( 206 ) و من كلام له عليه السلام و قد سأله سائل عن أحاديث البدع ، و عما في أيدي الناس من اختلاف الخبر

فقال عليه السلام :

إنّ في أيدي النّاس حقّا و باطلا ، و صدقا و كذبا ، و ناسخا و منسوخا ، و عامّا و خاصّا ،

و محكما و متشابها ، و حفظا و وهما ، و لقد كذب على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم على عهده حتّى قام خطيبا فقال : « من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ [ 1 ] مقعده من النّار » .

و إنّما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم

[ 1 ] تبوّأ المكان : نزله و أقام فيه .

[ 56 ]

خامس :

رجل منافق مظهر للإيمان ، متصنّع بالإسلام ، لا يتأثّم و لا يتحرّج [ 1 ] يكذب على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم متعمّدا ، فلو علم النّاس أنّه منافق كاذب لم يقبلوا منه ، و لم يصدّقوا قوله ، و لكنّهم قالوا صاحب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم : رآه ، و سمع منه ، و لقف عنه [ 2 ] فيأخذون بقوله ، و قد أخبرك اللَّه عن المنافقين بما اخبرك ، و وصفهم بما وصفهم به لك ، ثمّ بقوا بعده عليه و آله السّلام فتقرّبوا إلى أئمّة الضّلالة ، و الدّعاة إلى النّار بالزّور و البهتان [ 3 ] ،

[ 1 ] متصنّع . . . متظاهر بما ليس فيه . لا يتحرّج : لا يتجنب .

[ 2 ] لقف عنه : تلقاه و حفظه بسرعة .

[ 3 ] الزور . . . : الباطل ، الكذب . و البهتان : الكذب المفترى .

[ 57 ]

فولّوهم الأعمال ، و جعلوهم حكّاما على رقاب النّاس ، و أكلوا بهم الدّنيا [ 1 ] ، و إنّما النّاس مع الملوك و الدّنيا إلاّ من عصم اللَّه ، فهذا أحد الأربعة .

و رجل سمع من رسول اللَّه شيئا لم يحفظه على وجهه ، فوهم [ 2 ] فيه و لم يتعمّد كذبا ، فهو في يديه و يرويه و يعمل به ، و يقول : أنا سمعته من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم ، فلو علم المسلمون أنّه وهم فيه لم يقبلوا منه ، و لو علم هو أنّه كذلك لرفضه و رجل ثالث : سمع من رسول اللَّه صلى اللَّه

[ 1 ] و أكلوا بهم الدنيا : إستعانوا بهم في الأعمال ، و خدعوا الناس بأن هؤلاء أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ،

فتمهدت لهم الأمور .

[ 2 ] وهم : خطأ .

[ 58 ]

عليه و آله شيئا يأمر به ثمّ إنّه نهى عنه و هو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شي‏ء ، ثمّ أمر به و هو لا يعلم ، فحفظ المنسوخ ، و لم يحفظ النّاسخ [ 1 ] ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه ، و لو علم

[ 1 ] فحفظ المنسوخ و لم يحفظ الناسخ : النسخ : الإزالة ،

و الناسخ : هو إزالة حكم شرعي بآخر ، و المنسوخ : هو الحكم الذي أزيل ، و ترك العمل به لانتهاء أمده ، أو لتغيّر ظرفه ، أو تبدّل موضوعه و السبب في ذلك تغيّر المصلحة ، و على سبيل المثال : الدين الإسلامي يريد للمسلم استقلالية تميّزه عن غيره ، و كيانا مستقلا ، ففي فجر الدعوة أمروا بالتوجه في الصلاة الى بيت المقدس مخالفة للمشركين الذين كانوا يتوجهون في طقوسهم الدينية الى الكعبة المكرّمة ، و بعد الهجرة الى المدينة المنوّرة ، و فيها اليهود ، و كانوا يتوجّهون في طقوسهم الدينية الى بيت المقدس ، و كانوا يعيّرون المسلمين بأنهم تبع لهم في القبلة ، فشقّ ذلك على النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و كان ينتظر الأمر الإلهي في تغيير القبلة قَد نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ فَلَنُولِّينَّكَ قِبلَةً تَرْضاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحرَامِ وَ حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ و إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ مَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ 2 :

144 فأمروا بالتوجّه الى الكعبة .

