( 27 ) و من عهد له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر ، رضي اللَّه عنه حين قلده مصر [ 1 ]

فاخفض لهم جناحك ، و ألن لهم جانبك ،

و ابسط لهم وجهك ، و آس بينهم في اللّحظة و النّظرة [ 2 ] ، حتّى لا يطمع العظماء في حيفك

[ 1 ] ابن أبي قحافة . . . : كان متحققا في ولاء أمير المؤمنين عليه السلام ، و من أعظم جنوده و أنصاره ، و فيه يقول الإمام عليه السلام : محمد إبني لكن من صلب أبي بكر . شهد معه الجمل ، و أرسله الإمام عليه السلام بعد الواقعة يتفقد عائشة خوفا من أن يكون أصابها شي‏ء من السهام . قلّده الأمر :

فوّضه إليه .

[ 2 ] فاخفض لهم جناحك . . . : بالغ في التواضع و الخضوع لهم . و ألن لهم جانبك : لاينه : لاطفه . و جنب الإنسان :

ما تحت أبطه الى الكشح ، و يقال : فلان ليّن الجانب : أي سهل القرب . و المراد : الأمر بالتواضع و ترك الزهو و الإستعلاء على الرعيّة . و آس بينهم في اللحظة و النظرة :

أجعلهم أسوة من دون تفضيل بعضهم على بعض حتى في الأمور البسيطة .

[ 78 ]

لهم ، و لا ييأس الضّعفاء من عدلك عليهم [ 1 ] ،

فإنّ اللَّه تعالى يسائلكم معشر عباده [ 2 ] عن الصّغيرة

[ 1 ] حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم . . . : حاف عليه حيفا : جار و ظلم . و الأب فضّل بعض أولاده على بعض في العطاء . و المراد : أنك إذا آسيت بينهم في اللحظة و النظرة سوف لا يستغلك الوجوه فيظلموا بك الطبقة الفقيرة ؟ و لا ييأس الفقراء من عدلك بهم : لأن بإنشغالك بالعظماء تخيّب آمال الفقراء فيك ، و تجعلهم آيسين من أن يدركوا بك حقا ،

أو يحققوا مكسبا .

[ 2 ] فإن اللَّه سبحانه يسائلكم معشر عباده . . الخ : أن اللَّه يحصي على عباده جميع أعمالهم فيحاسبهم عليها ، و يجزيهم على الإحسان إحسانا ، و بالسيئات هوانا وَ مَا تكُون فيِ شَأنٍ وَ مَا تَتلُو مِنه من قُرآنٍ وَ لاَ تَعَملُون مِن عَمَلٍ إلاّ كُنَا عَلَيكُم شُهُوداً إذ تُفِيضُون فيِه وَ مَا يَعزُبُ عَن ربَّكَ مِن مِثقَالِ ذرَّةٍ فيِ الأرضِ وَ لاَ فيِ السَّمَاءِ وَ لاَ أصغَرَ مِن ذَلِك وَ لاَ أكبَرَ إلاّ فيِ كَتابٍ مُبِينٍ 10 : 61 .

[ 79 ]

من أعمالكم و الكبيرة ، و الظّاهرة و المستورة : فإن يعذّب فأنتم أظلم ، و إن يعف فهو أكرم .

و اعلموا ، عباد اللَّه ، أنّ المتّقين ذهبوا بعاجل الدّنيا و آجل الآخرة ، فشاركوا أهل الدّنيا في دنياهم ، و لم يشاركهم أهل الدّنيا في آخرتهم [ 1 ] : سكنوا الدّنيا بأفضل ما سكنت ،

و أكلوها بأفضل ما أكلت [ 2 ] ، فحظوا من الدّنيا بما

[ 1 ] إن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا . . . : حصّلوا فيها ما قسم لهم منها . و آجل الآخرة : و أيضا حصلوا على الآخرة .

فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم : لم تنقصهم التقوى شيئا منها . و لم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم : بل هي مقفلة لهم ، و نعيمها مخصوص بهم .

[ 2 ] و أكلوها بأفضل ما أكلت : تنعموا بها أكثر مما تنعم بها الآخرون ، من مأكل و مشرب و ملبس ، و غير ذلك ، لأن الجبابرة و المتكبرين كان شبح الجريمة يخيفهم ، و لقمة الفقير التي سرقوها تنغّص عيشهم .

[ 80 ]

حظي به المترفون [ 1 ] و أخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبّرون ، ثمّ انقلبوا عنها بالزّاد المبلّغ ، و المتجر الرّابح : أصابوا لذّة زهد الدّنيا في دنياهم ، و تيقّنوا أنّهم جيران اللَّه غدا في آخرتهم [ 2 ] ، لا تردّ لهم دعوة ، و لا ينقص لهم نصيب من لذّة [ 3 ] ، فاحذروا عباد اللَّه الموت

[ 1 ] فحظوا من الدنيا بما حظى به المترفون . . الخ : من الإلتذاذ بها ، و التمتع بخيراتها . ثم إنقلبوا عنها بالزاد المبلغ : إنصرفوا عنها متزودين بما يوصلهم الجنة و نعيمها .

و المتجر الرابح : بالتجارة الرابحة .

[ 2 ] أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم . . . : و هي أعظم من اللذات التي يبتهج بها أهل الدنيا . و المراد : فمضافا الى مشاركتهم أهل الدنيا في دنياهم ، و حصولهم على الآخرة ،

تنعموا بلذة الزهد . و تيقنوا أنهم جيران اللَّه في آخرتهم :

جاوروا أنبياءه و أولياءه .

[ 3 ] لا ترد لهم دعوة . . . : دعاؤهم مستجاب . و لا ينقص لهم نصيب من لذة : مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتيِ وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجرِي مِن تَحتَها الأنهَارُ اُكُلُها دَائمُ و ظلُّها تِلكَ عُقبىَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَ عُقبَى الكَافِرين النَّار 13 : 35 .

[ 81 ]

و قربه ، و أعدّوا له عدّته ، فإنّه يأتي بأمر عظيم ،

و خطب جليل [ 1 ] : بخير لا يكون معه شرّ أبدا ،

أو شرّ لا يكون معه خير أبدا [ 2 ] فمن أقرب إلى الجنّة من عاملها ، و من أقرب إلى النّار من عاملها [ 3 ] ؟ و أنتم طرداء الموت : إن أقمتم له

[ 1 ] فاحذروا عباد اللَّه الموت و قربه . . . : تيقظوا و استعدوا له .

و أعدوا له عدته : من الأعمال الصالحة . فأنه يأتي بأمر عظيم : فوق ما يتصوّر ، و ما يأتي بعده أعظم منه . و خطب جليل : يعظم وصفه .

[ 2 ] بخير لا يكون بعده شرّ أبدا . . . : الجنة و نعيمها . و شر لا يكون معه خير أبدا : النار و أصفادها .

[ 3 ] فمن أقرب الى الجنة من عاملها . . . : هي قريبة جدا من أهل الإيمان و العمل الصالح ، و ليس بينهم و بينها سوى الموت . و من أقرب الى النار من عاملها : و هي أيضا قريبة جدا من أهل الفسوق و العصيان فليس بينهم و بينها سوى الموت .

[ 82 ]

أخذكم ، و إن فررتم منه أدرككم ، و هو ألزم لكم من ظلّكم [ 1 ] الموت معقود بنواصيكم و الدّنيا تطوى من خلفكم [ 2 ] ، فاحذروا نارا قعرها بعيد ،

و حرّها شديد ، و عذابها جديد [ 3 ] : دار ليس

[ 1 ] و أنتم طرداء الموت . . . : الطريدة : ما طردته من صيد و غيره . و المراد : أن الموت يسعى نحوكم . إن أقمتم له أخذكم ، و إن فررتم منه أدرككم : لا مهرب منه و لا منجى و لا معتصم . و هو ألزم لكم من ظلكم : الظل : الفي‏ء الحاجز بينك و بين الشمس . و المراد : إن ملازمة الموت لكم أشد من ملازمة ظلكم لكم .

