( 226 ) و من خطبة له عليه السلام

فإنّ تقوى اللَّه مفتاح سداد ، و ذخيرة معاد ،

و عتق من كلّ ملكة ، و نجاة من كلّ هلكة [ 1 ] ، بها

[ 1 ] فإن تقوى اللَّه . . . : هي العمل بطاعته ، و الإنتهاء عن معصيته . مفتاح سداد : السداد : الصواب . و المراد : ان تقوى اللَّه تعالى مفتاح الباب المؤدي لكل صواب و إستقامة .

و ذخيرة معاد : هي خير ما يدخر لشدائد القيامة و مواقفها المذهلة . و عتق من كل ملكة : عتق العبد : خرج من الرق . و المراد : بالتقوى يتخلص المؤمن من جميع الملكات التي تباعده عن خط السماء ، كما يتخلص العبد من ذل العبودية ، و نجاة من كل هلكة : دنيوية كانت أو أخروية .

[ 66 ]

ينجح الطّالب ، و ينجو الهارب [ 1 ] ، و تنال الرّغائب ، فاعملوا و العمل يرفع ، و التوبة تنفع ،

و الدّعاء يسمع ، و الحال هادئة ، و الأقلام جارية [ 2 ] ، و بادروا بالأعمال عمرا ناكسا ، أو

[ 1 ] بها ينجح الطالب . . . : لرضاء اللّه تعالى ، و يفوز بالسعادة الكبرى : و ينجو الهارب : من سخط اللّه و عذابه . و تنال الرغائب : تدرك الأماني ، و تحصل السعادة التي ليس بعدها شقاء

[ 2 ] فاعملوا و العمل يرفع . . . : يقبل ، و يثاب صاحبه عليه الَيهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَّيّبُ وَ العَمَلُ الصَّالِحُ يَرفَعُهُ 35 :

10 . و التوبة تقبل : بشروطها : من الندم على ما فات ،

و الأصرار على عدم العودة ، و إداء حقوق الناس . و الدعاء يسمع : قال الإمام الباقر عليه السلام : و اللّه لا يلح عبد مؤمن على اللّه في حاجة إلاّ قضاها له . و المطلوب من المسلم المبادرة بالدعاء ، و التوسل الى اللّه تعالى . و الحال هادئة : بعيدة عن شدائد القيامة و أهوالها . و الأقلام جارية :

تسجّل في صحف الأعمال ، و بالموت تجف ، و ينتهي كل شي‏ء .

[ 67 ]

مرضا حابسا ، أو موتا خالسا [ 1 ] ، فإنّ الموت هادم لذّاتكم ، و مكدّر شهواتكم ، و مباعد طيّاتكم [ 2 ] زائر غير محبوب ، و قرن غير مغلوب ، و واتر غير مطلوب [ 3 ] ، قد أعلقتكم حبائله ، و تكنّفتكم غوائله ، و أقصدتكم معابله ، و عظمت فيكم

[ 1 ] و بادروا بالأعمال . . . : سارعوا بها . عمرا ناكسا :

الشيخوخة ، و العجز عن القيام بالمطلوب وَ مَن نُعَمِّرهُ نُنكّسهُ في الخَلقِ أ فَلاَ يَعقِلُونَ 36 : 68 . و مرضا حابسا : مانعا من مزاولة أعمال البر . أو موتا خالسا :

خلس الشي‏ء خلسا : إستلبه في نهزة و مخاتلة . و المراد به موت الفجأة .

[ 2 ] مباعد طياتكم جمع طيّة : منزل السفر . و المراد ، إنكم قادمون على سفر بعيد ، لا رجعة بعده .

[ 3 ] قرن غير مغلوب . . . : القرن للإنسان مثله في الشجاعة و العلم ، و غير ذلك . و المراد : ان الموت غالب الشجعان و الأبطال . و واتر غير مطلوب : وتر فلانا : قتل حميمه . و المراد : لا يمكن الإقتصاص منه .

[ 68 ]

سطوته ، و تتابعت عليكم عدوته و قلّت عنكم نبوته [ 1 ] ، فيوشك أن تغشاكم دواجي ظلله ،

و احتدام علله ، و حنادس غمراته ، و غواشي سكراته ، و أليم إزهاقه ، و دجوّ إطباقه ، و جشوبة مذاقه [ 2 ] ، فكأن قد أتاكم بغتة ، فأسكت

[ 1 ] قد أعلقتكم حبائله . . . : علق الشي‏ء به : نشب فيه و إستمسك به . و حبائله : مصائده . و تكنفتكم غوائله :

أحاطتكم دواهيه . و أقصدتكم معابله جمع معبل : نصل حديدة الرمح و السيف و السكين . و عظمت فيكم سطوته :

بطشه و قهره . و تتابعت عليكم عدوته : ظلمه . و قلت عنكم نبوته : نبا السهم عن الغرض : جاوزه . و المراد :

سهامه لا تخطى‏ء .

