( 194 ) و من خطبة له عليه السلام

يعلم عجيج الوحوش في الفلوات ،

و معاصي العباد في الخلوات ، و اختلاف النّينان في البحار الغامرات [ 1 ] ، و تلاطم الماء بالرّياح

[ 1 ] عجيج الوحوش في الفلوات . . . : العجيج : رفع الصوت .

و فلوات جمع فلاة : الأرض الواسعة المقفرة . و معاصي العباد في الخلوات : هذا تحذير للعصاة ، فالذي يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفَى 20 : 7 . خليق بأن لا يعصى ، و من جعل الشهود عليهم من أنفسهم جدير بأن يخشى حَتى اِذا مَا جاؤوهَا شَهِدَ عَلَيهِم سَمعُهُم وَ اَبصارُهُم وَ جُلُودُهُم بِما كَانوا يَعلَمُونَ 41 : 20 . و اختلاف النينان جمع نون :

الحوت . و الغامرات : غمر الماء غمارة : كثر حتى ستر مقرّه .

[ 12 ]

العاصفات . و أشهد أنّ محمّدا نجيب اللَّه ، و سفير وحيه [ 1 ] ، و رسول رحمته .

أمّا بعد ، فأوصيكم بتقوى اللَّه الّذي ابتدأ خلقكم ، و إليه يكون معادكم ، و به نجاح طلبتكم ، و إليه منتهى رغبتكم ، و نحوه قصد سبيلكم ، و إليه مرامي مفزعكم [ 2 ] ، فإنّ تقوى اللَّه

[ 1 ] نجيب . . . : المختار المصطفى . و سفير وحيه : رسوله الموحى اليه .

[ 2 ] به نجاح طلبتكم . . . : بيده قضاء حوائجكم . و اليه منتهى رغبتكم : و بيده تحقيق آمالكم . و نحوه قصد سبيلكم : يقال :

هو على قصد السبيل : اذا كان راشدا . و في القرآن الكريم : وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبيلِ 16 : 9 . و المراد :

على ضفاف نهجه يسير المستقيمون ، و على صراطه في القيامة يجتاز المخفون . و اليه مرامي مفزعكم : فزع اليه :

لجأ و استغاث . و المراد : عند ما تتأزم الأمور اليه يكون المفزع وَ مَا بِكم مِن نِعمِةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثَمّ اذِ امسَّكُمُ الضُرُّ فَاِلَيهِ تجئَرُون 16 : 54 .

[ 13 ]

دواء داء قلوبكم ، و بصر عمى أفئدتكم ، و شفاء مرض أجسادكم ، و صلاح فساد صدوركم ،

و طهور دنس أنفسكم ، و جلاء غشاء أبصاركم ،

و أمن فزع جأشكم ، و ضياء سواد ظلمتكم [ 1 ] ،

[ 1 ] داء قلوبكم . . . : من أمراض الجهل و الرذيلة . و المراد : هي الحاجز المانع عن اقتراف الآثام . و بصر عمى أفئدتكم : يشير الى قوله تعالى : فَانَّها لا تَعَمى الابصَارُ وَ لَكن تَعمَى القلوبُ الَّتي فيِ الصّدُورِ 22 : 46 . و شفاء مرض أجسادكم : لأن العبادات مشتملة على القواعد الصحية المفيدة للإنسان ، و كذلك جميع ما نهى اللَّه تعالى عنه يكسب المسلم شفاء و وقاية . و صلاح فساد صدوركم :

المذهبة لوساوس الشيطان مِنَ شَرِّ الوَسوَاسِ الخَنَّاسِ .

اَلذّي يُوَسوِس في صُدُورِ النَّاسِ . مِن الجَنَّةِ وَ النَّاسِ 114 : 6 . و طهور دنس أنفسكم : بها تطهر نفوسكم من دنس الخطايا و الآثام . و جلاء عشاء أبصاركم : غشى البصر : ضعف ليلا . و المراد : بها تنكشف مناهج الحق و سبل السلام . و أمن فزع جأشكم : الفزع : الخوف و الذعر . و الجأش : النفس أو القلب . يقال : هو رابط الجأش : ثابت عند الشدائد و المراد : أنها الأمان من تلك الأهوال و المخاوف . و ضياء سواد ظلمتكم : اجعلوها نورا تقطعون بها ظلمات الجهل .

