( 26 ) و من عهد له عليه السلام إلى بعض عماله ، و قد بعثه على الصدقة

آمره بتقوى اللَّه في سرائر أمره و خفيّات عمله ، حيث لا شاهد غيره ، و لا وكيل دونه [ 3 ] .

[ 1 ] بدنا منقيات : البدن : السمان . و منقيات : ذوات نقى و هو المخ في العظم و الشحم في العين من السمن .

[ 2 ] رشدك : صلاحك و اصابتك الحق .

[ 3 ] امره بتقوى اللَّه في سرائر أمره . . . : جمع سريرة : ما يكتمه المرء في نفسه . و خفيات عمله : ما استتر منها . حيث لا شهيد غيره :

يشهدها و يعلمها . و المراد : التزم بتقوى اللَّه في اعمالك الخفية التي لا يعلم بها غيره . و لا وكيل دونه : الوكيل : الذي يسعى في عمل غيره ، و ينوب عنه فيه . و المراد : انك لا تحتجب عنه بوكيل و شبهه .

[ 73 ]

و آمره أن لا يعمل بشي‏ء من طاعة اللَّه فيما ظهر فيخالف إلى غيره فيما أسرّ [ 1 ] و من لم يختلف سرّه و علانيته ، و فعله و مقالته ، فقد أدّى الأمانة ،

و أخلص العبادة [ 2 ] .

و آمره أن لا يجبههم و لا يعضههم ، و لا يرغب

[ 1 ] و آمره ان لا يعمل بشي‏ء من طاعة اللَّه فيما ظهر ، فيخالف الى غيره فيما أسرّ : المفروض بالمسلم أن يكون باطنه أفضل من ظاهره ،

و خفيّات أعماله خير من ظواهرها .

[ 2 ] و من لم يختلف بسرّه و علانيته . . . : تتساوى سريرته و علانيته .

و فعله و مقالته : مطابقة القول للعمل . فقد أدى الامانة : فمن كانت هذه صفاته فهو خليق بأداء الامانة . و اخلص العبادة :

و كانت عبادته خالصة من الرياء و العجب و غير ذلك مما يدنّس العمل و يبطله .

[ 74 ]

عنهم تفضّلا بالامارة عليهم ، فإنّهم الإخوان في الدّين ، و الأعوان على استخراج الحقوق [ 1 ] .

و إنّ لك في هذه الصّدقة نصيبا مفروضا ،

و حقّا معلوما ، و شركاء أهل مسكنة ، و ضعفاء ذوي فاقة [ 2 ] ، و إنّا موفّوك حقّك [ 3 ] فوفّهم حقوقهم

[ 1 ] ان لا يجبههم . . . : لا يزجرهم . و لا يعظهم : و لا يرميهم بالبهتان و الكذب . و لا يرغب عنهم تفضلا بالامارة عليهم : لا يزهد فيهم ، أو يتكبّر عليهم . فانهم الاخوان في الدين : وجب لهم حقّ الاخوّة الذي أكده الاسلام . و الأعوان على استخراج الحقوق : هم الطرف القوي الذي بيده الأمر ، فيجب عليه مراعاتهم و م ( سايرتهم ، و ان لا ينفرهم .

[ 2 ] و ان لك في هذه الصدقة نصيبا مفروضا . . . : هو السهم الذي أشارت إليه الآية : إنَّمَا الصَّدَقَاتُ للفُقَراءِ وَ المَسَاكِينِ وَ العَامِلِين عَلَيهَا وَ المؤَلَّفَةِ قُلُبُهُم وَ فِي الرّقَابِ وَ الغَارِمِينَ وَ فِي سبِيلِ اللَّهِ وَ ابنِ السَّبيل فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّه عَلِيمٌ حَكِيمُ 9 : 60 . و شركاء أهل مسكنة : فقر و ضعف . و ضعفاء ذوي فاقة : فقراء محتاجين .

[ 3 ] و أنا موفوك حقّك : معطيك حقّك وافيا تامّا

[ 75 ]

و إلاّ فإنّك من أكثر النّاس خصوما يوم القيامة ،

و بؤسا لمن خصمه عند اللَّه الفقراء ، و المساكين و السّائلون ، و المدفوعون ، و الغارم ، و ابن السّبيل [ 1 ] و من استهان بالأمانة ، و رتع في

[ 1 ] و ألا تفعل فأنك من أكثر الناس خصوما يوم القيامة . . . :

الخصم : الشديد الخصومة و المراد : أن خيانة أموال الفقراء تكثر خصماء الإنسان في يوم القيامة و بؤسا : بئس الرجل يبأس : إشتدّت حاجته . و المراد بذلك في الآخرة .

لمن خصمه عند اللَّه الفقراء و المساكين . . . : و هم الذين أسوأ حالا من الفقراء . و السائلون : العبيد الذين كاتبوا أسيادهم و يتعذّر عليهم الأداء ، و هم الذين عبّرت عنه الآية و في الرقاب و المدفوعون : هم فقراء الغزاة أو الحجّاج المنقطع بهم . و المدفوعون : هم الفقراء ، لأن الكل يكرهونهم و يدفعونهم عنهم ، و الغارم : المدين في غير معصية و يعجز من تسديد ديونه . و ابن السبيل : هو المسافر الذي لا يجد ما ينفقه في سفره و ان كان غنيّا في بلده .

[ 76 ]

الخيانة [ 1 ] ، و لم ينزّه نفسه و دينه عنها ، فقد أحلّ بنفسه في الدّنيا الذّلّ و الخزى [ 2 ] و هو في الآخرة أذلّ و أخزى ، و إنّ أعظم الخيانة خيانة الأمّة ، و أفظع الغشّ غشّ الأئمّة [ 3 ] ، و السّلام .

[ 1 ] و من إستهان بالأمانة . . . : استخف بها . و رتع في الخيانة :

رتعت الماشية : رعت كيف شاءت .

[ 2 ] الخزي : الذل و الهوان .

[ 3 ] و إن أعظم الخيانة خيانة الأمة ، و أعظم الغش غش الأئمة : لما كانت خيانة المسلم باليسير قبيحة ، و جالبة للأنسان سخط اللَّه تعالى ، فأن خيانة الأمّة أقبح ، و سخط اللَّه تعالى عليه أعظم ، كما أن غش أدنى الناس مستوجب للعقاب ، فغش إمام المسلمين و قائدهم أعظم جرما ، و أكثر عقابا .

[ 77 ]