( 218 ) و من كلام له عليه السلام

قاله عند تلاوته : رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَ لاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ إنّ اللَّه سبحانه و تعالى جعل الذّكر جلاء القلوب ، تسمع به بعد الوقرة ، و تبصر به بعد العشوة ، و تنقاد به بعد المعاندة [ 1 ] ، و ما برح للَّه

[ 1 ] الذكر . . . : هو التهليل و التكبير و التسبيح و التحميد ، و قراءة القرآن ، و الدعاء . و جلاء للقلوب : جلى المرآة جلاء :

كشف صدأها و صقلها . و الحديث : « إن هذا القلب يصدأ كما يصدأ الحديد ) و يقول الإمام الصادق عليه السلام :

( يصدأ القلب ، فإذا ذكّرته بلا إله إلاّ اللَّه إنجلى ) تسمع به بعد الوقرة : ثقل السمع في آذَانِهِمَ وَقرُ 41 : 44 .

و تبصر به بعد العشوة : هي ضعف البصر ليلا . و تنقاد به بعد المعاندة : تخضع و تلتزم نهج الحق بعد الإستكبار و العصيان . و المراد : أن المداومة على ذكر اللَّه تعالى تقرّب العبد الى حظيرة القدس .

[ 27 ]

عزّت آلاؤه في البرهة بعد البرهة و في أزمان الفترات [ 1 ] عباد ناجاهم في فكرهم ، و كلّمهم في ذات عقولهم [ 2 ] ، فاستصبحوا بنور يقظة [ 3 ] في الأبصار و الأسماع و الأفئدة يذكّرون بأيّام اللَّه ،

[ 1 ] و ما برح . . . : ما زال . عزّت آلاؤه : عظمت نعمه . في البرهة بعد البرهة : المدّة الطويلة من الزمن . و في أزمان الفترات : الزمن الخالي من الأنبياء .

[ 2 ] عباد ناجاهم في فكرهم . . . : ألهمهم معرفته . قال أهل السير : كان أبو ذر الغفاري يتأله في الجاهلية ، و يقول : لا إله إلاّ اللَّه . و كلمهم في ذات عقولهم : وجدهم أهلا بأن يفيض عليهم معرفته . و المراد : أصبح هؤلاء لا يسمعون و لا يبصرون و لا يفكّرون إلاّ بما يقربهم الى اللَّه جلّ جلاله .

[ 3 ] فاستصبحوا بنور يقظة : هي الأنوار الإلهية التي شعت عليهم فأيقظتهم ، و توجّهوا بها إليه .

[ 28 ]

و يخوّفون مقامه ، بمنزلة الأدلّة في الفلوات [ 1 ] ،

من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه و بشّروه بالنّجاة ، و من أخذ يمينا و شمالا ذمّوا إليه الطّريق و حذّروه من الهلكة [ 2 ] ، و كانوا كذلك مصابيح

[ 1 ] يذكرون . . . : يوعظون الناس و يرشدونهم . بأيام اللَّه : التي عاقب بها الكافرين مثل قوم لوط و ثمود و فرعون . و في التنزيل : وَ ذَكّرِهُم بايَّامِ اللَّهِ 14 : 5 . و المراد : هؤلاء الصفوة كانوا دعاة للخير ، و قادة للهداية . و يخوّفون مقامه :

عظمته التي تستلزم طاعته ، و الإنقياد له . و أدلة جمع دليل : مرشد . و فلوات جمع فلاة : الأرض الواسعة المقفرة . شبههم بالمنائر المنصوبة في الفلاة يستدل بها المسافرون على الطريق .

[ 2 ] من أخذ القصد حمدوا اليه طريقه . . . : القصد :

الإستقامة . و في التنزيل وَ عَلَى اِللَّه قَصدُ السَّبيلِ 16 :

9 . أي هداية الطريق الموصل الى الحق واجبة عليه . و من أخذ يمينا و شمالا : إنحرف عن الطريق الذي أمر اللَّه سبحانه بسلوكه . ذمّوا اليه الطريق : لاموه على سلوكه . و حذروه من الهلكة : خوفوه العطب .

[ 29 ]

تلك الظّلمات ، و أدلّة تلك الشّبهات [ 1 ] ، و إنّ للذّكر لأهلا أخذوه من الدّنيا بدلا [ 2 ] ، فلم تشغلهم تجارة و لا بيع عنه [ 3 ] : يقطعون به أيّام الحياة ، و يهتفون بالزّواجر عن محارم اللَّه في أسماع الغافلين ، و يأمرون بالقسط و يأتمرون به ،

و ينهون عن المنكر و يتناهون عنه ، فكأنّما قطعوا الدّنيا إلى الآخرة و هم فيها فشاهدوا ما وراء

[ 1 ] كانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات . . . : يحملون مشاعل الهداية في تلك الفترات . و أدلة تلك الشبهات : يكشفون للناس شبه المبطلين و مصائدهم .