[ 14 ]

فاجعلوا طاعة اللَّه شعارا دون دثاركم ، و دخيلا دون شعاركم ، و لطيفا بين أضلاعكم ، و أميرا فوق أموركم ، و منهلا لحين ورودكم ، و شفيعا لدرك طلبتكم ، و جنّة ليوم فزعكم ، و مصابيح لبطون قبوركم ، و سكنا لطول وحشتكم ، و نفسا لكرب مواطنكم [ 1 ] ، فإنّ طاعة اللَّه حرز من متالف

[ 1 ] فاجعلوا طاعة اللَّه شعارا دون دثاركم . . . : الشعار : الثوب الذي يلي الجسد . و الدثار : ما فوقه . و المراد : التصقوا بها و اجعلوها أقرب شي‏ء اليكم . و دخيلا دون شعاركم : ثم ترقى بهم الى جعلها ممتزجة بنفوسهم ، متداخلة بين جوانحهم . و لطيفا بين أضلاعكم : اجعلوها مما تنطوي عليه أضلاعكم ، و تكنّه صدوركم . و لعله يلمح الى تصحيح النوايا و الخواطر عن كل ما يخالف التقوى . و أميرا فوق أموركم : تمتثلون بأوامرها . و منهلا لحين ورودكم :

المنهل : الموضع الذي فيه المشرب . و المراد : ادخروها نجاة و شرابا يوم العطش الأكبر . و شفيعا لدرك طلبتكم :

تستشفعون بها الى اللَّه تعالى في قضاء حوائجكم . و قريب من هذا الحديث لا شفيع انجح من التوبة . و جنّة ليوم فزعكم : الجنّة : الوقاية . و الفزع : الخوف . و المراد :

طاعة اللَّه تحميكم من فزع يوم القيامة لاَ يَحْزَنُهُمْ الفَزَعُ الاَكبَرُ وَ تَتَلقاهُمُ المَلائِكَةُ هذا يَومُكُم الّذي كُنتُمُ تُوعَدُونَ 21 : 103 . و مصابيح لبطون قبوركم : تفيد الأحاديث حماية العبادات للميت في قبره ، فتكون الصلاة عند رأسه . . . الخ فتدفع عنه أهوال القبر و شدائده . و سكنا لطول وحشتكم :

السكن : كلما سكنت إليه ، و إ ستأنست به . و المراد : بيان أثرها الحسن على أهل القبور . و نفسا لكرب مواطنكم :

نفس عنه : رفّه عنه كربته و فرجها . و المراد : إجعلوها ذخرا تستدفعون بها كرب الآخرة .

[ 15 ]

مكتنفة ، و مخاوف متوقّعة ، و أوار نيران موقدة [ 1 ] .

[ 1 ] فإن طاعة اللَّه حرز من متالف مكتنفة . . . : منجاة من بلايا محيطة بكم . و مخاوف متوقعة : من حين الموت و حتى مشاهد القيامة . و اوار نيران موقدة : الأوار : حس النار و لهبها .

[ 16 ]

فمن أخذ بالتّقوى عزبت عنه الشّدائد بعد دنوّها ،

و احلولت له الأمور بعد مرارتها ، و انفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها ، و أسهلت له الصّعاب بعد إنصابها ، و هطلت عليه الكرامة بعد قحوطها ،

و تحدّبت عليه الرّحمة بعد نفورها ، و تفجّرت عليه النّعم بعد نضوبها ، و وبلت عليه البركة بعد إرذاذها [ 1 ] .

[ 1 ] فمن أخذ بالتقوى غربت عنه الشدائد بعد دنوّها : غربت :

بعدت و المراد : نجاته منها . و احلولت له الأمور بعد مرارتها : تحولت ضراؤه الى سراء ، و عسره الى يسر و إنفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها : إنكشفت عنه الكرب ،

و زالت عنه الغموم و الهموم . و انصابها : أتعابها .

