( 219 ) و من كلام له عليه السلام قاله عند تلاوته يَا أيها الإِنسان ما غرك بربك الكريم [ 1 ]

أدحض مسؤول حجّة ، و أقطع مغترّ معذرة [ 2 ] ، لقد أبرح جهالة بنفسه [ 3 ] .

يا أيّها الإنسان ، ما جرّأك على ذنبك ، و ما

[ 1 ] ما غَرّكَ بربّك الكريم : أيّ شي‏ء غرّك بخالقك و خدعك ، و سوّل لك الباطل حتى عصيته و خالفته .

[ 2 ] أدحض مسؤول حجة . . . : حجّته داحضة ، أي باطلة .

و أقطع مغتر معذرة : أقطع فلان : إنقطعت حجته فلم يجب . و المراد : ليس له مبرر في معصية فَيوَمئذٍ لاَ يَنَفَعُ الذَّينَ ظَلَمُوا مَعذِرَتُهُم وَ لاَ هُم يُستَعتَبُونَ 30 : 57 .

[ 3 ] لقد أبرح جهالة : بالغ في جهالتها و أعجبه ذلك .

[ 37 ]

غرّك بربّك ، و ما آنسك بهلكة نفسك [ 1 ] ؟ أما من دائك بلول ، أم ليس من نومك يقظة [ 2 ] ؟ أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك [ 3 ] ؟ فربّما ترى الضّاحي من حرّ الشّمس فتظلّه ، أو ترى المبتلي بألم يمضّ جسده فتبكي رحمة له ، فما صبّرك على دائك ، و جلّدك بمصابك ، و عزّاك عن البكاء

[ 1 ] و ما آنسك بهلكة نفسك : ما السبب الذي جعلك مأنوسا بما يؤدي بك الى الهلاك الأبدي .

[ 2 ] أما من دائك بلول . . . : بلّ من مرضه : برأ و صحّ .

و المراد : أ لم يأت الزمن الذي تشفى فيه من أمراضك الدينية ؟ . أم ليس من نومتك يقظة : أ لم يأن لك ان تنتبه من غفلتك .

[ 3 ] أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك : أنت تتألم للآخرين عند ما تصيبهم نكبة ، أو تحل بهم قارعة ، فلما ذا لا ترحم نفسك ، و مصيرها ان بقيت على غفلتك النار ، قرين حجر و ضجيع شيطان .

[ 38 ]

على نفسك [ 1 ] و هي أعزّ الأنفس عليك ؟ و كيف لا يوقظك خوف بيات نقمة و قد تورّطت بمعاصيه مدارج سطواته [ 2 ] ، فتداو من داء الفترة في قلبك

[ 1 ] فربما ترى الضاحي لحر الشمس فتظله . . . : الضاحي :

الذي أصابه حرّ الشمس . و المراد : كيف ترحم من أذته الشمس بأشعتها ، و لم ترحم نفسك من نار سجّرها جبارها لغضبه ؟ أو ترى المبتلى بألم يمض جسده فتبكي رحمة .

له : أنت تبكي لمبتلى عن قريب يزول عنه ما به بالشفاء أو الموت ، و تنسى نفسك و مصيرك مع الغفلة النار .

فما صبرك على دائك : مرضك . و جلدك على مصابك : أي تصّبرك و اظهارك التجلد ، في موضع لا يستحسن فيه ذلك ،

بل المطلوب فيه التغيير . و عزاك عن البكاء على نفسك :

سلاّك .

[ 2 ] و كيف لا يوقظك خوف بيات نقمة . . . : بيّت القوم :

بغتهم ، فاوقع بهم ليلا أَفَأَمِنَ اَهلُ القُرى اَن يَأتِيَهُمْ بَاسُنَا بَيَاتاً وَ هُم نَائِمونَ 7 : 97 . و قد تورطت بمعاصيه مدارج سطواته : الورطة : كل أمر تعسر النجاة منه . و مدارج سطواته : مجاري بطشه . و المراد : قد تعرضت لغضبه و سخطه .

[ 39 ]

بعزيمة ، و من كرى [ 1 ] الغفلة في ناظرك بيقظة و كن للَّه مطيعا ، و بذكره آنسا ، و تمثّل في حال تولّيك عنه إقباله عليك : يدعوك إلى عفوه ،

و يتغمّدك بفضله ، و أنت متولّ عنه [ 2 ] إلى غيره ،

فتعالى من قويّ ما أكرمه ، و تواضعت من ضعيف ما أجرأك على معصيته ، و أنت في كنف ستره

[ 1 ] فتداو من داء الفترة في قلبك بعزيمة : فتر عن العمل : قصر فيه . و عزم عزيمة : جدّ . و المراد : إنتقل من التسامح و الكسل الى الجد و المثابرة . و من كرى الغفلة في ناظرك بيقظة : الكرى : النوم . و المراد : تنبّه من غفلتك ، و سارع الى ما يسعدك .

