( 25 ) و من وصية له عليه السلام .

كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات [ 1 ]

و إنما ذكرنا هنا جملا منها ليعلم بها أنه كان يقيم عماد الحق ، و يشرع أمثلة العدل [ 2 ] : في صغير الأمور و كبيرها ، و دقيقها و جليلها [ 3 ] .

[ 1 ] يستعمله على الصدقات : جباية واردات الدولة .

[ 2 ] يقيم عماد الحق . . . : العماد : خشبة تقام عليها الخيمة .

و المراد : يرفع لواء الحق ، و ينهج نهجه ، و يدعو الى العمل به . و يشرع أمثلة العدل : يشيد صروح العدالة الاجتماعية .

[ 3 ] دقيقها . . . : الأمر الغامض . و جليلها : عظيمها .

[ 67 ]

انطلق على تقوى اللَّه وحده لا شريك له ، و لا تروّعنّ مسلما و لا تجتازنّ عليه كارها ، و لا تأخذنّ منه أكثر من حقّ اللَّه في ماله [ 1 ] ، فإذا قدمت على الحيّ فانزل بمائهم ، من غير أن تخالط أبياتهم [ 2 ] ،

ثمّ امض إليهم بالسّكينة و الوقار حتّى تقوم بينهم

[ 1 ] أنطلق . . . : أذهب . على تقوى اللَّه : لتكن في ذهابك و جبايتك ملازما للتقوى ، عاملا بما أمرك به ربّك ، منتهيا عما نهاك عنه . و لا تروعن مسلما : لا تفزعن و لا ترعبن مسلما . و لا تجتازن عليه كارها : و لا تسلك و تمرّ عليه و هو كاره لمرورك . و لا تأخذن منه أكثر من حق اللَّه في ماله : لا تتجاوز النصاب الذي فرضه اللَّه سبحانه .

[ 2 ] فأنزل بمائهم . . . : الذي يستقون منه . من غير أن تخالط أبياتهم : كأن نزوله في نفس الحي يعتبر من سوء الأدب ،

و قد يستوجب إدخال رعب عليهم ، و إطلاع على بعض أحوالهم التي لا يرغبون بالإطلاع عليها من فقر أو غنى أو غير ذلك .

[ 68 ]

فتسلّم عليهم ، و لا تخدج بالتّحيّة لهم [ 1 ] ثمّ تقول :

عباد اللَّه ، أرسلني إليكم وليّ اللَّه و خليفته لآخذ منكم حقّ اللَّه في أموالكم [ 2 ] ، فهل للَّه في أموالكم من حقّ فتؤدّوه إلى وليّه ؟ فإن قال قائل : لا فلا تراجعه و إن أنعم لك منعم [ 3 ] فانطلق معه من غير أن تخيفه و توعده ، أو تعسفه ، أو ترهقه [ 4 ] فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضّة ، فإن كان له ماشية أو

[ 1 ] أمضي اليهم بالسكينة . . . : الرزانة و الوقار . و لا تخدج بالتحية لهم : تنقصها . و المراد : لا تسلّم عليهم سلام المتكبرين .

[ 2 ] أرسلني اليكم ولي اللَّه . . . : القائم بأمره . و خليفته :

الحاكم بأمره يَا داوُدُ إنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فيِ الأرض 38 :

26 . لآخذ منكم حق اللَّه في أموالكم : من زكاة و غيرها .

[ 3 ] فإن قال قائل لا فلا تراجعه . . . : فلا تعاوده في الكلام . و أن أنعم لك منعم : قال : نعم ، عندي زكاة .

[ 4 ] توعده . . . : تهدده . أو تعسفه : أخذه بالعنف و القوّة و ظلمه . أو ترهقه : تحمله على ما لا يطيق .