و المراد : سهل له العسير . و أهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها : هطل المطر : تتابع عظيم القطر . و المراد تتابع عليه النعم و الخيرات بعد البؤس . و تحدبت عليه الرحمة بعد نفورها : حدب عليه : إنحنى و إنعطف . و نفر . فزع و انقبض . و تفجرت عليه النعم بعد نضوبها . نضب الماء نضوبا : غار في الأرض . و وبلت عليه البركة بعد أرذاذها :

الوابل : المطر الشديد العظيم القطر . و الرذاذ : المطر الضعيف .

[ 17 ]

فاتّقوا اللَّه الّذي نفعكم بموعظته ، و وعظكم برسالته ، و امتنّ عليكم بنعمته ، فعبّدوا أنفسكم لعبادته ، و اخرجوا إليه من حقّ طاعته [ 1 ] .

ثمّ إنّ هذا الإسلام دين اللَّه الّذي اصطفاه لنفسه ، و اصطنعه على عينه ، و أصفاه خيرة خلقه ، و أقام دعائمه على محبّته ، أذلّ الأديان بعزّته ، و وضع الملل برفعه ، و أهان أعداءه بكرامته ، و خذل محادّيه بنصره ، و هدم أركان الضّلالة بركنه ، و سقى من عطش من حياضه ،

و أتأق الحياض لمواتحه [ 2 ] ، ثمّ جعله لا انفصام

[ 1 ] فعبّدوا أنفسكم لعبادته . . . : ذللوها . و أخرجوا إليه من حق طاعته : أدوا إليه ما إفترض عليكم من طاعته .

[ 2 ] إصطفاه . . . : إختاره لنفسه : موصلا الى مرضاته و إصطنعه على عينه : إن الدين الإسلامي شرع بأمره و علمه .

و في القرآن الكريم خطابه سبحانه و تعالى لموسى عليه السلام : وَ لِتُصْنَعَ عَلى عَيني 20 : 39 لتربى و تغذى بحياطتي و حفظي . و أصفاه خيرة خلقه : آثره بتبليغه . و أ قام دعائمه على محبته : دعائمه : أركانه . و على محبته : على حبّه للإسلام . و أذل الأديان بعزّته : المراد بإذلالها نسخها .

و وضع الملل برفعه : وضعه : حطّ من قدره . و المراد :

سموه عليها . و أهان أعداءه بكرامته : من المشركين و أهل الأديان بإنتصاره عليهم . و خذل محادّيه بنصره : محادّيه :

معاديه . و المراد : نصره عليهم بالحجة و الغلبة . و هدم أركان الضلال بركنه : بجانبه و المراد : جعله مقوضا لكل قوى الكفر و الضلال . و سقى من عطش من حياضه : المراد : إرتواء الناس بعلومه المودعة في القرآن الكريم ، و التي جاءت على لسان الصادقين صلوات اللَّه عليهم . و اتاق الحياض بموائحه : أتاق الحياض : ملأها . و المواتح : الدلاء التي يستقى بها . و المراد : تحولت الآمة إلى علماء حتى قال أبو ذر الغفاري : تركنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و لا طير يطير إلاّ و عندنا علم به .

[ 18 ]

لعروته ، و لا فكّ لحلقته ، و لا انهدام لأساسه ،

و لا زوال لدعائمه ، و لا انقلاع لشجرته ، و لا انقطاع لمدّته ، و لا عفاء لشرائعه ، و لا جذّ لفروعه ، و لا ضنك لطرقه ، و لا وعوثة لسهولته ،

و لا سواد لوضحه ، و لا عوج لانتصابه ، و لا عصل في عوده ، و لا وعث لفجّه ، و لا انطفاء

[ 19 ]

