( 22 ) و من كتاب له عليه السلام إلى عبد اللَّه بن العباس [ 1 ] رحمه اللَّه

و كان ابن عباس يقول : ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول اللَّه كانتفاعي بهذا الكلام .

أمّا بعد ، فإنّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن

[ 1 ] ابن عبد المطلب ، ابن عم الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله ،

و ترجمان القرآن ، و حبر الامّة ، و جامع العلوم . روي عنه من تفسير القرآن الكريم أكثر مما روي عن غيره من الصحابة ، و له تفسير مطبوع متداول ، و كان يجلس في مسجد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله ، و يجتمع عليه طلاّب العلوم ، فحلقة للتفسير ،

و أخرى للحديث ، و ثالثة لأيام العرب و اشعارها ، و كان عمر بن الخطاب يرجع اليه فيما يشكل عليه من الفقه ، و يقول له غص يا غوّاص ، أي استخرج لنا جواب المسألة كما يستخرج الغوّاص اللئالى‏ء من البحر اذا عرفت ذلك علمت أهمية هذا الكلام الذي وصفه بأنه لم ينتفع بكلام بعد كلام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله كانتفاعه بهذا الكلام ، فهو على وجازته يجعلك مطمئنا إلى أن يأتيك ما قدّر لك من الرزق ، و ان ما زوي عنك فهو غير مقدّر لك ، و لو اجتمع أهل الدنيا معك على أن يأتوك به لم يستطيعوا ،

كما يعلمك بأن يكون اهتمامك للآخرة ، و العمل لها ، لان اللَّه جلّ جلاله لم يتعهد لك بنعيمها إلاّ بالعمل الصالح .

[ 56 ]

ليفوته ، و يسوءه فوت ما لم يكن ليدركه [ 1 ] ، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك ، و ليكن أسفك على

[ 1 ] فان المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته . . . : فهو يفرح بأمر مقدّر له في علم اللَّه تعالى ، و هو يصله و لو لم يطلبه ، و نحن رأينا اناسا حصلوا على ثروات طائلة بدون سعي و لا جهد ، و من طريق لم يحلم به ابدا . و يسوءه فوت ما لم يكن ليدركه : انه يأسف و يحزن و يتألم على شي‏ء لم يقدّر له . و المراد : لا داعي للفرح بأمر هو حاصل حتما ، و لا معنى للحزن على أمر لم يكن ليحصل و لو اجتمع له الانس و الجن .

[ 57 ]

ما فاتك منها [ 1 ] ، و ما نلت من دنياك فلا تكثر به

[ 1 ] فليكن سرورك بما نلت من آخرتك . . . :

أنك تفرح إذا وفقت لأداء فريضة ، أو عمل مستحب تتقرّب به الى اللَّه سبحانه ، لأن ذلك مدخرا لك ، ينفعك في يوم لا ينفع فيه مال و لا بنون ، و يكون سببا لنجاتك من النار .

و ليكن أسفك على ما فاتك منها : يفوتك الحج و قد كان بإمكانك الذهاب فتأسف لذلك ، و تفوتك العمرة ، و زيارة الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله و الأئمة عليهم السلام فتأسف لذلك ، و تفوتك أعمال البر الأخرى و كان يمكنك الأتيان بها فتأسف لذلك .

و هنا أمر يجب الانتباه له : أن الأسف على ترك أعمال الخير لا يجدي نفعا ، فالواجب على الإنسان المبادرة لعمل الخير ،

فمن حديث له صلى اللَّه عليه و آله مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : يا علي بادر بأربع قبل أربع : شبابك قبل هرمك ، و صحتك قبل سقمك ، و غناك قبل فقرك ، و حياتك قبل موتك .

و يقول الإمام الباقر عليه السلام : « من همّ بشي‏ء من الخير فليعجله ، فإن كل شي‏ء فيه تأخير فان للشيطان فيه نظرة » .

و المراد : بادر بالعمل الصالح فما يدريك أنك ستتمكن منه في فرصة أخرى ، فقد يعوقك عائق فيكثر تأسفك على إضاعة الفرصة .

[ 58 ]

فرحا ، و ما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا [ 1 ] ،

[ 1 ] و ما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحا . . . : ينبغي للعبد كما مرّ أن يفرح بالعمل الصالح لا بالدنيا ، أ لم تسمع كلام المؤمنين الذين وعظوا قارون و نصحوه بأن لا يفرح و لا يختال : إذ قَالَ لَهُ قَومُهُ لاَ تَفَرح إنَّ اللَّه لاَ يُحبُّ الفَرِحينَ .

و أبتَغِ فَيما آتاكَ اللَّه الدَّارَ الأخِرة 28 : 77 و مضافا لما في جمع الأموال من مخاطر أخروية يندر أن يسلم منها الإنسان ،

كذلك فيه مخاطر دنيوية أيضا سلم منها الفقراء ،

فالحكومة تنظر اليه و قد تستولي على أمواله ، كما رأينا الكثير من ذلك ، و اللصوص يترقبون غفلته للسرق و قد يقتلوه ،

و حتى أهله فدائما يترقبون موته ، و ربما قتله بعضهم كما حصل ذلك و هو أن سلم من ذلك كله فهو لا شك في يوم من الأيام يتركه و يذهب . و ما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا : لا تحزن على ما يفوتك من أمور الدنيا ، و تيّقن أن اللَّه سبحانه فوّته عليك لمصلحتك الخاصة ، لعلمه سبحانه بما يصلح به عباده .

[ 59 ]

و ليكن همّك فيما بعد الموت [ 1 ] .