( 195 ) و من كلام له عليه السلام كان يوصي به أصحابه

تعاهدوا أمر الصّلاة ، و حافظوا عليها ،

و استكثروا منها ، و تقرّبوا بها ، فإنّها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا [ 1 ] ، ألا تسمعون إلى جواب

[ 1 ] تعاهدوا أمر الصلاة و حافظوا عليها . . . : تعهدت الشي‏ء :

ترددت اليه و أصلحته . و حافظوا عليها : أدوها بأوقاتها . فانها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا : واجبة مفروضة .

[ 31 ]

أهل النّار حين سئلوا : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ؟ [ 1 ] قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ . و إنّها لتحتّ الذّنوب حتّ الورق و تطلقها إطلاق الرّبق [ 2 ] ، و شبّهها رسول اللَّه ، صلى اللَّه عليه و آله و سلم بالحمّة [ 3 ] تكون على باب الرّجل فهو يغتسل منها في اليوم و اللّيلة خمس مرّات ، فما عسى أن يبقى عليه من الدّرن ؟ و قد عرف حقّها رجال من المؤمنين الّذين لا تشغلهم عنها زينة متاع ، و لا

[ 1 ] سقر : من أسماء جهنّم .

[ 2 ] حتّ الرجل الورق من الشجر : أسقطه . و المراد : أنها تذهب بالذنوب و تطلقها : تفكها . و الربق جمع ربقة : الحلقة في الحبل يشد بها الحيوان . و المراد : انها تفك المسلم من وثاق الذنوب و تبعاتها .

[ 3 ] الحمّة . . . : كل عين فيها ماء حار ينبع ، يستشفى بها من المرض . و الدرن : الوسخ .

[ 32 ]

قرّة عين من ولد و لا مال . يقول اللَّه سبحانه :

رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَ لاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إقَامِ الصَّلاَةِ وَ إيتَاءِ الزَّكَاةِ . و كان رسول اللَّه ،

صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم نصبا [ 1 ] بالصّلاة بعد التّبشير له بالجنّة ، لقول اللَّه سبحانه : وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بالصَّلاَةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْهَا فكان يأمر أهله ،

و يصبر عليها نفسه .

ثمّ إنّ الزّكاة جعلت مع الصّلاة قربانا [ 2 ] لأهل الاسلام ، فمن أعطاها ، طيّب النّفس

[ 1 ] نصبا : تعبا . و المراد : كثرة صلاته حتى نزل عليه قوله تعالى :

طه . ما أَنزَلنَا عَلَيْكَ القُرآن لِتَشْقَى 20 : 2 . قال قتادة :

كان يصلي الليل كله و يعلق صدره بحبل حتى لا يغلبه النوم ،

فأمره اللَّه سبحانه بأن يخفف على نفسه ، و ذكر انه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كل هذا التعب .

[ 2 ] القربان : كل ما يتقرب به الى اللَّه سبحانه .

[ 33 ]

بها ، فإنّها تجعل له كفّارة ، و من النّار حجازا و وقاية [ 1 ] . فلا يتبعنّها أحد نفسه ، و لا يكثرنّ عليها لهفه [ 2 ] ، فإنّ من أعطاها غير طيّب النّفس بها ، يرجو بها ما هو أفضل منها فهو جاهل بالسّنّة ،

مغبون الأجر [ 3 ] ، ضالّ العمل ، طويل النّدم .

ثمّ أداء الأمانة ، فقد خاب [ 4 ] من ليس من أهلها ، إنّها عرضت على السّماوات [ 5 ] المبنيّة ،

[ 1 ] طيّب النفس بها . . . : سمحت بها نفسه و ارتاحت .

و الكفّارة : هي التي تكفّر الذنب عن الانسان و تمحوه و تستره .

حجازا و وقاية : من النار .

[ 2 ] فلا يتبعها أحد نفسه . . . : لا تكن نفسه متعلقة بها ، غير طيبة باخراجها . و لا يكثرن عليها لهفه : لا يتحسّر على دفعها .

[ 3 ] مغبون الاجر : غبنه في البيع غبنا : غلبه و نقصه . و المراد :

منقوص الأجر .

[ 4 ] خاب : خسر .

[ 5 ] انها عرضت على السماوات . يشير الى قوله تعالى : إنَّا عَرَضنَا الأَمَانَةَ عَلى السَّمواتِ و الأرْضِ و الجِبَالِ . . 33 :

72 . و المراد من عرض الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال هم أهلها ، أي عرضناها على سكان السماوات من الملائكة ،

و على سكان الأرض و الجبال من الجنّ و الانس .

[ 34 ]

و الأرضين المدحوّة [ 1 ] ، و الجبال ذات الطّول المنصوبة ، فلا أطول و لا أعرض و لا أعلى و لا أعظم منها ، و لو امتنع شي‏ء بطول أو عرض أو قوّة أو عزّ لمتنعن ، و لكن أشفقن [ 2 ] من العقوبة ،

و عقلن ما جهل من هو أضعف منهنّ و هو الإنسان إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً .

إنّ اللَّه سبحانه و تعالى لا يخفى عليه ما العباد مقترفون [ 3 ] في ليلهم و نهارهم ، لطف به

[ 1 ] المدحوّة : المبسوطة وَ الأرضَ بَعدَ ذلِكَ دَحَاهَا 79 : 30 .

[ 2 ] اشفقن : خفن و حذرن . و المراد : خاف أهلها و حذروا من حملها .

[ 3 ] مقترفون : مكتسبون .

[ 35 ]

خبرا [ 1 ] ، و أحاط به علما ، أعضاؤكم شهوده ،

و جوارحكم جنوده ، و ضمائركم عيونه ، و خلواتكم عيانه [ 2 ] .

[ 1 ] لطف به خبرا : هو اللطيف الخبير بعباده . و معنى اللطيف :

من كان فعله في اللطف بحيث لا يهتدي إليه غيره . و قال الشارح الخوئي : أراد به علمه بخفيات أفعال العباد ،

و خبرويته بها . . . و تسميته باللطيف من جهة علمه بالشي‏ء اللطيف مثل البعوضة و أخفى منها ، و موضع النشوء منها ،

و العقل ، و الشهوة للفساد ، و الحدب على نسلها ، و نقلها الطعام و الشراب الى أولادها في المفاوز و الأودية و القفار .

و الخبير ، أي علم بكنه الشي‏ء ، و مطلع على حقيقته . و المراد :

أنه عالم بشؤون عباده ، مطلع على جزئياتها .

[ 2 ] اعضاءكم شهوده يَومَ تَشهدُ عَلَيهم أَلسنَتُهُم و أَيديهِمْ و أَرجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعملُونَ 24 : 24 . و جوارحكم جنوده : تعينه عليكم بشهادتها . و ضمائركم عيونه : جواسيسه . و خلواتكم عيانه : هو شاهد مطلع على ما استرتم به من عمل مَا يكُونُ من نَجوى‏ ثَلاثةٍ إلاّ هُوَ رَابِعُهُم و لاَ خَمسةٍ إلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ و لاَ أدنى مِنْ ذلِكَ وَ لاَ أَكْثَرَ إلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ 58 : 7 .

[ 36 ]