و مثال آخر : كان على المسلم أن يثبت في الحرب لعشرة من المشركين و لا يولهم دبره يَا أيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّض المُؤمِنينَ عَلَى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغلِبُوا مائَتَينِ وَ إن يَكُنْ مِنْكُمْ مائَة يَغْلِبُوا ألفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ 8 : 65 .

و كثر المسلمون و نزل التخفيف منه جلّ جلاله فصار على المسلم أن يثبت لاثنين من المشركين اَلئنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعفاً فَإن يكُنْ مِنْكُمْ مَائَةٌ صَابرة يَغْلِبُوا مَائَتَينِ وَ إن يكُنْ مِنْكُمْ أَلفٌ يَغلبُوا ألفَينِ بِإذْنِ اللَّهِ و اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ 8 :

66 .

فالنسخ يجعله جلّ جلاله لاقتضاء المصلحة التي لا يعلمها إلاّ هو ، و ليس لأحد مهما ارتفعت درجته في العلم نسخ حكم و تبديله بآخر ، بل حتى الرسول الأعظم صلّى اللَّه عليه و آله ما كان له ذلك ، بل هو عبد ممتثل لما يأمره به جلّ جلاله لَيسَ لَكَ مِن الأَمْرِ شَيْ‏ءٌ 3 : 128

[ 59 ]

المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه .

و آخر رابع : لم يكذب على اللَّه ، و لا على

[ 60 ]

رسوله ، مبغض للكذب خوفا من اللَّه ، و تعظيما لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و لم يهم [ 1 ] بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به على سمعه :

لم يزد فيه و لم ينقص منه ، فحفظ النّاسخ فعمل به ، و حفظ المنسوخ فجنّب عنه [ 2 ] و عرف الخاصّ و العامّ ، فوضع كلّ شي‏ء موضعه ، و عرف المتشابه و محكمه [ 3 ] .

[ 1 ] المتشابه . . . : الذي يمكن أن يفسر بعدة وجوه ، مثل قوله تعالى : يدُ اللَّهِ فوق أيديهم 48 : 10 و المراد باليد في الآية القدرة ، كقوله تعالى : أولي الأيدي و الأبصار 38 : 45 فقد تنزّه جلّ جلاله عن مشابهة خلقه في جارحة و شبهها . و المحكم :

ما إتضح معناه ، و لا يحمل من التأويل إلاّ وجها واحدا ، مثل قوله تعالى : قل هو اللَّه أحد 112 : 1 . و قال الراغب : المحكم :

من حيث اللفظ ، أو من حيث المعنى .

ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ و لا من حيث المعنى ،

و المتشابه من القرآن : ما أشكل تفسيره لمشابهة غيره ،

[ 2 ] و لم يهم : لم يغلط .

[ 3 ] فجنب عنه : تجنّبه .

[ 61 ]

و قد كان يكون من رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه و آله ، الكلام له وجهان : فكلام خاصّ ،

و كلام عامّ [ 1 ] فيسمعه من لا يعرف ما عنى اللَّه سبحانه به ، و لا ما عنى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم ، فيحمله السّامع ، و يوجّهه على غير معرفة بمعناه ، و ما قصد به ، و ما خرج من أجله ، و ليس كلّ أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم من كان يسأله و يستفهمه ، حتّى إن

[ 1 ] فكلام خاص و كلام عام : المراد بذلك السبب المقتضي للكلام . و على سبيل المثال : لو كان الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله يتحدث مع شخص عن مناسك الحج ،

و واجبات الإحرام ، و سأله ذلك الشخص : هل يجوز الصيد ؟ و يجيبه : لا ، فيسمع آخر الجواب ، و هو لا يعلم محتوى الحديث ، فيتبادر الى ذهنه حرمة الصيد مطلقا .

[ 62 ]

كانوا ليحبّون أن يجي‏ء الأعرابيّ و الطّارى‏ء [ 1 ] فيسأله عليه السّلام حتّى يسمعوا ، و كان لا يمرّ بي من ذلك شي‏ء إلاّ سألت عنه و حفظته ، فهذه وجوه ما عليه النّاس في اختلافهم ، و عللهم في رواياتهم .