[ 2 ] و تمثل في حال توليك عنه إقباله عليك . . . : تصوّر حالك و أنت تتقلب في المعاصي عطفه و أحسانه عليك ، و نعمه التي لا تكاد تحصى . يدعوك الى عفوه : فاتحا لك باب التوبة .

و يتغمّدك بفضله : يستر عليك موبقاتك . و أنت متول عنه :

معرض .

[ 40 ]

مقيم [ 1 ] ، و في سعة فضله متقلّب ، فلم يمنعك فضله ، و لم يهتك عنك ستره [ 2 ] بل لم تخل من لطفه مطرف عين في نعمة يحدثها لك ، أو سيّئة يسترها عليك ، أو بليّة يصرفها عنك [ 3 ] فما

[ 1 ] فتعالى من قوي ما أكرمه . . . : تعالى : تنزّه عما لا يليق بشأنه . و المراد : هو مع قوته و قدرته يصفح عن عباده تفضلا و تكرّما . و تواضعت من ضعيف ما أجرأك على معصيته :

و أنت على ما فيك من ضعف حتى ان أضعف المخلوقات كالبقّة و شبهها تؤلمك و تؤذيك ، تقدم على معصية جبار السماوات و الأرض ، غير خائف من بطشه و عذابه . و أنت في كنف ستره مقيم : الكنف : جانب الشي‏ء ، و كنف اللَّه :

رحمته و ستره و عفوه .

[ 2 ] فلم يمنعك فضله . . . : لم يقطع عنك رزقه . و لم يهتك عنك ستره : المرخى عليك .

[ 3 ] بل لم تخل من لطفه مطرف عين . . . : قدر أطباق أحد الجفنين على الآخر . و المراد : أن عنايته و لطفه غير منقطعة عنك . في نعمة يحدثها لك : لم تزل نعمه تتابع عليك . أو سيئة يسترها عليك : لو علم بها أقرب الناس إليك لهتك سترك و فضحك . أو بلية يصرفها عنك : يردّها ، و قد تتذكر بعض ذلك .

[ 41 ]

ظنّك به لو أطعته [ 1 ] ، و ايم اللَّه لو أنّ هذه الصّفة كانت في متّفقين في القوّة ، متوازنين في القدرة ،

لكنت أوّل حاكم على نفسك بذميم الأخلاق [ 2 ] ،

و مساوى‏ء الأعمال . و حقّا أقول ما الدّنيا غرّتك و لكن بها اعتررت [ 3 ] ، و لقد كاشفتك العظات ،

[ 1 ] فما ظنك به لو أطعته : هذه النعم تتوالى عليك مع بعدك عنه و معصيتك له ، فكيف لو أطعته ؟ إذا لسوّغك جنة عرضها السماوات و الأرض أعدت للمتقين .

[ 2 ] و أيم اللَّه . . . : قسم . لو أن هذه الصفة كانت في متفقين في القوّة : لو كان هذا الذي ذكرته من الإحسان الإلهي ،

و هذا الإعراض منك ، بين شخصين متماثلين في المنزلة ،

متشابهين في الإمكانية . متوازيين في القدرة : متساويين في المقدرة . لكنت أوّل حاكم على نفسك بذميم الأخلاق :

و إنّك قد بلغت الغاية في ترديها ، لإعراضك عمن هو مقبل عليك ، و جفائك من هو محسن إليك .

[ 3 ] و حقا أقول ما الدنيا غرّتك . . . : لم تكن هي السبب في غرورك ، بل كان باماكنك تسخيرها لتحصيل آخرتك كما فعل غيرك . و لكن بها إغتررت : بها إنخدعت .

[ 42 ]

و آذنتك على سواء [ 1 ] ، و لهي بما تعدك من نزول البلاء [ 2 ] بجسمك ، و النّقص في قوّتك ، أصدق و أوفى من أن تكذبك ، أو تغرّك ، و لربّ ناصح لها عندك متّهم ، و صادق من خبرها مكذّب [ 3 ] ،

[ 1 ] و لقد كاشفتك العظات . . . : ظهرت لك الأحوال و التقلبات التي تكفيك عبرة و إتعاظا . و آذنتك : أعلمتك . و على سواء : على عدل و المراد : لم تخف عنك مساويها و عيوبها و تقلباتها و زوالها .

[ 2 ] ولهي بما تعدك من نزول البلاء . . الخ : ان نكباتها و تقلباتها لأجدر و أولى بأن تلاحظ و ترتقب ، كما أن بروقها و بهرجتها لأولى بالتكذيب و الأعراض لإنقطاعها و زوالها .

[ 3 ] و لربّ ناصح لها عندك متهم . . . : هي العبر و الأحداث المدلّة على تغيّرها و تبدلها ، و زوال نعيمها ، فتتغاضى عنه و تتغافل . صادق من خبرها : المنبى‏ء عن حقائقها و غيرها و عبرها . مكذّب : لا تلتفت إليه . و المراد بالأتهام و التكذيب : أنك تجري الموضوع مجرى الخبر المكذوب في عدم الإلتفات اليه ، و الإستعداد ، و الحذر منه .