لمصابيحه ، و لا مرارة لحلاوته [ 1 ] . فهو دعائم

[ 1 ] لا إنفصام لعروته . . . : لا إنفصام : لا إنقطاع . و العروة ما يستمسك به و يستعصم . و المراد : أن المتديّن مستمسك بالعروة الوثيقة التي لا يخشى إنفصامها . و لا فك لحلقته : حلقة القوم : دائرتهم . و المراد : قوة أهله و صمودهم . و لا انهدام لأساسه : الأساس : أصل البناء . و لا زوال لدعائمه : جمع دعامة : عماد البيت الذي يقوم عليه . و المراد : أن القرآن الكريم و سنة الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله دعامتا الإسلام ، و هما باقيتان تتحديان البشرية قُل لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنسُ وَ الجِنُّ عَلى اَن يأتُوا بمثْلِهِ هذَا القرآنَ لاَ يأتُونَ بِمِثلِهِ وَ لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لبِعضٍ ظَهيراً 17 : 88 . و لا إنقلاع لشجرته : لا انتزاع لأصله . و لا انقطاع لمدته : أنه الدين الباقي حتى يوم القيامة ، بل نحن على موعد صادق بزوال الأديان كلها و بقائه هُوَ الذّي اَرسَلَ رَسَوُلَهُ بالهُدى وَ دِينِ الحَقّ لِيُظهَرهُ عَلَى الدّيِن كُلّهِ وَ كفى باللَّهِ شَهيداً 48 : 28 . و لا عفاء لشرائعه : عفت الريح الأثر : زالته و محته . و المراد :

تأكيد بقائه . و لا جذّ لفروعه : الجذ : القطع . و لا ضنك لطرقه : الضنك : الضيق . و المراد سعة مناهجه ، و لا عسر فيها على المسلم الملتزم . و الحديث ( جئتكم بالشريعة السمحاء ) . و لا وعوثه لسهولته : الوعوثة : رخاوة في الأرض تغوص بها الأقدام . و المراد : إعتدال نظمه ، و إستقامة قوانينه . و لا سواد لوضحه : ليس فيه ما يشوهه . و لا عوج لإنتصابه : انه الطريق المستقيم الذي يسلم به المسلم في الدنيا و الآخرة . و لا عصل في عوده : العصل الإعوجاج .

و المراد : وصفه بالإستقامة . و لا وعث لفجّه : الفج :

الطريق الواسع بين جبلين . و المراد : وصف سهولة سلوكه .

و لا إنطفاء لمصباحه : أنواره مضيئة لا يمكن ان تطفأه و المراد بها القرآن الكريم . و لا مرارة لحلاوته . المراد : وصفه بالسهولة ، و عدم العسر في تكاليفه ، و لكن الشيطان يصور للإنسان أسهل التكاليف كنقل الجبال .

[ 20 ]

أساخ في الحقّ أسناخها ، و ثبّت لها أسسها ،

و ينابيع غزرت عيونها ، و مصابيح شبّت نيرانها ،

و منار اقتدى بها سفّارها ، و أعلام قصد بها

[ 21 ]

فجاجها ، و مناهل روى بها ورّادها [ 1 ] . جعل اللَّه فيه منتهى رضوانه ، و ذروة دعائمه ، و سنام

[ 1 ] فهو دعائم أساخ في الحق أسناخها . . . : أساخ الشي‏ء في الأرض : أثبته فيها . و أسناخها : أصولها . و المراد : أن الدين الإسلامي بناء محكم ، قد تعهد رب العزة بنصره ،

و الدليل على ذلك : أن أعداء الإسلام من عهد البعثة و حتى اليوم يكيدونه بكل قواهم ، و يعملون لضربه ، و هو لا يزداد إلاّ قوة و صلابة . و ثبت لها أسسها : جعل قواعده متينة .

و ينابيع جمع ينبوع : عين الماء . و غزرت : كثرت .

و مصابيح شبت نيرانها : يسطع نورها . و المراد بها تعاليمه الحيّة التي تساير الزمن . و منار إقتدى بها سفّارها : المنار :

العلائم التي يهتدى بها في البر و البحر . و سفارها : ذوو السفر . و إعلام قصد بها فجاجها : إعلام يهتدي بها السائرون في الطريق الواسع البعيد . و مناهل روى بها روادها : المنهل : مورد الماء . و ورادها : من يقصد الإستسقاء منها .