[ 2 ] و ان للذكر لا هلا . . . : قدّموه على غيره . أخذوه من الدنيا بدلا : عوضا . و المراد : إستعاضوا به عن الدنيا و بهجتها .

[ 3 ] فلم تشغلهم تجارة و لا بيع عنه : لا يلهيهم عنه يَا أَيُّهَا الذَّيَن آمنُوا لاَ تُلهِكُم اَموَالكُم وَ لاَ اَولاَدُكُم عَن ذِكِر اللَّهِ 63 : 9 .

[ 30 ]

ذلك [ 1 ] ، فكأنّما اطّلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه ، و حقّقت القيامة عليهم عداتها [ 2 ] ، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدّنيا حتّى

[ 1 ] و يقطعون به أيّام الحياة . . . : يستغلونها للإتيان به .

و يهتفون بالزواجر الخ : هتف : صاح به مادا صوته .

و زجره : نهاه و انتهره . و يأمرون بالقسط و يأتمرون به :

القسط : العدل . و المراد . يأمرون غيرهم بالخير و يعملون به . و ينهون عن المنكر و يتناهون عنه : ينهون الناس عن القبيح و ينتهون عنه . فكأنما قطعوا الدنيا الى الآخرة و هم فيها : فهم في يقينهم كمن عاين الآخرة و رأى نعيمها و جحيمها . فشاهدوا ما وراء ذلك : فهم في إيمانهم و يقينهم كمن شاهد تلك العوالم .

[ 2 ] فكأنما أطلعوا غيوب أهل البرزخ : هي الفترة التي بين الموت و البعث . و المراد : كأنهم شاهدوا شدائدها و كرباتها ،

فحذروا منها أهل المعصية . و حققت عليهم القيامة عداتها :

فكأنهم رأوا مشاهدها ، و ما وعد فيها المتقون ، و أوعد عليه الفاسقون .

[ 31 ]

كأنّهم يرون ما لا يرى النّاس ، و يسمعون ما لا يسمعون [ 1 ] . فلو مثّلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة و مجالسهم المشهودة ، و قد نشروا دواوين أعمالهم ، و فرغوا لمحاسبة أنفسهم [ 2 ] على كلّ صغيرة و كبيرة أمروا بها فقصّروا عنها ، أو

[ 1 ] فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا . . . : حذروهم من تلك المشاهد . حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس : وصل بهم اليقين الى حدّ إنكشفت عنهم الحجب ، فصاروا يرون بعين البصيرة ما لا يراه غيرهم . و يسمعون ما لا يسمعون : من نداء الحق .

[ 2 ] فلو مثلتهم . . . : تصورتهم . في مقاومهم المحمودة : في مواقفهم المشكورة . و مجالسهم المشهودة : في الوعظ و الأرشاد . و قد نشروا دواوين أعمالهم : فتّشوا صحائف أعمالهم بحثا عن الحسنات ليستزيدوا منها ، و عن السيئات ليتوبوا منها . و فزعوا لمحاسبة أنفسهم : قبل أن يحاسبوا ،

و هذا هو المفروض بالمسلم . و جاء في بعض خطب النهج :

حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا .

[ 32 ]

نهوا عنها ففرّطوا فيها [ 1 ] ، و حمّلوا ثقل أوزارهم ظهورهم ، فضعفوا عن الاستقلال بها [ 2 ] ،

فنشجوا نشيجا ، و تجاوبوا نحيبا [ 3 ] ، يعجّون إلى ربّهم من مقام ندم و اعتراف [ 4 ] ، لرأيت أعلام

[ 1 ] أمروا بها فقصّروا عنها . . . : كان بأمكانهم أن يأتوا بها على وجه أكمل . أو نهوا عنها ففرطوا فيها : التفريط : التقصير عن الحد و التأخير فيه اَن تَقُولَ نَفسُ يَا حَسَرتي عَلى ما فَرَّطتُ في جَنبِ اللَّهِ 39 : 56 .

[ 2 ] و حملوا ثقل أوزارهم ظهورهم . . . : الأوزار : الذنوب .

و المراد : تحملوا تبعات التقصير و لم يحولوها على غيرهم .

فضعفوا عن الإستقلال بها : لم يطيقوا حملها .

[ 3 ] فنشجوا نشيجا . . . : طال بكاؤهم . و أحاديث الصادقين كثيرة في فضل البكاء من خشية اللَّه تعالى ، حتى قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله : لو أن باكيا بكى في أمّة لرحم اللَّه تلك الأمة ببكائه . و تجاوبوا : جاوب بعضهم بعضا .

