( 28 ) و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا

و هو من محاسن الكتب أمّا بعد ، فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء اللّه محمّدا صلى اللّه عليه و آله [ 1 ] لدينه ، و تأييده إيّاه بمن أيّده من أصحابه ، فلقد خبأ لنا [ 2 ] الدّهر

[ 1 ] إصطفاه : إختاره .

[ 2 ] خبّأ . . . : ستر . إذ طفقت تخبرنا ببلاء اللَّه عندنا : طفق يفعل الشي‏ء : جعل ، أو إستمر يفعله . و البلاء : النعمة و الإحسان . و نعمته علينا في نبيّنا : صرت تخبرنا بمواهب اللَّه علينا بالرسول و الرسالة ، و هذا الكلام من معاونه من أعجب العجب ، حتى قال أبن أبي الحديد : موضع التعجب أن معاوية يخبر عليا عليه السلام بإصطفاء اللَّه محمدا و تشريفه له ، و تأييده له ، و هذا ظريف لأنه يجري كأخبار زيد عمرا عن حال عمرو ، إذ كان النبي صلى اللَّه عليه و آله و علي عليه السلام كالشي‏ء الواحد .

[ 88 ]

منك عجبا إذ طفقت تخبرنا ببلاء اللَّه تعالى عندنا ، و نعمته علينا في نبيّنا ، فكنت في ذلك كناقل التّمر إلى هجر أو داعي مسدّده إلى النّضال [ 1 ] ، و زعمت أنّ أفضل النّاس في الإسلام فلان و فلان فذكرت أمرا إن تمّ

[ 1 ] فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر . . . : مدينة باليمن معروفة بكثرة النخيل . أو داعي مسدده : معلّمه . إلى النضال : المراماة ، بينما كان المفروض أن يدعوه معلمه ليرى مدى حذقه و مهارته .

[ 89 ]

اعتزلك كلّه و إن نقص لم يلحقك ثلمه [ 1 ] ، و ما أنت و الفاضل و المفضول ، و السّائس و المسوس ،

و ما للطّلقاء و أبناء الطّلقاء ، و التّمييز بين المهاجرين الأوّلين ، و ترتيب درجاتهم [ 2 ] ،

و تعريف طبقاتهم ؟ هيهات لقد حنّ قدح ليس منها و طفق يحكم فيها من عليه الحكم لها [ 3 ] ، ألا

[ 1 ] إن تمّ إعتز لك كله . . . : لا يلحقك منه شرف ، لأنهما من غير أسرتك . و إن نقص لم تلحقك ثلمته : و إن كان خلاف ذلك لم يصبك عيبهما ، و نقصان فضلهما .

[ 2 ] و ما أنت و الفاضل . . . : صاحب الفضيلة و الدرجة الرفيعة .

و المفصول : الذي هو دونه في الفضل و المنزلة .

و السائس : الرئيس : و المسوس : الرعية . و الطلقاء : هم الذين خلّي عنهم يوم فتح مكّة ، و أطلقوا و لم يسترقّوا ، و أبو سفيان و معاوية من بينهم . و ترتيب درجاتهم : في التفاضل .

[ 3 ] هيهات . . . : إستبعاد لأهليته للخوض في مثل هذا . لقد حنّ قدح ليس منها : مثل يضرب لمن يفتخر بغيره . و طفق يحكم فيها من عليه الحكم لها : صار يحكم من يجب أن يولّى عليه لقصوره عن مرتبة الحكم ، و عدم أهليته .

[ 90 ]

تربع أيّها الإنسان ؟ على ظلعك ، و تعرف قصور ذرعك ، و تتأخّر حيث أخّرك القدر [ 1 ] فما عليك غلبة المغلوب و لا ظفر الظّافر [ 2 ] و إنّك لذهّاب في التّيه ، روّاغ عن القصد [ 3 ] ، ألا ترى غير

[ 1 ] ألا تربع أيها الإنسان . . . : قف و إنتظر . و ضلع البعير :

غمز في مشيه . و المراد : لا تحمل على نفسك ما لا تطيق حمله . و تعرّف قصور ذرعك : الذرع : الطاقة و الوسع .

و المراد : تعرّف قصورك . و تتأخر حيث أخرك القدر : أخّر منزلتك و مرتبتك .

[ 2 ] فما عليك غلبة المغلوب . . . : لا تلحقك هزيمته و تأخره .

و لا لك ظفر الظافر : و لا يشملك مجدهم ، لبعدك عن الإثنين .

[ 3 ] و إنك لذهاب . . . : فعال للتكثير . و تاه في الأرض : ضل و ذهب متحيرا . و راغ : حاد و ذهب يمنة و يسرة في سرعة و خديعة . و قصد الطريق : استقام . و يقال : هو على قصد السبيل : إذا كان راشدا . و المراد : تترك ما يلزمك فعله ،

و تخرج الى الحديث عما لا يعنيك أمره .

[ 91 ]

مخبر لك ، و لكن بنعمة اللَّه أحدث [ 1 ] أنّ قوما استشهدوا في سبيل اللَّه من المهاجرين و الأنصار و لكلّ فضل حتّى إذا استشهد شهيدنا قيل « سيّد الشّهداء » و خصّه رسول اللَّه ،

صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ، بسبعين تكبيرة [ 2 ] عند صلاته عليه ؟ أو لا ترى أنّ قوما قطّعت أيديهم في سبيل اللَّه و لكلّ فضل حتّى إذا فعل بواحدنا ما فعل بواحدهم قيل : « الطّيّار في الجنّة [ 3 ] ، و ذو

[ 1 ] الا ترى غير مخبر لك و لكن بنعمة اللَّه أحدث : اني لا أريد اخبارك لعلمك بالأمر ، و لانك لست من أهل الحديث ،

و لكن هدفي التحدث عن نعمه جلّ جلاله عملا بقوله :

وَ أمَّا بِنِعمَةِ رَبّكَ فحدِّث 93 : 11 .