[ 22 ]

طاعته [ 1 ] ، فهو عند اللَّه وثيق الأركان ، رفيع البنيان ، منير البرهان ، مضي‏ء النّيران ، عزيز السّلطان ، مشرف المنار ، معوز المثار [ 2 ] ،

[ 1 ] جعل فيه منتهى رضوانه . . . : به تنال مرضاته اليَومَ أكمَلتُ لَكُم دينَكُم و أَتمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضيتُ لَكُمُ الإسلامَ ديناً 5 : 3 . و ذروة دعائمه : و الذروة من كل شي‏ء :

اعلاه و الدعامة : عمادة البيت الذي عليه يقوم . و المراد :

القواعد الأساسية التي جعلها اللَّه سبحانه لاصلاح الخلق ،

و على هذا يكون الاسلام المنهج الرفيع الذي جعله سبحانه لاصلاح الخلق . و السنام : كتل من الشحم محدّبة على ظهر البعير و الناقة . و المراد بيان شرف طاعته ، و فضل الانقياد له .

[ 2 ] فهو عند اللَّه وثيق الأركان . . . : وثق الشي‏ء : قوي و ثبت و صار محكما . و المراد : بيان احكام كل جزء منه ، و انه غير قابل للتغيير و التبديل . رفيع البنيان : المراد : بيان علو شأنه ، و انه لا يضاهى سموا و رفعة . منير البرهان : المراد من البرهان القرآن الكريم ، فهو دليله ، و هو ينير للمسلمين بل للعالم أجمع طريق السعادة و النجاح . مضي‏ء النيران :

تشبيه لأنواره و علومه و هدايته بالأنوار المضيئة . عزيز السلطان : بالقوة و القهر . و المراد : بيان قهره لأعدائه بالغلبة و الحجّة . مشرف المنار : رفيع المقام ، يعلو و لا يعلى عليه . معوز المثار : أعوز المطلوب فلانا : أعجزه . و ثار الغبار : هاج . و المراد : يعجز الأعداء عن نيله بسوء .

[ 23 ]

فشرّفوه ، و اتّبعوه ، و أدّوا إليه حقّه ، و ضعوه مواضعه [ 1 ] ثمّ إنّ اللَّه بعث محمّدا ، صلى اللَّه عليه و آله و سلم بالحقّ حين دنا من الدّنيا الانقطاع ، و أقبل من الآخرة الإطّلاع ، و أظلمت بهجتها بعد إشراق ، و قامت بأهلها على ساق ،

و خشن منها مهاد ، و أزف منها قياد [ 2 ] ، في

[ 1 ] فشرفوه . . . : عظموه . و أدوا إليه حقّه : بالانقياد و الطاعة .

وضعوه مواضعه : من الاحترام و التبجيل .

[ 2 ] حين دنا من الدنيا الانقطاع . . . : الانقضاء . و أقبل من الآخرة الاطلاع : الاتيان . و المراد : زوال الدنيا ، و يؤيده الحديث النبوي ( بعثت و الساعة كهاتين ) و أظلمت بهجتها بعد اشراق : ذهب حسنها و رونقها . و الساق : الشدّة ، يشير الى ما يحدث بين أهلها من فتن و حروب . و المهاد : الأرض المستوية . و المراد : وصف الحياة آنذاك بالشدة . و ازف :

قرب . و المراد : مسيرها نحو الزوال .

[ 24 ]

انقطاع من مدّتها ، و تصرّم من أهلها ، و انفصام من حلقتها ، و انتشار من سببها ، و عفاء من أعلامها ، و تكشّف من عوارتها ، و قصر من طولها [ 1 ] . جعله اللّه بلاغا لرسالته ، و كرامة

[ 1 ] و اقتراب من اشراطها . . . : علائم انقضائها فَهَلْ يَنْظُرونَ إلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيهُمْ بَغتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْراطُهَا 47 : 18 و تصرم من أهلها : صرم الشي‏ء : قطعه و المراد :

انقراضهم . و انفصام من حلقتها : انحلال نظامها . و انتشار من سببها : انتشار : تفرّق . و السبب : الحبل ، و كل شي‏ء يتوصل به الى غيره . و المراد : فقدان النظام فيها . و عفاء من اعلامها : اندراس لتعاليم السماء . و تكشف من عوراتها :

العورة : كل خلل في بيت أو موضع يخشى دخول العدو منه يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَورَة وَ مَا هِيَ بِعَورَةٍ 33 : 13 و مراد الامام عليه السلام : ظهرت عيوبها . و قصر من طولها : فناء عمرها .

