( 220 ) و من كلام له عليه السلام

و اللَّه لأن أبيت على حسك السّعدان مسهّدا ،

و أجرّ في الأغلال مصفّدا أحبّ إليّ من أن ألقى اللَّه و رسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد ، و غاصبا

[ 1 ] و خذ ما يبقى لك . . . : من الأعمال الصالحة . مما لا تبقى له : من الدنيا .

[ 2 ] و تيسر لسفرك . . . : تهيّأ لسفر الآخرة ، و أعد ما يصلحك فيه . و شم برق النجاة . شم البرق : لمحه . و المراد :

أنظر الطريق الذي ينجيك فاسلكه . و ارحل مطايا التشمير :

الرحل : ما يوضع على ظهر البعير و المطيّة الدواب : ما يمتطى . و شمّر : خفف و أنهض . و المراد : المبادرة و الإسراع لسلوك طريق النجاة .

[ 47 ]

لشي‏ء من الحطام [ 1 ] ، و كيف أظلم أحدا لنفس يسرع إلى البلى قفولها و يطول في الثّرى حلولها [ 2 ] ؟

[ 1 ] و اللَّه لأن أبيت على حسك السعدان مسهدا . . . : الحسك :

الشوك . و السعدان : نبت شوكي ترعاه الأبل . و سهد : أرق و لم يستطع النوم . و أجر في الأغلال مصفدا : في وثاق الأغلال و القيود . أحب إليّ من أن القى اللَّه و رسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد : أن ما أصفه من المبيت على الشوك ، أو سحب القيود و الأغلال أحب اليّ من الظلم و التعدّي على الآخرين ، لأن عذاب الدنيا يزول ، و عذاب الآخرة دائم . و المراد بالحطام : متاع الدنيا .

[ 2 ] و كيف أظلم أحدا لنفس يسرع الى البلى قفولها . . . :

البلى : الفناء . و قفولها : رجوعها . و المراد : مصيرها و ما جمعته الى الزوال . و يطول في الثرى حلولها : الثرى :

الأرض ، و المراد به القبر .

[ 48 ]

و اللَّه لقد رأيت عقيلا [ 1 ] و قد أملق [ 2 ] حتّى استماحني من برّكم صاعا [ 3 ] ، و رأيت صبيانه شعث الشّعور ، غبر الألوان [ 4 ] من فقرهم ، كأنّما سوّدت وجوههم بالعظلم [ 5 ] ، و عاودني مؤكّدا و كرّر عليّ القول مردّدا ، فأصغيت إليه سمعي فظنّ أنّي أبيعه ديني ، و أتّبع قياده مفارقا

[ 1 ] عقيلا : أخو الإمام عليه السلام لامه و أبيه ، و أكبر منه عشرين عاما ، و فيه يقول الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله : إني لأحبه حبين : حبّا له ، و حبّا لحب أبي طالب له .

[ 2 ] أملق : إفتقر أشدّ الفقر .

[ 3 ] إستماحني . . . : طلب مني أن أمنحه و أعطيه . بركم :

قمحكم . صاعا : مكيال تكال به الحبوب ، و يقرب وزنه من 4 كيلو غرام .

[ 4 ] صبيانه . . . : أولاده . شعث الشعور : شعث الشعر : أغبّر و تلبّد . غبر الألوان : صار لونهم كلون الغبار .

[ 5 ] العظلم : نبت يصبغ به .

[ 49 ]

طريقتي [ 1 ] ، فأحميت له حديدة ، ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر بها ، فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها و كاد أن يحترق من ميسمها [ 2 ] . فقلت له :

ثكلتك الثّواكل [ 3 ] يا عقيل ، أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، و تجرّني إلى نار سجرها جبّارها لغضبه ؟ أتئنّ من الأذى و لا أئنّ من لظى [ 4 ] ؟ و أعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها و معجونة شنئتها ، كأنّما عجنت بريق

[ 1 ] أتبع قياده . . . : أنقاد له . مفارقا طريقي : في قسمة بيت المال بالتساوي على المسلمين .

[ 2 ] ضجّ ضجيجا : جلّب و صاح من مشقة أو جزع و نحوهما .

و ذي دنف : ذي سقم . و كاد أن يحترق من ميسمها : من أثرها .

[ 3 ] ثكلتك الثواكل : ثكل الولد : فقده . و المراد : الدعاء عليه بالموت .

[ 4 ] لظى : جهنم كَلاّ اِنّهَا لَظى . نَزَّاعَةً للشَّوى 70 : 16 .

[ 50 ]

حيّة أو قيئها [ 1 ] ، فقلت : أصلة ، أم زكاة ، أم صدقة ؟ ؟ ؟ فذلك محرّم علينا أهل البيت ، فقال :

لا ذا و لا ذاك ، و لكنّها هديّة ، فقلت : هبلتك الهبول [ 2 ] ، أعن دين اللَّه أتيتني لتخدعني ؟

أ مختبط ، أم ذو جنّة ، أم تهجر [ 3 ] ؟ و اللَّه لو أعطيت الأقاليم السّبعة [ 4 ] بما تحت أفلاكها على أن

[ 1 ] الطارق . . . : الآتي ليلا . و ملفوفة : مغطاة . و الوعاء :

ظرف يوضع فيه الشي‏ء . و معجونة : بالزيت و غيره . و المراد بذلك : حلواء جاء بها إليه الأشعث بن قيس الكندي و قد تأنق في صنعها . شنئتها : أبغضتها . كأنما عجنت بريق حيّة أو قيئها : يصف تقززه و إشمئزازه منها .

[ 2 ] هبلتك الهبول : ثكلتك الثكول . و المراد : دعاء عليه بالموت .

[ 3 ] مختبط . . . : صريع بعلّة . و ذو جنّة : مجنون . و تهجر :

تهذي .

[ 4 ] الأقاليم السبعة : أقسام الأرض ، كما يعبّر اليوم عنها بالقارات .

[ 51 ]

أعصي اللَّه في نملة أسلبها جلب شعيرة [ 1 ] ما فعلت ، و إنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها [ 2 ] ما لعليّ و لنعيم يفنى ، و لذّة لا تبقى . نعوذ باللَّه من سبات العقل ، و قبح الزّلل [ 3 ] ، و به نستعين .