( 210 ) و من خطبة له عليه السلام

و أشهد أنّه عدل عدل ، و حكم فصل [ 3 ] ،

[ 1 ] فرتق به . . . : أصلح . و المفاتق : الخلاف بين الجماعات ، و تصدع الكلمة . و المراد : ما كانوا فيه قبل البعثة من عداوات و غارات و حروب . و ساوره مساورة :

واثبه . و المغالب : المشركين ، و أهل الأديان . و المراد :

إنتصاره عليهم . و ذلل به الصعوبة : المصاعب و العقبات التي تعرضت لها الرسالة الإسلامية . و سهّل به الحزونة :

و السهل من الأرض : ما لان منها . و الحزن : ما غلظ منها . و المراد :

سهّل له العسير .

[ 2 ] حتى سرّح الضلال عن يمين و شمال : سرّح : ذهب و خرج .

و المراد : تمزّق قوى الكفر و الضلال .

[ 3 ] أنّه عدل عدل . . . : يقول الشراح : ان الضمير في ( انه ) يرجع الى القضاء و القدر . و المراد : ان قضاءه تعالى عدل و حكم فصل : بين الحق و الباطل .

[ 71 ]

و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله ، و سيّد عباده ،

كلّما نسخ اللَّه الخلق فرقتين جعله خيرهما [ 1 ] ، لم يسهم فيه عاهر ، و لا ضرب فيه فاجر [ 2 ] .

ألا و إنّ اللَّه قد جعل للخير أهلا ، و للحقّ دعائم ، و للطّاعة عصما [ 3 ] و إنّ لكم عند كلّ طاعة

[ 1 ] و كلما نسخ اللَّه الخلق فرقتين : المراد بالنسخ نقلهم بالتناسل من الأصلاب و الأرحام ، و الغرض : بيان فضل آبائه عليهم السلام ، فكلما إفترقت البشرية فرقتين كان في أفضلهما .

[ 2 ] لم يسهم فيه عاهر . . . : العاهر : الزاني . و المراد : لم يدنس نسبه الشريف بسفاح . و لا ضرب فيه فاجر : و لا شارك . قال صلى اللَّه عليه و آله : لم يزل ينقلني اللَّه تعالى من أصلاب الطاهرين الى أرحام الطاهرات .

[ 3 ] جعل اللَّه لكلّ خير أهلا . . . : يقبلونه ، و يدعون إليه .

و للحق دعائم : الدعامة : عماد البيت الذي يقوم عليه ،

و يقال : هذا من دعائم الأمور ، أي ممن تتماسك به الأمور .

و المراد بذلك : أئمة أهل البيت عليهم السلام . و للطاعة عصما : جمع عصمة : ما يحفظ به الشي‏ء . و المراد بذلك : حفظها و صيانتها بالإخلاص ، و التحرز من الرياء و العجب و الغيبة ، و كل ما يفسد العمل .

[ 72 ]

عونا من اللَّه : يقول على الألسنة ، و يثبّت الأفئدة [ 1 ] ، فيه كفاء لمكتف ، و شفاء لمشتف [ 2 ] .

و اعلموا أنّ عباد اللَّه المستحفظين علمه يصونون مصونه ، و يفجّرون عيونه [ 3 ] يتواصلون

[ 1 ] و ان لكم عند كل طاعة عونا . . . : هو اللطف و التوفيق . يقول على الألسنة : على ألسنة الرسل من البشارة للمطيعين . و يثبت الأفئدة : يشير الى قوله تعالى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ في الحَياةِ الدُّنيَا وَ فِي الآخِرَةِ 14 : 27 .

[ 2 ] فيه كفاء لمكتف . . . : بعونه يكتفي المكتفون ،

و يستغني المفتقرون . و شفاء لمشتف : من جميع الأمراض وَ اِذا مرِضتُ فَهُوَ يَشفينِ 26 : 80 .

[ 3 ] المستحفظين علمه . . . : طلب منهم حفظه . و المراد بهم أئمة الحق . يصونون مصونه : يكتمونه ، كالعلم عن أحداث و ملاحم و فتن علموها من الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله . و يفجرون عيونه : يعلمونه الأمة .