[ 2 ] الموت معقود بنواصيكم . . . : مشدود بالشعر الذي في مقدّم رأسكم . و المراد : ملازم لكم ، لا ينفك عنكم . و الدنيا تطوى من خلفكم : تقطعونها شيئا فشيئا ، تشبيها بالبساط الذي يلف و يطوى .

[ 3 ] فاحذروا نارا . . . : أخوفكم منها . قعرها : منتهى عمقها .

و حرّها شديد : و يكفي تصوّرا لشدّتها إن الخلاق القادر أعدّها لمن غضب عليهم و عذابها جديد : يتجدد عليهم آنا بعد آن كُلَّما نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلنَاهُم جُلُوداً غَيرهَا 4 :

56 .

[ 83 ]

فيها رحمة ، و لا تسمع فيها دعوة ، و لا تفرّج فيها كربة [ 1 ] ، و إن استطعتم أن يشتدّ خوفكم من اللَّه ،

و أن يحسن ظنّكم به ، فاجمعوا بينهما ، فإنّ العبد إنّما يكون حسن ظنّه بربّه على قدر خوفه من ربّه ، و إنّ أحسن النّاس ظنّا باللَّه أشدّهم خوفا للَّه [ 2 ] .

[ 1 ] دار ليس فيها رحمة . . . : لانها أعدت للأشقياء . و لا تسمع فيها دعوة : رَبَّنا أخرِجنَا مِنهَا فَانَ عُدنا فإنَّا ظَالِمونَ .

قَالَ اخْسَئوا فِيها وَ لاَ تُكَلِّمُونِ 23 : 108 . و لا تفرج فيها كربة : لاَ يُفَتَّرُ عَنهُم و هُم فِيهِ مُبلِسُون 43 : 75 .

[ 2 ] و إن استطعتم أن يشتد خوفكم من اللَّه و أن يحسن ظنكم به فاجمعوا بينهما . . . : أمرنا الأئمة عليهم السلام أن نجمع بين الخوف و الرجاء على حد سواء ، و إلى هذا المعنى يشير لقمان الحكيم بوصيته لولده : يا بني خف اللَّه خوفا لو أتيت يوم القيامة ببر الثقلين أن يعذّبك ، و أرج اللَّه رجاء لو وافيت يوم القيامة بذنوب الثقلين رجوت أن يغفر لك فقال له إبنه :

يا أبه و كيف أطيق هذا و إنما لي قلب واحد ؟

فقال : يا بني لو إستخرج قلب المؤمن فشقّ لوجد فيه نوران : نور للخوف ، و نور للرجاء لو وزنا ما رجح أحدهما على الآخر مثقال ذرة . و إن أحسن الناس ظنا باللَّه أشدهم خوفا للَّه : إن حسن الظن باللَّه تعالى يستدعي الخوف و الحذر و ملازمة العمل الصالح ، و إن ما يدعيه الجاهلون من حسن الظن مع ترك الواجب ، و عمل المحرّم ، هو من دعاوى الشيطان و وساوسه .

[ 84 ]

و اعلم ، يا محمّد بن أبي بكر ، أنّي قد ولّيتك أعظم أجنادي في نفسي : أهل مصر ،

فأنت محقوق أن تخالف على نفسك ، و أن تنافح عن دينك ، و لو لم يكن لك إلاّ ساعة من الدّهر [ 1 ] ، و لا تسخط اللَّه برضا أحد من خلقه ،

[ 1 ] فأنت محقوق أن تخالف على نفسك . . . : أنت خليق و جدير بمخالفة نفسك ، و تكبح جماحها . و أن تنافح عن دينك : تدافع عنه . و لو لم يكن إلاّ ساعة من الدهر : لو لم يبق لك من العمر إلاّ ساعة واحدة لزمك أن تقضيها في ذلك ، لتكون لك مدّخرة عند اللَّه تعالى .