[ 69 ]

إبل فلا تدخلها إلاّ بإذنه ، فإنّ أكثرها له [ 1 ] ، فإذا أتيتها فلا تدخل عليها دخول متسلّط عليه و لا عنيف به ، و لا تنفّرنّ بهيمة و لا تفز عنّها ، و لا تسوءنّ صاحبها فيها [ 2 ] و اصدع المال صدعين ثمّ خيّره [ 3 ] : فإذا اختار فلا تعرّضنّ لما اختاره . فلا تزال كذلك حتّى يبقى ما فيه وفاء لحقّ اللَّه في ماله ،

فاقبض حقّ اللَّه منه ، فإن استقالك فأقله [ 4 ] ، ثمّ اخلطهما ، ثمّ اصنع مثل الّذي صنعت أوّلا حتّى تأخذ حقّ اللَّه في ماله . و لا تأخذنّ عودا و لا

[ 1 ] فأن أكثرها له . . . : فهو أولى بالتصرف بها .

[ 2 ] و لا تنفرن بهيمة : تفزعها .

و لا تسوءن صاحبها فيها : تفعل ما يكرهه .

[ 3 ] و أصدع المال صدعين : أقسمه قسمين . و المراد : تتدرج بالتقسيم حتى يبقى النصاب الشرعي فتأخذه .

[ 4 ] فان استقالك . . . : طلب منك أن تقيله . فأقله : وافقه على نقض القسمة .

[ 70 ]

هرمة ، و لا مكسورة ، و لا مهلوسة ، و لا ذات عوار [ 1 ] ، و لا تأمننّ عليها إلاّ من تثق بدينه رافقا بمال المسلمين حتّى يوصّله إلى وليّهم فيقسمه بينهم ، و لا توكّل بها إلاّ ناصحا شفيقا و أمينا حفيظا ، غير معنّف و لا مجحف و لا ملغب [ 2 ] و لا متعب ، ثمّ احدر إلينا ما اجتمع عندك [ 3 ] ، نصيّره حيث أمر اللَّه ، فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة و بين فصيلها و لا يمصّر لبنها فيضرّ ذلك بولدها و لا يجهدنّها ركوبا ، و ليعدل بين

[ 1 ] و لا تأخذن عودا . . . : المسن من الأبل . و لا هرمة : كبيرة ضعيفة . و لا مهلوسة : ضعيفة . و لا ذات عوار : ذات عيب . و الظاهر ان عدم أخذ المذكورات في الزكاة لكونها معرّضة للتلف ، فيحصل التفريط بأموال الفقراء .

[ 2 ] غير معنف . . . : هو الأخذ بشدّة و قسوة . و لا مجحف :

بتكليف ما لا يطاق . و لا ملغب : منصب للدابة و متعبها .

[ 3 ] ثم أحدر إلينا ما إجتمع عندك : أرسله إلينا .

[ 71 ]

صواحباتها [ 1 ] في ذلك و بينها ، و ليرفّه على اللاّغب ،

و ليستأن بالنّقب و الظّالع ، و ليوردها ما تمرّ به من الغدر و لا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جوادّ الطّرق ، و ليروّحها في السّاعات ، و ليمهلها عند النّطاف [ 2 ] و الأعشاب ، حتّى تأتينا ، بإذن اللَّه ،

[ 1 ] أوعز إليه . . . : أ أمره . ألا يحول بين ناقة و فصيلها :

الفصيل : ولد الناقة . و المراد : لا يمنعه من الرضاع . و لا يمصر لبنها : لا يكثر من أخذ لبنها . فيضر ذلك بوليدها : لم يبق له ما يتغذى به . و لا يجهدنها ركوبا : و لا يتعبها بالركوب . و ليعدل بين صواحباتها : يتناوب عليهن في الركوب .

[ 2 ] و ليرفّه على اللاغب . . . : التعب المعيي . و ليستأن بالنقب : المتخرّق خفّه . و الضالع : من به عرج و غمز في مشيه . و ليوردها : يمهلها تشرب من المياه التي تمر بها . و لا يعدل : و لا يميل . و جواد جمع جادة : وسط الطريق و معظمه الذي يجمع الطرق و المراد : لا تسر بها في الطرق المعبّدة تتوخى راحتك متباعدا بها عن الكلإ و العشب . و ليروحها في الساعات :

اراح الابل و غيرها : ردّها الى المراح . و النطاف : المياه القليلة .

[ 72 ]

بدنا منقيات [ 1 ] ، غير متعبات و لا مجهودات لنقسمها على كتاب اللَّه و سنّة نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله ، فإنّ ذلك أعظم لأجرك ، و أقرب لرشدك [ 2 ] ، إن شاء اللَّه .