[ 43 ]

و لئن تعرّفتها في الدّيار الخاوية ، و الرّبوع الخالية ، لتجدنّها من حسن تذكيرك ، و بلاغ موعظتك ، بمحلّة الشّفيق عليك ، و الشّحيح بك [ 1 ] و لنعم دار من لم يرض بها دارا ، و محلّ من لم يوطّنها محلاّ [ 2 ] و إنّ السّعداء بالدّنيا غدا هم

[ 1 ] و لئن تعرّفتها في الديار الخاوية . . . : الساقطة . و الربوع :

المنازل . و الخالية : من أهلها . لتجدنها من حسن تذكيرك :

أن هذه الديار الخاوية ، و الربوع الخالية ، هي أحسن مذكّر لك . و بلاغ موعظتك : و أبلغ و أعظ تنتفع بموعظته . بمحلة الشفيق عليك : إذا أنت لاحظت هذه المنازل ، و تأملت في هذه العبر التي أرتك ، وجدتها بمثابة العطوف عليك ،

المحب لك . و الشحيح بك : البخيل . و المراد : تبخل بك في أن يصيبك منها ما يؤول بك الى الخسران و الهلاك .

[ 2 ] و لنعم دار من لم يرض بها دارا . . . : هي أحسن دار لمن لم يرضها ، و لم يلتفت الى زخارفها . و محل من لم يوطنها محلا : و هي أفضل محل و منزل لمن لم يجعلها وطنه ،

و محل إستقراره و أمله .

[ 44 ]

الهاربون منها اليوم [ 1 ] .

إذا رجفت الرّاجفة ، و حقّت بجلائلها القيامة ، و لحق بكلّ منسك أهله و بكلّ معبود عبدته ، و بكلّ مطاع أهل طاعته [ 2 ] ، فلم يجز في عدله و قسطه يومئذ خرق بصر في الهواء ، و لا

[ 1 ] و أن السعداء بالدنيا غدا . . . : في يوم القيامة . هم الهاربون منها اليوم : المتباعدون عنها ، الزاهدون فيها .

و المراد : أن هؤلاء هم الذين نالوا السعادة العظمى ،

و حصّلوا الدنيا أكبر محصول ، أذ جعلوها مستغلا و محصلا للآخرة .

[ 2 ] إذا رجفت الراجفة . . . : صيحة عظيمة فيها تردد و إضطراب . و المراد بها : النفخة الأولى التي يموت فيها الخلائق يَومَ ترجُفُ الرَّاجِفَةُ 79 : 6 . و حقّت :

وقعت . و جلائلها : عظائمها . و المراد : تحقق الموعود منها . و المنسك : محل العبادة . و بكل معبود : من الأصنام و غيرها . عبدته : من كان يعبده و يعظمه . و بكل مطاع : من أئمة الضلال . أهل طاعته : من كان يطيعه و يتولاه .

[ 45 ]

همس [ 1 ] قدم في الأرض إلاّ بحقّه . فكم حجّة يوم ذاك داحضة ، و علائق عذر منقطعة [ 2 ] ، فتحرّ من أمرك ما يقوم به عذرك [ 3 ] ، و تثبت به

[ 1 ] فلم يجز في عدله و قسطه يومئذ خرق بصر في الهواء . . . :

لمحة النظر . و لا همس قدم في الأرض : الهمس : الصوت الخفي . و المراد : أن جميع حركات الإنسان صغيرها و كبيرها مسؤول و محاسب عليها ، و مجازى عنها أن خيرا فخيرا ، و إن شرّا فشرّا فَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ .

وَ مَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرّةٍ شرّاً يَرَهُ 99 : 8 .

[ 2 ] فكم من حجة . . . : دليل و برهان . داحضة : باطلة .

و المراد : ليس عندهم مقبول حجّة يستدفعون بها ما هم فيه ،

بل لزمتهم الحجّة قُل فِلِلَّه الحُجَّةُ البَالغَةُ 6 : 149 .

و علائق عذر منقطعة : ذهب ما كان يعتذرون به في الدنيا عن أعمالهم السيئة فَيوَمئَذٍ لاَ تَنفَعُ الَّذينَ ظَلَموُا مَعذِرتُهُم وَ لاَ هُم يُستعتَبوُنَ 30 : 57 .

[ 3 ] فتحّر من أمرك ما يقوم به عذرك . . . : ما تقبل به معذرتك .

و المراد : لزوم النهج الذي أمر به . و تثبت به حجتك :

و تصح به حجتك .

[ 46 ]

حجّتك [ 1 ] ، و خذ ما يبقى لك ممّا لا تبقى له ،

و تيسّر لسفرك ، و شم برق النّجاة ، و ارحل مطايا التّشمير [ 2 ] .