و نحيبا : أشد البكاء .

[ 4 ] يعجون الى ربهم . . . : يرفعون أصواتهم . من مقام ندم و إعتراف : في مقامات الندم على التقصير ، و الإعتراف بالخطأ .

[ 33 ]

هدى ، و مصابيح دجىّ [ 1 ] ، قد حفّت بهم الملائكة ، و تنزّلت عليهم السّكينة ، و فتحت لهم أبواب السّماء ، و أعدّت لهم مقاعد الكرامات [ 2 ] ،

في مقام اطّلع اللَّه عليهم فيه فرضي سعيهم ،

[ 1 ] لرأيت أعلام هدى . . . : يهتدي بها الى طريق السلامة و النجاة . و مصابيح دجى : الدجى : سواد الليل و ظلمته . و المراد : هم مصابيح مضيئة لقطع ظلمات الجهل و الضلال .

[ 2 ] قد حفّت بهم الملائكة . . . : أحاطت بهم . قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله : ما جلس قوم يذكرون اللَّه إلاّ حفتهم الملائكة ، و غشيتهم الرحمة . و تنزّلت عليهم السكينة : هي العطف المقوّي لقلوبهم و الطمأنينة فَانزَلَ السَّكينَةَ عَلَيهِم 48 : 18 . و فتحت لهم أبواب السماء : في إستجابة دعائهم ، بعد أن غمرتهم الألطاف الإلهية . و أعدت لهم مقاعد الكرامات : في جنة الخلد في مَقعَدِ صدِقٍ عِندَ مَليكٍ مُقتدرٍ 54 : 55 .

[ 34 ]

و حمد مقامهم [ 1 ] ، يتنسّمون بدعائه روح التّجاوز [ 2 ] رهائن فاقة إلى فضله ، و أسارى ذلّة لعظمته [ 3 ] ،

جرح طول الأسى قلوبهم و طول البكاء عيونهم [ 4 ] ، لكلّ باب رغبة إلى اللَّه منهم يد

[ 1 ] في مقام أطلع اللَّه عليهم فرضي سعيهم . . . : عملهم .

و حمد مقامهم : عبوديتهم .

[ 2 ] يتنسمون بدعائه روح التجاوز : تنسم الريح : تشممها و شعر بالسرور . و الروح : نسيم الريح . و تجاوز عنه : لم يؤاخذه بذنبه .

[ 3 ] رهائن فاقة الى فضله . . . : رهن عند فلان الشي‏ء : حبسه عنده بدين . و الفاقة : الفقر . وصفهم بالرهائن التي في يد الراهن لأنهم في قبضته ، و ملك تصرفه . و أسارى ذلّة لعظمته :

و كذلك هم بمنزلة الأسارى ينتظرون منه الفرج .

[ 4 ] جرح طول الأسى قلوبهم : الأسى : الحزن . و المراد : أن شدة حزنهم جرحت قلوبهم . و طول البكاء عيونهم : قال الإمام الصادق عليه السلام : بكى أبو ذر رحمه اللَّه من خشية اللَّه عز و جل حتى إشتكى بصره ، فقيل له : يا أبا ذر لو دعوت اللَّه أن يشفي بصرك . فقال : أني عنه لمشغول ، و ما هو من أكبر همّي . قالوا : و ما يشغلك عنه ؟ قال : العظيمتان : الجنة و النار .

[ 35 ]

قارعة ، يسألون من لا تضيق لديه المنادح ، و لا يخيب عليه الرّاغبون [ 1 ] ، فحاسب نفسك لنفسك ، فإنّ غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك [ 2 ] .

[ 1 ] لكل باب . . . : لكل طاعة . و قرع الباب : طرقه .

و المراد : توجّهوا الى اللَّه تعالى بكل ما أمكنهم من الطاعات و العبادات . يسألون من لا تضيق لديه المنادح : الندح :

الكثرة و السعة . و المراد : وصف كرمه جل جلاله ، و أنه لا ينقصه الجود و العطاء . و لا يخيب عليه الراغبون : هو عند رجاء من رجاه ، و أمل من أمّله .

[ 2 ] فحاسب نفسك . . . : على كل صغيرة و كبيرة ، مستزيدا لها من الخير ، مستغفرا لها من الشر . لنفسك : إكراما لها ،

و حفظا لها من العقاب و الهوان : فإن غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك : محاسب إنَّ إلَيْنَا إيَابَهُمْ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ 88 : 26 . و المراد : إشتغل بالإهتمام بنفسك و العمل لما ينجيها .

[ 36 ]