( 217 ) و من كلام له عليه السلام

قاله بعد تلاوته : ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر [ 1 ] يا له مراما ما أبعده [ 2 ] و زورا ما أغفله ،

و خطرا ما أفظعه [ 3 ] ، لقد استخلوا منهم أيّ مدّكر

[ 1 ] اَلهاكُمُ التّكَاثُرَ حتّى زُرتُمُ المقَابِرَ 102 : 2 شغلكم عن طاعة اللَّه تعالى ، فقد كانوا يتفاخرون بأنفسهم ، ثم جرّهم ذلك الى التفاخر بالأموات .

[ 2 ] يا له مراما ما أبعده : المرام : المطلب . و المراد : أنكم تتفاخرون بالأموات و ليس ذلك بفخر . و زورا : الزائرين للمقابر . ما أغفله : ما أغفلكم عنه . و خطرا ما أفظعه : هو خطر الموت و ما بعده .

[ 3 ] لقد استخلوا منهم أي مدّكر . . . : لم يجدوا لم تفاخروا بهم أثرا ، بل وجدوا الديار منهم خالية . و تناوشوهم :

تناولوهم . من مكان بعيد : هو بعد الدنيا عن عوالم الآخرة .

[ 9 ]

و تناوشوهم من مكان بعيد أ فبمصارع آبائهم يفخرون أم بعديد الهلكى يتكاثرون [ 1 ] ؟ يرتجعون منهم أجسادا خوت [ 2 ] ، و حركات سكنت ، و لأن يكونوا عبرا أحقّ من أن يكونوا مفتخرا [ 3 ] ، و لأن يهبطوا بهم جناب ذلّة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزّة [ 4 ] لقد نظروا إليهم

[ 1 ] أ فبمصارع آبائهم يفخرون . . . : و هذا منتهى الإنحطاط أن يفخر الأحياء بالأموات ، و يجعلون من ذلك عنوانا للمجد و الشرف . و يتكاثرون : بالأموات .

[ 2 ] أجسادا خوت : خوى المكان : خلى مما كان فيه .

و المراد : يفتخرون بأجساد خلت من الأرواح .

[ 3 ] و لان يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا : انقلبت المفاهيم عندهم ، فقد كان المفروض الاتعاظ بهم لا الإفتخار .

[ 4 ] و ان يهبطوا بهم جناب ذلّة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزة : الحجى : العقل . و المراد : أن ما صار اليه الأموات من التلاشي و تفرّق الاجزاء كان جديرا أن يترك عند الأحياء التذلل للعزيز القاهر ، و الانقياد له ، بدلا من التعزز بذلك الرميم البالي .

[ 10 ]

بأبصار العشوة و ضربوا منهم في غمرة جهالة [ 1 ] ،

و لو استنطقوا عنهم عرصات تلك الدّيار الخاوية ،

و الرّبوع الخالية [ 2 ] ، لقالت ذهبوا في الأرض

[ 1 ] لقد نظروا اليهم بأبصار العشوة . . . : عشى بصره :

ضعف . و المراد : نظروا الى الأمور بأعين مريضة ، فأبعدوا عن الحقيقة . و ضربوا منهم في غمرة جهالة : غمر الماء :

كثر حتى ستر مقرّه . و المراد : غمرهم الجهل حتى وصلوا الى هذا المستوى الضحل .

[ 2 ] و لو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية . . . . . :

الخالية . و الربوع : منازلهم . الخالية : عن الحسن الصيقل قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عما يروي الناس : تفكّر ساعة خير من قيام ليلة ، كيف يتفكر ؟ قال : يمر بالخربة أو بالدار فيقول : أين ساكنوك ، أين بانوك ، مالك لا تتكلمين ؟ . و المراد : كان المفروض أن يفكّروا ما حلّ بالآباء من الانتقال ، و أن ذلك المصير ينتظرهم ، فينبغي الإستعداد له .

[ 11 ]

ضلاّلا ، و ذهبتم في أعقابهم جهّالا [ 1 ] ، تطأون في هامهم ، و تستثبتون في أجسادهم و ترتعون فيما لفظوا [ 2 ] ، و تسكنون فيما خرّبوا ، و إنّما الأيّام بينكم و بينهم بواك و نوائح عليكم [ 3 ] .

