( 205 ) و من كلام له عليه السلام بالبصرة

و قد دخل على العلاء بن زياد الحارثي و هو من أصحابه يعوده ، فلما رأى سعة داره قال :

ما كنت تصنع بسعة هذه الدّار في الدّنيا ؟ أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج ؟ و بلى إن شئت بلغت بها الآخرة : تقري فيها الضّيف [ 1 ] ،

و تصل فيها الرّحم ، و تطلع منها الحقوق

[ 1 ] تقري فيها الضيف : تستقبل فيها الضيوف .

[ 53 ]

مطالعها [ 1 ] فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة [ 2 ] فقال له العلاء : يا أمير المؤمنين ، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد . قال : و ما له ؟ قال : لبس العباءة [ 3 ] و تخلى عن الدنيا . قال : عليّ به ،

فلما جاء قال :

يا عديّ نفسه [ 4 ] لقد استهام بك الخبيث [ 5 ] ،

[ 1 ] تطلع منها الحقوق مطالعها : تؤدّي ما افترض عليك من خمس و زكاة و نحوهما الى مستحقيها الذين يجب أن تصرف عليهم .

[ 2 ] بلغت بها الآخرة : أوصلتك هذه الخصال الى منازل الكرامة و النعيم .

[ 3 ] لبس العباءة : كساء يلبس فوق الثياب . و المراد به هنا :

تخليه عن الدنيا ، تاركا حتى أولاده و أهله ، إشتغالا بالزهد و العبادة .

[ 4 ] يا عدي نفسه : مصغر عدو نفسه .

[ 5 ] إستهام . . . : جعلك هائما ضالا . و المراد : تمكن منك .

و الخبيث : الشيطان .

[ 54 ]

أما رحمت أهلك و ولدك ، أ ترى اللَّه أحلّ لك الطّيّبات و هو يكره أن تأخذها ؟ أنت أهون على اللَّه من ذلك قال : يا أمير المؤمنين ، هذا أنت في خشونة ملبسك ، و جشوبة مأكلك [ 1 ] قال : ويحك ، إنّي لست كأنت ، إنّ اللَّه فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة النّاس [ 2 ] كيلا يتبيّغ [ 3 ] بالفقير فقره .

[ 1 ] جشب الرجل جشبا : غلظ مأكله و خشن .

[ 2 ] يقدّروا أنفسهم . . . : يضيّقوا عليها . بضعفة الناس :

الفقراء . و المراد : ينبغي لحكام المسلمين أن يشابهوا الفقراء في المطعم و الملبس و المسكن .

[ 3 ] يتبيّغ : يهيج .

[ 55 ]