[ 25 ]

لأمّته ، و ربيعا لأهل زمانه ، و رفعة لأعوانه ،

و شرفا لأنصاره [ 2 ] .

ثمّ أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه ،

و سراجا لا يخبو توقّده ، و بحرا لا يدرك قعره ،

و منهاجا لا يضلّ نهجه ، و شعاعا لا يظلم ضوءه ،

و فرقانا لا يخمد برهانه ، و تبيانا لا تهدم أركانه ،

و شفاء لا تخشى أسقامه [ 2 ] ، و عزّا لا تهزم

[ 1 ] بلاغا لرسالته . . . : البلاغ التبليغ هذَا بلاغُ للنَّاس و لِيُنذَرُوا بِهِ 14 : 52 . و المعنى : عظة للناس بالغة كافية . و كرامة لامتة : أكرمهم و خصهم بوجوده ، و شبهه بالربيع الذي يظهر فيه الرخاء . و رفعة لاعوانه : الرفعة : الشرف ، و ارتفاع القدر و المنزلة . و شرفا لأنصاره : به شرّفوا في الدنيا و الآخرة .

[ 2 ] نورا لا تطفأ مصابيحه : المراد بمصابيحه القرآن الكريم ، فهو الكتاب السماوي الوحيد الذي لم تمسه يد التحريف . و سراجا لا يخبو توقده : مصباحا لا ينطفى‏ء . و المراد : هو حتى القيامة ينير للعالم سبيل الحق و النجاة . و بحر لا يدرك قعره : شبهه بالبحر لما يستخرج منه من احجار كريمة ، و كذلك يستنبط من القرآن الكريم العلوم و المعارف . و منهاجا لا يضل نهجه :

طريقا موصلا الى شاطى‏ء السلامة . و شعاعا لا يظلم ضوءه :

حقّا لا سبيل لشبه الضلال إليه . و فرقانا لا يخمد برهانه :

الفرقان : ما يفرق به بين الحق و الباطل . و المراد : ان أدلة حقه قائمة عبر السنين . و تبيانا لا تهدم أركانه : تبيانا : بيانا لكل أمر مشكل . لا تهدم أركانه : الركن : جزء من أجزاء حقيقة الشي‏ء . و المراد : ان كل جزء و سورة و آية محفوظة من التبديل و التحريف إنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ و إنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ 15 : 9 . و شفاء لا تخشى استقامه : يريد قوله تعالى :

وَ نُنَزِّلُ مِن القُرآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلمُؤمِنِينَ 17 : 82 .

[ 26 ]

أنصاره ، و حقّا لا تخذل أعوانه . فهو معدن الإيمان و بحبوحته ، و ينابيع العلم و بحوره ،

و رياض العدل و غدرانه ، و أثافيّ الإسلام و بنيانه ، و أودية الحقّ و غيطانه [ 1 ] . و بحر لا ينزفه

[ 1 ] المعدن . . . : مكان كل شي‏ء فيه أصله . و بحبوحة المكان :

وسطه . و غدران جمع غدير : القطعة من الماء يغادرها السيل . و اثافي جمع اثفية : إحدى أحجار ثلاثة توضع عليها القدر . و المراد : أساس الاسلام و قاعدته . و غيطان جمع غيط : المطمئن الواسع من الأرض .

[ 27 ]

المنتزفون ، و عيون لا ينضبها الماتحون ، و مناهل لا يغيضها الواردون ، و منازل لا يضلّ نهجها المسافرون ، و أعلام لا يعمى عنها السّائرون ،

و آكام لا يجوز عنها القاصدون [ 1 ] ، جعله اللّه ريّا لعطش العلماء ، و ربيعا لقلوب الفقهاء ، و محاجّ

[ 1 ] بحر لا ينزفه المنتزفون . . . : لا يفنى ماؤه المغترفون . و عيون لا ينضبها الماتحون : نضب الماء : نقص . و الماتحون جمع ماتح :

المستقي من البئر . و مناهل جمع منهل : الموضع الذي فيه المشرب . لا يغيضها : لا ينقصها . الواردون : القوم الذين يردون الماء . و منازل لا يضل نهجها المسافرون : نهج الطريق نهجا : وضح و استبان . و المراد : انها تؤدي بسالكيها الى مرضاة اللَّه تعالى ، و سعادة ليس بعدها شقاء . و اعلام لا يعمى عنها السائرون : لا تخفى عليهم . و آكام جمع أكمة :

تل . و المراد : لا يجوز لمسلم أن يتجاوز أحكام الكتاب ، بل يقف عندها ، فهي تؤدي به الى شاطى‏ء السلامة و الرشاد .