[ 1 ] ذهبوا في الأرض ضلالا : غابوا فيها و صاروا رميما و ترابا وَ قَالُوا ءَ اِذَا ضَلَلنَا فيِ الَأرضِ ءَ اِنّا لَفي خَلقٍ جَديدٍ بَل هُم بلقَاءِ ربّهِم كَافِرونَ 32 : 10 و ذهبتم في أعقابهم :

بعدهم . جهالا : غافلين : لم تعدوا ما يصلحكم .

[ 2 ] تطاؤن في هامهم . . . : رؤوسهم . و المراد : بتطاول السنين ، و كثرة الموتى ، اختلط التراب برميم الأجساد ،

و الى هذا يشير أبو العلاء المعري :

خفف الوطء ما اظن أديم الأرض
إلاّ من هذه الأجساد

و تستثبتون في أسادهم : تزرعون مواضع قبورهم . و ترتعون :

تأكلون . فيما لفظوا : تركوا .

[ 3 ] و إنما الايام بينكم و بينهم بواك و نوائح عليكم : نوائح جمع نائحة : باكية على الميت . و المراد بالأيام أهلها . فسنة الحياة أن يبكي الأحياء الأموات .

[ 12 ]

أولئكم سلف غايتكم و فرّاط مناهلكم [ 1 ] ،

الّذين كانت لهم مقاوم العزّ ، و حلبات الفخر ،

ملوكا و سوقا [ 2 ] ، سلكوا في بطون البرزخ سبيلا [ 3 ] سلّطت الأرض عليهم فيه ، فأكلت من لحومهم ، و شربت من دمائهم ، فأصبحوا في فجوات قبورهم جمادا لا ينمون ، و ضمارا لا

[ 1 ] أولئكم سلف غايتكم . . . : السلف : كل من تقدمك من آبائك و ذوي قرابتك في السن . و الغاية : النهاية و الآخر .

و المراد : اللحوق بهم . و المصير الذي ينتظركم . و فراط جمع فرط : متقدم القوم الى الماء . و مناهلكم جمع منهل : موضع الشرب . و المراد : الذين سبقوكم للشرب من كأس المنية .

[ 2 ] الذي كانت لهم مقاوم العز . . . : دعائمه . و حلبات جمع حلبة : الخيل التي تعد للسباق . و المراد : بيان ما كانوا فيه من مجد و رخاء . و سوقا : أوساط الناس .

[ 3 ] سلكوا في بطون البرزخ سبيلا . البرزخ : الحاجز بين شيئين . و المراد به القبر ، فهو الحاجز بين الدنيا و الآخرة .

[ 13 ]

يوجدون [ 1 ] ، لا يفزعهم ورود الأهوال [ 2 ] ، و لا يحزنهم تنكّر الأحوال ، و لا يحفلون بالرّواجف ،

و لا يأذنون للقواصف [ 3 ] ، غيّبا لا ينتظرون ،

و شهودا لا يحضرون [ 4 ] ، و إنّما كانوا جميعا فتشتّتوا ، و ألاّفا فافترقوا ، و ما عن طول عهدهم

[ 1 ] ضمارا لا يوجدون : غيّبا لا ترجى عودتهم .

[ 2 ] لا يفزعهم ورود الأهوال . . . : الفزع : الخوف و الذعر .

و الهول : الأمر الشديد . و المراد : لا يخافون مما يخاف منه أهل الدنيا ، لأنهم في عالم آخر . و لا يحزنهم تنكر الاحوال : لا يتألمون لما يحدث من تغييرات كانت تحزنهم في الدنيا .

[ 3 ] لا يحفلون بالرواجف . . . : لا يحفلون : لا يبالون .

و الرواجف : الزلازل . و لا يأذنون : لا يسمعون . و قصف الرعد قصفا : أشتد صوته . و المراد : بعدهم عن هذا العالم .

[ 4 ] غيّبا لا ينتظرون . . . : لا تنتظر عودتهم . و شهودا :

بأبدانهم . و لا يحضرون : لغياب أرواحهم في عالم آخر .

