهر من آثار سلطانه . . . الخ : المقلة :

العين كلها . و المراد : أن بدائع قدرته في السماء من شمس و قمر و نجوم ، و في الأرض : من حيوان و نبات و جماد ، ما يبهر النفوس ، و تكلّ منه العيون ، و تقصر عن ذكره الألسنة ،

و ما غاب عنهم من ذلك أعجب و أعجب . و ردع : منع .

و خطرات جمع خاطر : ما يخطر فى النفس من أمر أو رأي أو معنى . و همام النفوس : هواجسها و أفكارها . عن عرفان كنه صفته : كنه الشي‏ء : حقيقته . و المراد : عجز الأوهام و العقول عن الإحاطة بكنه صفاته .

[ 2 ] شهادة إيمان . . . : يطابق فيها اللسان القلب . و ايقان : عن يقين و رسوخ . و اخلاص : بعيدة عن الرياء و غيره .

و إذعان : انقياد .

[ 3 ] درس : درسا و دروسا : عفا و ذهب أثره . و مناهج الدين طامسة : ممحية .

[ 95 ]

بالحقّ ، و نصح للخلق ، و هدى إلى الرّشد ، و أمر بالقصد [ 1 ] ، صلى اللَّه عليه و آله و سلم .

و اعلموا ، عباد اللَّه ، أنّه لم يخلقكم عبثا ،

و لم يرسلكم هملا [ 2 ] . علم مبلغ نعمه عليكم ،

و أحصى إحسانه إليكم [ 3 ] ، فاستفتحوه ،

و استنجحوه ، و اطلبوا إليه و استمنحوه [ 4 ] ، فما

[ 1 ] صدع بالحق . . . : بيّنه و جهر به . و نصح للخلق : جهد في نصحهم و هدايتهم . و هدى الى الرشد : هداهم الى طريق الحق و الرشاد . و القصد : العدل .

[ 2 ] العبث . . . : عمل لا حكمة فيه و لا فائدة اَفَحَسِبْتُم اَنَّمَا خَلَقَناكُم عَبَثاً وَ اَنّكُم الينَا لاَ تُرجعُونَ 23 : 115 .

و لم يرسلكم هملا : كالبهائم المهملة .

[ 3 ] علم مبلغ نعمه عليكم . . . : عالم بالنعم التي أفاضها على عباده . و أحصى احسانه اليكم : قد أحصاه و عدّه : و المراد :

أنكم مؤاخذون في تقصيركم في شكرها ، أو صرفها في غير ما أمركم به .

[ 4 ] فاستفتحوه . . . : اسألوه ان يفتح عليكم خزائن رحمته ،

و نوامي بركاته . و استنجحوه : اطلبوا منه الفوز و النجاح .

و استمنحوه : اطلبوا فضله و عطاءه .

[ 96 ]

قطعكم عنه حجاب ، و لا أغلق عنكم دونه باب [ 1 ] ، و إنّه لبكلّ مكان ، و في كلّ حين و أوان ، و مع كلّ إنس و جانّ [ 2 ] ، لا يثلمه العطاء ، و لا ينقصه الحباء [ 3 ] ، و لا يستنفده سائل ، و لا يستقصيه نائل [ 4 ] ، و لا يلويه شخص

[ 1 ] فما قطعكم عنه حجاب ، و لا غلق عنكم دونه باب : إن بابه مفتوح للسائلين .

[ 2 ] و أنه لبكل مكان . . . : الخ : أحاط علمه بجميع خلقه مَا يَكُونُ مِنْ نَجوى ثَلاثَةٍ إلاَّ هُوَ رَابِعُهُم وَ لاَ خَمسَةٍ إلاَّ هُوَ سَادِسُهُم وَ لاَ اَدنى مِن ذلِكَ وَ لاَ أَكْثَرَ اِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أيِنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنبِئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَومَ القِيامَةِ إنَّ اللَّه بِكُلِّ شي‏ءٍ عَليمُ 58 : 7

[ 3 ] لا يثلمه . . . : لا ينقصه . و الحباء : العطاء .