[ 73 ]

بالولاية ، و يتلاقون بالمحبّة ، و يتساقون بكأس رويّة و يصدرون بريّة ، لا تشوبهم الرّيبة ، و لا تسرع فيهم الغيبة [ 1 ] ، على ذلك عقد خلقهم و أخلاقهم [ 2 ] فعليه يتحابّون ، و به يتواصلون [ 3 ] ، فكانوا كتفاضل

[ 1 ] يتواصلون بالولاية . . . : النصرة و التعاون و المصافاة .

و يتلاقون بالمحبة : يتبادلون الحب و الأخاء . و يتساقون بكأس رويّة : بكأس العلم و المعارف الإلهية . و يصدرون بريّة : لا ظمأ بعدها . لا تشوبهم الريبة : لا يرتاب بعضهم ببعض . و لا تسرع فيهم الغيبة : لا مجال لاغتيابهم و توجيه الدم لهم ، فهم منزهون عن كل نقص .

[ 2 ] على ذلك عقد خلقهم و أخلاقهم : طبعوا على الأخلاق العاليه ، و السجايا الحميدة .

[ 3 ] فعليه يتحابون . . . : أي على الأيمان . و به يتواصلون :

يتعاطفون . و المراد : حبهم و مواصلتهم بنيت و انعقدت على الأيمان .

[ 74 ]

البذر ينتقى فيؤخذ منه و يلقى [ 1 ] ، قد ميّزه التّخليص ، و هذّبه التّمحيص [ 2 ] فليقبل امرؤ كرامة بقبولها ، و ليحذر قارعة قبل حلولها [ 3 ] ،

و لينظر امرؤ في قصير أيّامه ، و قليل مقامه ، في

[ 1 ] فكانوا كتفاضل البذر ينتقى . . . البذر : البذور التي تزرع ، ينقيها الزراع ، و يزرع الحبة الجيدة منها طلبا للنتاج الجيد . و المراد : تميّزوا عن غيرهم من الناس فضلا و شرفا إمتياز البذور عن بقية الحبوب . فيؤخذ منه : الجيد .

و يلقى : الردي‏ء .

[ 2 ] و قد ميّزه التخليص . . . : من العناصر الرديئة . و هذّبه التمحيص : التمييز .

[ 3 ] فليقبل أمرؤ كرامة بقبولها . . . : المراد بالكرامة التي يجب على المسلم ان يقبلها و ينتهجها هي السلوك الذي ذكره للمستحفظين . و ليحذر قارعة قبل حلولها : القارعة :

المصيبة . و المراد : الحذر عن التخلف عن هذا السلوك فيكون معرضا للنكبات و المصائب ، و أعظم من ذلك النار التي تنتظر العصاة .

[ 75 ]

منزله حتّى يستبدل به منزلا [ 1 ] فليصنع لمتحوّله ،

و معارف منتقله [ 2 ] فطوبى لذي قلب سليم [ 3 ] أطاع من يهديه ، و تجنّب من يرديه [ 4 ] و أصاب سبيل السّلامة ببصر من بصّره ، و طاعة هاد أمره [ 5 ] ، و بادر

[ 1 ] و لينظر أمرؤ في قصير أيامه . . . : فهو و ان عاش عمر نوح عليه السلام ، فهو بالنسبة لعمر الآخرة كقطرة من البحر .

و قليل مقامه : في الدنيا . في منزل حتى يستبدل به منزلا :

في الآخرة .

[ 2 ] فليصنع لمتحوله . . . : يهيّى‏ء ما يصلحه لمنزله الجديد .

و معارف منتقله : المواضع التي يعرف إنتقاله إليها .

[ 3 ] فطوبى . . . : هي ( فعلى ) من الطيب . و المراد : لهم طيب العيش و الرخاء . لذي قلب سليم : لأنه إذا سلم القلب سلمت سائر الجوارح من الفساد ، من حيث ان الفساد بالجارحة لا يكون إلاّ عن قصد القلب الفاسد .

[ 4 ] يرديه : يهلكه .

[ 5 ] أصاب سبيل السلامة . . . : طريق النجاة . ببصر من بصّره :

أرشده و دلّه على الحق . و طاعة هاد أمره : فامتثل و عمل .

[ 76 ]

الهدى قبل أن تغلق أبوابه ، و تقطع أسبابه [ 1 ] ،

و استفتح التّوبة ، و أماط الحوبة [ 2 ] . فقد أقيم على الطّريق ، و هدي نهج السّبيل [ 3 ] .