[ 14 ]

و لا بعد محلّهم عميت أخبارهم ، و صمّت ديارهم ، و لكنّهم سقوا كأسا بدّلتهم بالنّطق خرسا ، و بالسّمع صمما ، و بالحركات سكونا [ 1 ] ، فكأنّهم في ارتجال الصّفة صرعى سبات [ 2 ] . جيران لا يتآنسون ، و أحبّاء لا يتزاورون ، بليت بينهم عرى التّعارف [ 3 ] ،

و انقطعت منهم أسباب الإخاء ، فكلّهم وحيد و هم

[ 1 ] و ما عن طول عهدهم . . . : ليس بيننا و بينهم بعد زماني أو مكاني حتى تنقطع عنا أخبارهم . و صمّت : خرست .

و ديارهم : قبورهم . و المراد : لم يجب سكانها . ثم يعتذر عن سكوتهم لشربهم بكأس المنيّة ، الذي أبدلهم بالنطق خرسا و بالسمع صمما ، و بالحركات سكونا .

[ 2 ] فكأنهم في ارتجال الصفة . . . : هو الوصف بدون تأمل و دقة . و صرعى جمع صريع : في غيبوبة . و سبات :

نيام . المراد : بيان قربهم ، و انهم بمشهد من الأحياء حتى يظنهم غير المتأمل بأنهم نيام .

[ 3 ] بليت . . . : انقطعت . عرى التعارف : روابط الأخاء و الود .

[ 15 ]

جميع ، و بجانب الهجر و هم أخلاّء [ 1 ] ، لا يتعارفون لليل صباحا ، و لا لنهار مساء ، أيّ الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا [ 2 ] ،

شاهدوا من أخطار دارهم أفظع ممّا خافوا ، و رأوا من آياتها أعظم ممّا قدّروا [ 3 ] ، فكلتا الغايتين

[ 1 ] فكلهم وحيد . . . : يعيش في وحدة . و هم جميع : جمعتهم المقابر . و بجانب الهجر و هم أخلاء . هجره : تركه و أعرض عنه . و اخلاء جمع خليل : الصديق المخلص .

[ 2 ] الجديدان . . . : الليل و النهار . و ظعنوا : ساروا و ارتحلوا .

كان عليهم سرمدا : دائما لا ينقطع . و المراد : لا يشعر بما يجي‏ء بعده .

[ 3 ] شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا . . . : أن وصف ما نزل بهم من عذاب و هوان يقصر عنه الوصف ، و فوق ما كانوا يحتملون . و رأوا من آياتها أعظم مما قدروا : كذلك الحديث عن رحمته و جنته فهو مهما عظم فدون الحقيقة ،

و يكفي أن تعلم ان اللَّه سبحانه قادر و قد جعله ثوابا و جزاء لمن أحبّه و ارتضى عمله .

[ 16 ]

مدّت لهم إلى مباءة [ 1 ] ، فأتت مبالغ الخوف و الرّجاء ، فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بصفة ما شاهدوا و ما عاينوا [ 2 ] ، و لئن عميت أثارهم ،

و انقطعت أخبارهم ، لقد رجعت فيهم أبصار العبر ، و سمعت عنهم آذان العقول ، و تكلّموا من غير جهات النّطق [ 3 ] ، فقالوا : كلحت الوجوه

[ 1 ] فكلتا الغايتين مدت لهم الى مباءة : الغاية : النهاية و الآخر ،

و المراد بها الموت . و مدت لهم : حتى أوصلتهم .

الى مباءة : الى المنزل ، و هو الجنة أو النار . فأتت مبالغ الخوف و الرجاء : فكان أعظم مما كان يتصوّره المجرمون ،

و أعظم مما كان يأمله المتقون .

[ 2 ] فلو كانوا ينطقون لعيوا بصفة ما شاهدوا أو عاينوا . العي :

العجز عن التعبير اللفظي بما يفيد المعنى المقصود .

و المراد : لو كانت لهم القدرة على النطق لذهل أهل العذاب عن وصف ما هم فيه من عذاب و شقاء و لعجز أهل النعيم عن وصف ما هم فيه من سعادة و هناء .