[ 4 ] و لا يستنفده سائل . . . : لا يفني جوده . و لا يستقصيه نائل :

استقصى : بلغ أقصاه . و النائل : الجود و العطية . و المراد :

لا تبلغ العطية أقصى جوده مهما عظمت .

[ 97 ]

عن شخص ، و لا يلهيه صوت عن صوت [ 1 ] ،

و لا تحجزه هبة عن سلب [ 2 ] ، و لا يشغله غضب عن رحمة ، و لا تولهه رحمة عن عقاب [ 3 ] ، و لا يجنّه البطون عن الظّهور ، و لا يقطعه الظّهور عن البطون [ 4 ] . قرب فنأى ، و علا فدنا ، و ظهر

[ 1 ] و لا يلويه شخص عن شخص . . . : لا يصرفه . و لا يلهيه صوت عن صوت : لا يشغله .

[ 2 ] و لا تحجزه هبة عن سلب : تحجزه : تمنعه . و الهبة :

العطية . و السلب : الإنتزاع قهرا . و المراد : قد تقتضي حكمته المواهب لأشخاص و سلبها عن آخرين .

[ 3 ] و لا يشغله غضب من رحمة . . . : هو في وقت غضبه و سخطه على قوم تتوالى رحماته و فيوضاته على آخرين . و لا تولهه رحمة عن عقاب : تولهه : تجعله حائرا مترددا .

و المراد : تنزهه عن صفات المخلوقين من الرقّة و التردد في إنزال العقاب على المستحقين .

[ 4 ] و لا يجنه البطون عن الظهور . . . : و لا يجنه : و لا يحجبه . و البطون : الاستتار . و المراد : فهو مع استتاره ظاهر للعقول بآياته . و لا يقطعه الظهور عن البطون : فظهوره للعقول بآياته لا يمنع من خفاء كنه ذاته .

[ 98 ]

فبطن ، و بطن فعلن [ 1 ] ، و دان و لم يدن [ 2 ] ، لم يذرأ الخلق باحتيال ، و لا استعان بهم لكلال [ 3 ] .

[ 1 ] قرب فنأى . . . : بعد . و المراد : قرب من عباده فأحاط بهم علما وَ نَحْنُ اَقْرَبُ الَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ 50 :

16 . و علا : بسلطانه و غلبته . فدنا : بعلمه و أحاطته ، بعيدا من أن تناله أبصارهم ، أو تحيط به أوهامهم . و ظهر : بعلوه و غلبته . فبطن : بعلمه بكل شي‏ء ، فلا أحد أعلم منه .

و بطن : بكنهه و حقيقته . فعلن : بآياته .

[ 2 ] و دان . . . : غلب . و لم يدل : لم يغلب .

[ 3 ] لم يذر الخلق بإحتيال . . . : ذرأ : خلق . و الإحتيال :

أجالة الفكرة في انجاز العمل و إخراجه الى حيز الوجود ، و قد تنزّه عن ذلك و إنّما خلق بكن فيكون . و لا إستعان بهم لكلال : الكلل : التعب و الأعياء . و المراد : أن استعانته بهم كما في قوله تعالى : اِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُركُم 47 : 7 .

ليس لعجزه عن قهر أعدائه ، بل اقتضت حكمته ذلك و يوضحه كلام الإمام عليه السلام : استنصركم و له جنود السماوات و الأرض .

[ 99 ]

أوصيكم ، عباد اللَّه ، بتقوى اللَّه ، فإنّها الزّمام و القوام [ 1 ] ، فتمسّكوا بوثائقها ، و اعتصموا بحقائقها [ 2 ] ، تؤل بكم إلى إكنان الدّعة و أوطان

[ 1 ] أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه . . . : هي العمل بأوامره ،

و الإنتهاء عما نهى عنه . و لو أحصينا ما جاء في القرآن الكريم ، و نهج البلاغة ، و أحاديث أهل البيت عليهم السلام في الحث على التقوى ، لوجدنا الكلمة قد وردت آلاف المرات ، اهتماما بشأنها ، لأن برعايتها الفوز الأكبر ، و بتركها الخسارة التي لا تعوض . و الزمام : الحبل الذي تقاد به الدابة . و المراد : أنها الأول و الآخر في إحراز الفضائل ،

و البعد عن الرزائل ، و حصول الدرجات الرفيعة . و القوام :

لأمر الدين .