[ 28 ]

لطرق الصّلحاء ، و دواء ليس بعده داء ، و نورا ليس معه ظلمة [ 1 ] ، و حبلا وثيقا عروته ، و معقلا منيعا ذروته ، و عزا لمن تولاّه ، و سلما لمن دخله ، و هدى لمن ائتمّ به ، و عذرا لمن انتحله ،

و برهانا لمن تكلّم به ، و شاهدا لمن خاصم به ،

و فلجا لمن حاجّ به ، و حاملا لمن حمله ، و مطيّة لمن أعمله [ 2 ] ، و آية لمن توسّم ، و جنّة لمن

[ 1 ] جعله اللَّه ريا لعطش العلماء . . . : شبّه شوقهم إليه ، و أخذهم بتعاليمه بالعطشان الذي يرد الماء . و ربيعا لقلوب الفقهاء :

كما أن القلوب تسر و تبتهج بمناظر الربيع ، كذلك ابتهاج الفقهاء به . و محاج لطرق الصلحاء : جمع محجّة : الطريق .

و المراد : أنه النهج الذي يسير عليه الصلحاء . و دواء ليس بعده داء : الداء : المرض . و المراد : العلاج الذي يزيل جميع الأمراض . و نورا ليس معه ظلمة : حقّا لا موضع للباطل فيه .

[ 2 ] و حبلا وثيقا عروته . . . : محكما لا يخشى انفصامه ، ينجو المتمسك به من كل سوء . و معقلا منيعا ذروته : حصنا حصينا يحمي المسلم في الدنيا و الآخرة . و عزّا : أي قوي و سلم من الذل . لمن تولاه : أخذ بتعاليمه ، و اهتدى بهديه . و سلما لمن دخله : مأمنا للعامل به من متالف الدنيا و الآخرة . و هدى :

رشادا ذلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً للمُتَّقِين 2 : 2 . لمن ائتمّ به : اتبعه و اقتدى به . و عذرا لمن انتحله : الاعتذار به مقبول . كأن يسأل : لما ذا تأخرت ؟ فيجيب : كنت مشغولا بقراءة القرآن . و برهانا لمن تكلم به ، و شاهدا لمن خاصم به :

دليلا كافيا من الاستدلال . و فلجا : ظفرا . و حاجّ به : خاصم به . و المراد : ظهوره على خصمه بالقرآن . و حاملا : منجيا .

لمن حمله : لمن عمل به . و مطية : مركبا سريعا يوصله الى الجنان . لمن أعمله : اتبعه .

[ 29 ]

استلأم [ 1 ] ، و علما لمن وعى ، و حديثا لمن روى ، و حكما لمن قضى [ 2 ] .

[ 1 ] و آية لمن توسّم . . . : دلالة للمتفكر المعتبر إنَّ في ذلك لآياتٍ للمتوسِّمين 15 : 75 . و جنّة : وقاية . لمن استلأم : لبس لامة الحرب ( الدرع ) و المراد : وقاية من مكاره الدنيا و الآخرة .

[ 2 ] و علما لمن وعى : حفظ . و المراد : ان بين دفّتيه علوما يستنبط بعضها الحفاظ و العلماء . و حديثا لمن روى : يشير الى قوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أحسَنَ الحدِيثِ كِتَاباً مُتَشابِهاً 39 : 23 .

و حكما لمن قضى : نظاما كاملا للقضاء ، يجب على المسلمين الرجوع الى حكمه فيما شجر بينهم ، و قد حذّرهم اللَّه من المخالفة وَ مَنْ لَمْ يَحكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فأولئِكَ هُمُ الكافِرُونَ 5 : 44 .

[ 30 ]