[ 2 ] فيوشك ان تغشاكم دواجي ظلمه . . . : غشى الأمر فلانا غطّاه و حواه . و الدجى : سواد الليل و ظلمته . و ظلله جمع ظلّة : السحاب . و المراد : أنتم معرّضون للأمراض التي هي مقدمات الموت . و إحتدام علله : إحتدمت النار :

إشتدت . و حنادس غمراته : الحندس : الظلمة و غمرات جمع غمرة : الشدّة . و غواشي سكراته : هي سكرات الموت التي يفقد فيها الوعي . و اليم إزهاقه :

خروج الروح . و المراد : ما يعانيه المحتضر من آلام .

و دجو أطباقه : تكاثف ظلمه . و المراد : كثرة شدائده .

و جشوبة مذاقه : جشب الرجل : غلظ مأكله و خشن .

و المراد : مرارة الموت .

[ 69 ]

نحيّكم ، و فرّق نديّكم ، و عفّى آثاركم ، و عطّل دياركم ،

و بعث ورّاثكم يقتسمون تراثكم [ 1 ] ، بين حميم خاصّ لم ينفع ، و قريب محزون لم يمنع ، و آخر شامت لم يجزع ، فعليكم بالجدّ و الاجتهاد ، و التّأهّب و الاستعداد ، و التّزوّد في منزل الزّاد [ 2 ] ، و لا

[ 1 ] فأسكت نجيكم : النجوى : اسرار الحديث . و القوم المتناجون و المراد : أذهلكم عن الكلام . و فرّق نديكم : أفترقتم عن ناديكم ) ( محل إجتماعكم ) و عفى آثاركم : زالت و انمحت . و عطّل دياركم : خلت من ساكنيها . و بعث وراثكم يقتسمون تراثكم : حضر الورثة لقسمة الميراث .

[ 2 ] فعليكم بالجد و الإجتهاد . . . : لعمل الخير . و التأهب و الإستعداد : للموت و ما بعده . و التزوّد في منزل الزاد :

تهيئة ما يلزمكم من الزاد لسفركم الطويل وَ تَزَوَّدوا فَانَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوى وَ اتَّقُونِ يا أُولي الألبابِ 2 : 197 .

[ 70 ]

تغرّنّكم الحياة الدّنيا [ 1 ] كما غرّت من كان قبلكم من الأمم الماضية ، و القرون الخالية ، الّذين احتلبوا درّتها ، و أصابوا غرّتها ، و أفنوا عدّتها ،

و أخلقوا جدّتها [ 2 ] ، أصبحت مساكنهم أجداثا [ 3 ] ، و أموالهم ميراثا ، لا يعرفون من أتاهم ، و لا يحفلون من بكاهم ، و لا يجيبون من دعاهم [ 4 ] ، فاحذروا الدّنيا ، فإنّها غدّارة غرّارة

[ 1 ] و لا تغرنكم الدنيا : و لا تخدعكم

[ 2 ] إحتلبوا درتها . . . : الدر : اللبن . و المراد : أصابوا منافعها . و أصابوا غرتها : على حين غفلة منها . و المراد :

سلموا من محنها و مصائبها . و أفنوا عدتها : ما تعدد من غذاء و متاع . و أخلقوا جدتها : أخلق الثوب : بلى . و المراد :

أفنوا ما فيها من جديد من لباس و فراش و غير ذلك .

[ 3 ] أصبحت مساكنهم أجداثا : قبورا .

[ 4 ] لا يحفلون من بكاهم . . . : لا يبالون بمن بكى عليهم . و لا يجيبون من دعاهم : لتعطل حواسهم ، و ربما يكون المراد :

إنشغالهم بأنفسهم و ما هم فيه من بلاء و عناء .

[ 71 ]

خدوع ، معطية منوع ، ملبسة نزوع [ 1 ] ، لا يدوم رخاؤها ، و لا ينقضي عناؤها ، و لا يركد بلاؤها [ 2 ] .