[ 2 ] فتمسكوا بوثائقها . . . : بعراها الوثيقة . و المراد : العمل .

بما يقويها و يركزها من ادمان الفرائض ، و الإشتمال على المكارم . و اعتصموا : تمسكوا . و حقيقة الشي‏ء : خالصه و كنهه . و المراد : تمسكوا بها خالصة من شوائب الرياء و غيره .

[ 100 ]

السّعة ، و معاقل الحرز ، و منازل العزّ [ 1 ] ، في يوم تشحص فيه الأبصار ، و تظلم الأقطار ،

و تعطّل فيه صروم العشار [ 2 ] ، و ينفخ في

[ 1 ] تؤل بكم . . . : تؤدي بكم . و اكنان جمع كن : ما يقي من الحر و البرد من الأبنية و غيرها . و الدعة : سعة المعيشة و الرفاه . و أوطان السعة : هي جنة الخلد وَ سَارِعُوا اِلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِكُم وَ جَنَّةٍ عَرضُهَا السَّموات وَ الاَرضُ اُعِدَتْ للمُتَقِينَ 3 : 133 و معاقل الحرز : المعقل : الحصن .

و الحرز : المكان المنيع الذي يلجأ اليه . و منازل العز :

و الكرامة ، التي اعدّها اللَّه لأوليائه .

[ 2 ] في يوم تشخص فيه الأبصار . . . : فهي شاخصة عن مواضعها لا تغمض لهول ما ترى في ذلك اليوم ، و لا تطرف للتحيّر و الرعب . و تظلم له الأقطار : الجوانب . و المراد به يوم القيامة ، بعد انعدام الشمس و القمر . و يعطل فيه صروم العشار : الصروم قطعة من الإبل ، ما زاد عن عشرين الى الثلاثين . و العشار جمع عشراء : الناقة التي مضى على حملها عشرة أشهر ، و هي أنفس اموال العرب وَ اِذا العِشَارُ عُطِّلَتْ 81 : 4 . و المراد : انشغالهم في ذلك اليوم بأنفسهم غير ملتفتين الى ما خلفوا من الأموال .

[ 101 ]

الصّور [ 1 ] ، فتزهق كلّ مهجة ، و تبكم كلّ لهجة ،

و تذلّ الشّمّ الشّوامخ ، و الصّمّ الرّواسخ [ 2 ] ، فيصير صلدها سرابا رقرقا و معهدها قاعا سملقا [ 3 ] ، فلا شفيع يشفع ، و لا حميم يدفع ، و لا معذرة

[ 1 ] و ينفخ في الصور : الصور : كالقرن ينفخ فيه إسرافيل فيموت منها أهل السماء و الأرض يَومَ يُنفَخُ فيِ الصُّور 6 : 73 .

[ 2 ] تزهق . . . : تهلك . و تبكم : تخرس . و تدك : تكسّر .

و الشم الشوامخ : الجبال العالية وَ حُمِلَتِ الاَرضُ و الجِبالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدةً 69 : 14 . و الصم الرواسخ : الثابتات الراسيات ، و هي الجبال أيضا .

[ 3 ] فيصير صلدها . . . : الشديد الصلابة . و السراب : الذي يتراءى للناس في النهار ماء . و الرقراق : الخفيف .

و معهدها : ما كان معهودا بالعمران و السكن . و سملقا : أرضا خالية مستوية وَ يسئَلُونَكَ عنِ الجِبَالِ فَقُل يَنسِفُهَا رَبّي نَسفاً . فَيَذرُهَا قَاعاً صَفصَفاً . لاَ تَرى فيهَا عِوَجاً وَ لاَ اَمتاً 20 : 107

[ 102 ]

تنفع [ 1 ]

[ 1 ] فلا شفيع يشفع . . . : في النجاة من تلك الأهوال . و لا حميم يدفع : و لا قريب يتمكن من دفع الشدائد فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِين . وَ لاَ صَديقٍ حَمِيمٍ 26 : 101 . و لا معذرة تنفع :

في ذلك اليوم .

[ 103 ]