( 222 ) و من خطبة له عليه السلام

دار بالبلاء محفوفة ، و بالغدر معروفة [ 1 ] ، لا تدوم أحوالها ، و لا تسلم نزّالها [ 2 ] ، أحوال

[ 1 ] دار بالبلاء محفوفة . . . : حفاف الشي‏ء : ما إستدار حوله ، و أحدق به . و المراد : أنها محاطة بالبلاء ، لا يسلم من نكباتها أحد . و بالغدر معروفة : الغدر : ترك الوفاء ،

و نقض العهد . و المراد : بيان تقلباتها و تغيراتها ، و عدم ثباتها على حال ، فالغنى يعقبه الفقر ، و الصحة يخلفها المرض ،

و هكذا .

[ 2 ] لا تدوم أحوالها . . . : على نهج واحد . و لا تسلم نزالها :

أهلها . و المراد : لا يسلمون من الآفات و النكبات .

[ 54 ]

مختلفة ، و تارات متصرّفة [ 1 ] ، العيش فيها مذموم و الأمان منها معدوم [ 2 ] ، و إنّما أهلها فيها أغراض مستهدفة ، ترميهم بسهامها ، و تفنيهم بحمامها [ 3 ] .

و اعلموا ، عباد اللَّه ، أنّكم و ما أنتم فيه من

[ 1 ] احوال مختلفة . . . : من شدّة و رخاء ، و خوف و أمن ، و شقاء و سعادة الخ . و تارات متصرفة : التارة : المدة و الحين .

و متصرفة : متنقلة .

[ 2 ] العيش فيها مذموم . . . : لتكدره بالغصص ، و امتزاجه بالآلام و النكبات . و الأمان فيها معدوم : و اليوم و نحن في أوج العلم و الحضارة ، و الدول الكبرى في تسابق عسكري مهول مدمّر ،

فضلا عن الحروب بين الدول الصغرى ، و التطاحن الحزبي في كل بلد ، الى مخاوف كثيرة .

[ 3 ] و انما أهلها فيها أغراض مستهدفة . . . : الغرض : الهدف الذي يرمى إليه . شبّه أهل الدنيا بالغرض المنصوب الذي يرميه الرماة . ترميهم بسهامها : بمصائبها و نكباتها . و تفنيهم بحمامها : بالموت .

[ 55 ]

هذه الدّنيا على سبيل من قد مضى قبلكم [ 1 ] ،

ممّن كان أطول منكم أعمارا ، و أعمر ديارا ،

و أبعد آثارا [ 2 ] ، أصبحت أصواتهم هامدة ،

و رياحهم راكدة ، و أجسادهم بالية ، و ديارهم خالية ، و آثارهم عافية [ 3 ] ، فاستبدلوا بالقصور ،

المشيّدة ، و النّمارق الممهّدة الصّخور و الأحجار المسنّدة ، و القبور اللاّطئة الملحدة [ 4 ] ، الّتي قد

[ 1 ] على سبيل من قد مضى قبلكم : من فراق الدنيا ، فهم السابقون ، و أنتم اللاحقون .

[ 2 ] أبعد آثارا : ان آثارهم و مخلفاتهم كالاهرام و غيرها لا تقدرون على مثلها .

[ 3 ] اصبحت أصواتهم هامدة . . . : همد الرجل : مات .

و رياحهم راكدة : ساكنة ، هادئة . و المراد : ذهاب دولتهم ،

و اندثار أمرهم . و آثارهم عافية : مندرسة .

[ 4 ] النمارق الممهدة . . . : النمارق جمع نمرقة : الوسادة الصغيرة يتكأ عليها . و مهّد الفراش : وطأه و سهله .

و الاحجار المسنّدة : المستند بعضها الى بعض . و القبور اللاطئة الملحدة : اللاطئة : الملتصقة بالارض . و اللحد :

الشق الذي في القبر يوضع فيه الميت .

[ 56 ]

بني بالخراب فناؤها [ 1 ] ، و شيد بالتّراب بناؤها ،

فمحلّها مقترب [ 2 ] ، و ساكنها مغترب ، بين أهل محلّة موحشين ، و أهل فراغ متشاغلين [ 3 ] ، لا يستأنسون بالأوطان ، و لا يتواصلون تواصل

[ 1 ] التي قد بني بالخراب . . . : على الخراب . و فناء الدار :

ساحتها . و المراد : سرعة خرابها و خراب ما فيها من الاجساد .

[ 2 ] فمحلها . . . : موقعها . و مقترب : من الأحياء السكنية .

و ساكنها مغترب : عنهم . و المراد : انه و ان جاور الأحياء إلاّ انه يعيش في غربة .

[ 3 ] بين أهل محلة موحشين . . . : أوحش المكان :

صار قفرا ، و خلا من الناس . و المراد : استيحاش الأحياء منهم . و أهل فراغ : قد تركوا أعمالهم و أشغالهم .

متشاغلين : بأنفسهم و ما دهاهم .

[ 57 ]

الجيران [ 1 ] ، على ما بينهم من قرب الجوار ، و دنوّ الدّار ، و كيف يكون بينهم تزاور و قد طحنهم بكلكله البلى ، و أكلتهم الجنادل و الثّرى [ 2 ] ؟ و كأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه [ 3 ] ، و ارتهنكم ذلك المضجع ، و ضمّكم ذلك المستودع [ 4 ] ، فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور ، و بعثرت القبور [ 5 ] ؟

[ 1 ] لا يستأنسون بالاوطان . . . : غير مسرورين بأوطانهم . و لا يتواصلون تواصل الجيران : فهم رغم تجاورهم ، و دنوّ بعضهم من بعض لا تزاور بينهم كما يفعل أهل الدنيا .

[ 2 ] قد طحنهم بكلكله البلى . . . : الكلكل : صدر البعير .

و البلى : الفناء . و المراد : ان البلى جثم بثقله عليهم جثوم البعير بصدره على الشي‏ء اليابس فيطحنه . و أكلتهم الجنادل : الحجر . و الثرى : التراب .

[ 3 ] و كأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه : ليس بينكم و بين ما هم فيه إلاّ الموت .

[ 4 ] و ارتهنكم ذلك المضجع . . . : الرهن : حبس الشي‏ء بحق ليستوفى منه عند تعذّر الوفاء . و المضجع : القبر . و المراد :

بقاؤهم فيه حتى المحشر . و ضمكم ذلك المستودع :

ضغطكم القبر .

[ 5 ] فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور . . . : وصلت منتهاها و غايتها و هي القيامة . و بعثرت القبور : بعث الموتى و نشروا و أخرجوا .

[ 58 ]

هُنَالكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ ، وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ . [ 1 ]