[ 3 ] و لئن عمت آثارهم . . . : لم نهتد لمعرفة حالهم . و انقطعت أخبارهم : عنا . لقد رجعت فيهم أبصار العبر : نفذت اليهم بصائر العقول ، و أخذت عنهم المواعظ . و سمعت عنهم آذان العقول : الرشيدة الواعية . و تكلموا من غير جهات النطق : أي بلسان الحال .

[ 17 ]

النّواضر ، و خوت الأجسام النّواعم ، و لبسنا أهدام البلى ، و تكاءدنا ضيق المضجع ، و توارثنا الوحشة ، و تهكّعت علينا الرّبوع الصّموت ،

فانمحت محاسن أجسادنا ، و تنكّرت معارف صورنا ، و طالت في مساكن الوحشة إقامتنا ، و لم نجد من كرب فرجا ، و لا من ضيق متّسعا [ 1 ] فلو

[ 1 ] فقالوا كلحت الوجوه النواضر . . . : كلح فلان كلوحا :

أشتد عبوسه تلفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَ هُم فيهَا كَالِحونَ 23 :

104 . و النواضر : ذات الحسن و الجمال . و خوت :

الأجساد النواعم : خوى المكان : خلا مما كان فيه .

و المراد : خلت من أحشائها و أجوافها ، فلم تبق الحشرات منها شيئا . و لبسنا أهدام البلى . أهدام جمع هدم : الثوب البالي . و بلى الثوب : رث . . و المراد بذلك الأكفان .

و تكاءدنا ضيق المضجع : تكاءد الأمر : شقّ عليه .

و المضجع : القبر . و توارثنا الوحشة : ما كان لآبائهم من وحشة القبر و آلامه وصل اليهم ، فأشبه ذلك بالميراث الذي ينتقل من شخص لآخر و تهكعت علينا الربوع الصموت :

تهكعت : تهدمت . و الربوع : المنازل و الصموت : التي لا تنطق . و المراد بذلك القبور . فانمحت محاسن أجسادنا :

ذهب حسنها و نضارتها . و تنكرت معارف صورنا : ذهب جمالها و رونقها .

أين الوجوه التي كانت منعمة
من دونها تضرب الأستار و الكلل

فافصح القبر عنهم حين ساءلهم
تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

و طالت في مساكن الوحشة أقامتنا : هي القبور . و لم نجد من كرب فرجا : الكرب : الحزن و الغم . و الفرج : إنكشاف الغم . و لا من ضيق متسعا : المراد به ضيق القبر و أهواله .

[ 18 ]

مثّلتهم بعقلك [ 1 ] ، أو كشف عنهم محجوب

[ 1 ] فلو مثلتهم بعقلك . . . : لو تأملت حالهم . أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك : إنكشف الحجاب فيما بينك و بينهم .

[ 19 ]

الغطاء لك ، و قد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكّت ، و اكتحلت أبصارهم بالتّراب فخسفت ،

و تقطّعت الألسنة في أفواههم بعد ذلاقتها ،

و همدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها ، و عاث في كلّ جارحة منهم جديد بلى سمّجها و سهّل طرق الآفة إليها [ 1 ] ، مستسلمات فلا أيد تدفع ،

و لا قلوب تجزع [ 2 ] ، لرأيت أشجان قلوب و أقذاء

[ 1 ] إرتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت . . . : إرتسخت : ثبتت في قرارها . و الهوام : حشرات القبر . و استكت : إنسدت .

و إكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت : إنمحت معالمها .

و تقطعت الألسنة في أفواهها بعد ذلاقتها . حدتها . و همدت القلوب : سكنت . و عاث كل جارحة منهم : أفسدها .

و جديد بلى : فناء . و سمجها : قبّحها و أزال محاسنها .

و سهّل طرق الآفة إليها : فهي من أجل تسلط التراب عليها أسرعت للتلاشي و الفناء .

[ 2 ] مستسلمات . . . : هي الجوارح و الأعضاء . فلا يد تدفع :

الحشرات و غيرها . و لا قلوب تجزع : تحزن .