[ 85 ]

فإنّ في اللَّه خلفا من غيره ، و ليس من اللَّه خلف في غيره [ 1 ] .

صلّ الصّلاة لوقتها المؤقّت لها ، و لا تعجّل وقتها لفراغ ، و لا تؤخّرها عن وقتها لاشتغال [ 2 ] ،

و اعلم أنّ كلّ شي‏ء من عملك تبع لصلاتك [ 3 ] .

[ 1 ] و لا تسخط اللَّه برضا أحد من خلقه . . . : الحذر من عمل يكسبك رضاء الناس ، و تستوجب به غضب اللَّه تعالى ، و هو أعظم ما نعانيه اليوم ، فطالما ركض المسلم خلف الطغاة مصانعا لهم ، علما منه بما يستوجبه من مقت اللَّه تعالى و غضبه . فإن من اللَّه خلفا : عوضا و بدلا . و المراد : به تستغني عن عباده ، و به تستكفي من خلقه . و ليس من اللَّه خلف في غيره : فليس أحد مهما عظمت منزلته يمكنك أن تستكفي و تستغني به عن اللَّه تعالى ، فهب أنه كفاك أمر الدنيا فمن يكفيك أمر الآخرة .

[ 2 ] و لا تعجل وقتها لفراغ . . . : لأن دخول الوقت شرط في صحة الصلاة ، فلا تصح بتقديمها عليه . و لا تؤخرها عن وقتها لإشتغال : بل هي المقدّمة على جميع الأشغال و الأعمال .

[ 3 ] و إعلم أن كل شي‏ء من عملك تبع لصلاتك : تأكيد للحديث الشريف : ( أن قبلت قبل ما سواها ، و إن ردّت ردّ ما سواها ) .

[ 86 ]

و منه : فإنّه لا سواء : إمام الهدى ، و إمام الرّدى [ 1 ] ، و وليّ النّبيّ ، و عدوّ النّبيّ . و لقد قال لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله : « إنّي لا أخاف على أمّتي مؤمنا و لا مشركا : أمّام المؤمن فيمنعه اللَّه بإيمانه ، و أمّا المشرك فيقمعه [ 2 ] اللَّه بشركه و لكنّي أخاف عليكم كلّ منافق الجنان عالم اللّسان : يقول ما تعرفون ، و يفعل ما تنكرون » [ 3 ] .

[ 1 ] لا سواء إمام الهدى و إمام الردى : السواء : المثل و النظير .

و الهدى : الرشاد . و الردى : الهلاك . و المراد : لا يستوي إمام يقود شعبه إلى الجنة ، و إمام يقود شعبه إلى النار .

[ 2 ] القمع : القهر و الإذلال .

[ 3 ] أخاف عليكم كل منافق الجنان . . . : القلب . عالم اللسان : يعرف كيف يوجّه كلامه ، و يخفي أهدافه و سمومه ،

فهناك يكمن الخطر العظيم ، لأن مثل هذا المنافق يعرف كيف يكيد الأمّة ، و يتلاعب بالشريعة ، مستغفلا المسلمين .

يقول ما تعرفون : من الحق حتى تحسبوه منكم . و يفعل ما تنكرون : لأنه غير متقيّد بتعاليم الإسلام اِنَّ المُنَافِقين يُخَادِعونَ اللَّه وَ هُوَ خَادِعُهُم وَ إذَا قَامُوا إلى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُراءون النَّاسَ وَ لاَ يَذْكُرُونَ اللَّه إلاّ قَليلاً 4 :

142 .

[ 87 ]