[ 20 ]

عيون [ 1 ] ، لهم من كلّ فظاعة صفة حال لا تنتقل ، و غمرة لا تنجلي [ 2 ] . و كم أكلت الأرض من عزيز جسد ، و أنيق لون ، كان في الدّنيا غذيّ ترف ، و ربيب شرف [ 3 ] ، يتعلّل بالسّرور في ساعة حزنه ، و يفزع إلى السّلوة إن مصيبة نزلت

[ 1 ] الشجن . . . : الحزن . و القذى : ما يتكوّن في العين من رمص و غمص . و المراد : ان منظرهم يحزن القلب ، و يؤلم العين .

[ 2 ] لهم في كل فظاعة . . . : شدّة و شناعة . صفة حال لا تنتقل : الى صلاح . و غمرة شدّة لا تنجلي : لا تنكشف .

[ 3 ] غذي ترف . . . : عاش في نعمة و رخاء . و ربيب شرف :

ربي في العز و المجد . و المراد : كم من متنعم عاش في نعيم ، و تربى في العز ، قد توسّد بخدّه التراب ، و حشرات الأرض تروح و تغدو على وجهه .

[ 21 ]

به [ 1 ] ، ضنّا بغضارة عيشه ، و شحاحة بلهوه [ 2 ] و لعبه ؟ فبينما هو يضحك إلى الدّنيا و تضحك الدّنيا إليه في ظلّ عيش غفول [ 3 ] إذ وطى‏ء الدّهر به حسكه و نقضت الأيّام قواه و نظرت إليه الحتوف من كثب [ 4 ] فخالطه بثّ لا يعرفه ،

[ 1 ] يتعلل بالسرور في ساعة حزنه . . . : فهو حينما كان يحزن يسرع الى اللهو و شبهه ، يطرد بذلك أحزانه . و يفزع الى السلوى أن مصيبة نزلت به : و أيضا فهو عند ما يصاب بمصيبة يسرع الى ما يتسلى به .

[ 2 ] ضنا بغضارة عيشه . . . : يضن : يبخل . و غضارة العيش :

طيبه . و المراد : بيان حرصه على الراحة و الهناء ، فهو يحاول صرف كل ما يكدّر راحته . و شحاحة بلهوه و لعبه :

لأجل أن لا يفرّط فيهما .

[ 3 ] في ظل عيش غفول : فهو لطيبه يجعل صاحبه غافلا .

[ 4 ] وطى‏ء الدهر به حسكه . . . : الحسك : نبات شائك يتعلق بأصواف الغنم . و المراد : نشبت فيه سهام البلاء . و نقضت الأيام قواه : نقض البناء : هدمه . و المراد : وصف ما أصابه من عوارض و اسقام ذهبت بصحته . و نظرت إليه الحتوف من كثب : الحتف : الهلاك . و من كثب : من قرب . و المراد اصابته الرمية .

[ 22 ]

و نجيّ همّ ما كان يجده ، و تولّدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحّته [ 1 ] ، ففزع إلى ما كان عوّده الأطبّاء من تسكين الحارّ بالقارّ و تحريك البارد بالحارّ [ 2 ] ، فلم يطفى‏ء ببارد إلاّ ثوّر حرارة ، و لا حرّك بحارّ إلاّ هيّج برودة ، و لا اعتدل بممازج

[ 1 ] فخالطه بثّ لا يعرفه . . . : البث : الحزن إنَّمَا اشكوُا بَثّي وَ حُزنِي اِلى اللَّهِ 12 : 86 . و نجي هم ما كان يجده . النجي : الخفي . و المراد : مازجه حزن و هم لم يعهده سابقا . و تولدت فيه فترات علل : هي بداية العوارض و مقدماتها . آنس ما كان بصحته : في الوقت الذي كان فيه مأنوسا بصحته .

[ 2 ] تسكين الحار بالقار . . . : البارد . و تحريك البارد بالحار :

لإزاله ما يجده من تخدير و شبهه .

[ 23 ]

لتلك الطّبائع إلاّ أمدّ منها كلّ ذات داء [ 1 ] ، حتّى فتر معلّله ، و ذهل ممرّضه ، و تعايا أهله بصفة دائه و خرسوا عن جواب السّائلين عنه ، و تنازعوا دونه شجيّ خبر يكتمونه [ 2 ] : فقائل هو لما به و ممنّ

[ 1 ] فلم يطفى‏ء ببارد إلاّ ثوّر حرارة . . الخ : أن التداوي أزاد المرض شدّة ، و سبب له مضاعفات أخرى . و لا إعتدل بممازج لتلك الطبائع إلاّ أمّد منها كل ذات داء : و لا أعطي دواء شاملا ينفعه لتلك العوارض إلاّ كان سببا في إزدياد كل مرض .

[ 2 ] حتى فتر معلله . . . : الذي كان يسليه و يؤنسه . و ذهل ممرضه : الذي كان يتعاهده بالدواء و الغذاء . و تعايا أهله بصفة دائه : عجزوا عن وصف حاله . و خرسوا عن جواب السائلين عنه : فلا يمكنهم الأخبار بسلامته ، و لا تطيب قلوبهم بصفة الحال التي هو فيها . و تنازعوا دونه شجيّ خبر يكتمونه : الشجا : ما إعترض و نشب في الحلق من عظم و نحوه : و المراد : يتخاصمون في خبر مشجي ذي غصة يكتمونه عنه .

[ 24 ]

لهم إياب عافيته ، و مصبّر لهم على فقده ،

يذكّرهم أسى الماضين من قبله [ 1 ] فبينما هو كذلك على جناح من فراق الدّنيا [ 2 ] ، و ترك الأحبّة ، إذ عرض له عارض من غصصه فتحيّرت نوافذ فطنته ، و يبست رطوبة لسانه [ 3 ] فكم من مهمّ من

[ 1 ] فقائل يقول : هو لما به : على حالته السابقة ، لم يطرأ عليه تحسين . و ممّن لهم أياب عافيته : رجوعها . و مصبّر لهم على فقده : يخفف أحزانهم ، و يطلب منهم الإستعانة بالصبر . يذكرهم أسى الماضين من قبله : يخفف عنهم مصابهم بالتذكير بمصائب سلفت ، و أعزاء ذهبوا .

[ 2 ] على جناح من فراق الدنيا : كأنه على جناح طائر في سرعة الخروج منها .

[ 3 ] إذ عرض له عارض من غصصه . . . : العارض : الموت .

و الغصة : ما اعترض في الحلق من طعام أو شراب .

و المراد : ما اعترض مجرى النفس و ضيّقه عليه . فتحيرت نوافذ فطنته : الفطنة : الحذق و المهارة . و المراد :

أوصدت أمامه أبواب المخرج . و يبست رطوبه لسانه : جفّ ريقه .

[ 25 ]

جوابه عرفه فعيّ عن ردّه ، و دعاء مؤلم بقلبه سمعه فتصامّ عنه : من كبير كان يعظّمه ، أو صغير كان يرحمه [ 1 ] ، و إنّ للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة ، أو تعتدل على قلوب أهل الدّنيا [ 2 ] .

[ 1 ] فكم من مهم من جوابه عرفه فعيّ عن ردّه . . . : العي :

العجز عن التعبير اللفظي . و المراد : أن اللسان يتعطّل قبل السمع ، فهو يسمع و لا يستطيع أن يتكلم . و دعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصام عنه : عاجزا عن الجواب . من كبير كان يعظمه : كالأب . أو صغير كان يرحمه : كالإبن . و المراد :

أنه يسمع و يرى توجّع و صراخ الذين حوله ، و لكن لا سبيل له الى كلامهم .

[ 2 ] و إن للموت لغمرات . . . : جمع غمرة : شدّة . هي أفظع :

فظع الأمر : إشتدت شناعته . من أن تستغرق بصفة : هي أعظم بكثير من أن يستوعبها الوصف أو يحيط بها الفكر . أو تعتدل على قلوب أهل الدنيا : تعتدل : تستقيم . و المراد :

لا يمكنهم إستيعابها ، و إدراكها بأبعادها .

[ 26 ]