[ 2 ] شهيدنا . . . : هو حمزة بن عبد المطلب . قيل : سيد الشهداء : القائل هو رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله . و خصّه بسبعين تكبيرة : تكريما له من بين الشهداء .

[ 3 ] بواحدنا . . . : هو جعفر بن ابي طالب ، أخو الإمام عليه السلام لأمه و أبيه : قيل الطيار في الجنة : و القائل أيضا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله .

[ 92 ]

الجناحين » و لو لا ما نهى اللَّه عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكر فضائل جمّة تعرفها قلوب المؤمنين ، و لا تمجّها آذان السّامعين [ 1 ] . فدع عنك من مالت به الرّميّة [ 2 ] فإنّا صنائع ربّنا و النّاس بعد صنائع لنا [ 3 ] ، لم يمنعنا قديم عزّنا و لا عاديّ

[ 1 ] تزكية المرء نفسه . . . : مدحها . و مراد الإمام عليه السلام قوله تعالى : فَلاَ تُزكُّوَا أنفُسَكُم 53 : 33 . لذكر ذاكر فضائل جمّة : كثيرة . تعرفها قلوب المؤمنين : تسلّم بصحتها . و لا تمجّها آذان السامعين : مجّ الماء من فيه :

لفظه . و المراد : لا تنكرها الاسماع .

[ 2 ] فدع عنك من مالت به الرمية : مال الى الدنيا و مالت به .

[ 3 ] فأنا صنائع ربنا . . . : خصنا بعظيم المنزلة ، وسمو المرتبة ،

و اصطفانا بتبليغ الرسالة . و كلامه عليه السلام يشابه قوله تعالى مخاطبا موسى عليه السلام : وَ اصطَنَعتُكَ لِنَفسِي 20 : 41 أي اخترتك لاقامة حجتي ، و جعلتك بيني و بين خلقي . و الناس بعد ضائع لنا : بإحساننا عليهم بتبليغ الرسالة ، و اخراجهم من الضلالة .

[ 93 ]

طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا و أنكحنا فعل الأكفاء ، و لستم هناك و أنّى يكون ذلك كذلك [ 1 ] ، و منّا النّبيّ و منكم المكذّب ؟ و منّا أسد اللَّه ، و منكم أسد الأحلاف ، و منّا سيّدا شباب أهل الجنّة ، و منكم صبية النّار ، و منّا خير نساء العالمين ، و منكم حمّالة الحطب ؟ في كثير ممّا لنا و عليكم [ 2 ] .

[ 1 ] لم يمنعنا قديم عزّنا . . . : و سمو منزلتنا . و لا عادي طولنا :

قديم فضلنا . ان خالطناكم بأنفسنا : الخليط : ما اختلط من صنفين أو أصناف ، و يطلق على الشريك و الصاحب و الزوج و ابن العم . فنكحنا و انكحنا : تزوجنا فيكم و زوجناكم . فعل الإكفاء : المتماثلين في القوّة و الشرف . و لستم هناك :

بالإكفاء . و أنّى يكون ذلك كذلك : و كيف نعتبركم لنا أكفاء ؟

[ 2 ] و منكم المكذّب . . . : هو أبو سفيان والد معاوية . و منا أسد اللَّه : هو حمزة بن عبد المطلب . و منكم أسد الأحلاف :

عتبة بن ربيعة ، جد معاوية لأمه . و المراد بالاحلاف البطون القرشية التي تحالفت على قتال النبي صلى اللَّه عليه و آله يوم بدر ، و كبيرها و عظيمها عتبة . و منا سيدا شباب أهل الجنة :

الحسن و الحسين عليهما السلام ، روى ذلك جل أهل الحديث و السير . و منكم صبية النار : و هم أبناء عقبة بن أبي معيط ، اسر يوم بدر و لما أراد النبي صلى اللَّه عليه و آله ضرب عنقه قال : يا محمد من للصبية ؟ قال : النار . و منّا خيرة نساء العالمين : هي فاطمة بنت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله ،

فقد أجمعت الأمة على ذلك . و منكم حمالة الحطب : أم جميل ، عمّة معاوية ، و هي المعنية بقوله تعالى وَ امرَأتُهُ حَمَّالةَ الحَطَب . في جِيدِهَا حَبلُ مِن مَسَدِ 111 : 5 . في كثير مما لنا و عليكم : الى مناقب لنا كثيرة ، و مساوى‏ء لكم كثيرة .

[ 94 ]

فإسلامنا ما قد سمع و جاهليّتنا لا تدفع ،

و كتاب اللَّه يجمع لنا ما شذّ عنّا و هو قوله :

وَ أُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ و قوله تعالى : إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإبْرَاهِيمَ

[ 95 ]

لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ، وَ اللَّه وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [ 1 ] فنحن مرّة أولى بالقرابة ، و تارة أولى بالطّاعة [ 2 ] . و لمّا احتجّ المهاجرون على

[ 1 ] فإسلامنا ما قد سمع . . . : ففي بيوتنا نزل الوحي ، و نحن الذين دافعنا عنه ، و بذلنا نفوسنا دونه . و جاهليتنا لا تدفع :

لا يمكن لعربي أن ينسى فضلنا و سؤددنا ، و لو لم يكن منها إلاّ حلف الفضول لكفى به فخرا و شرفا . و كتاب اللَّه يجمع لنا ما شذّ عنا و هو قوله : وَ اُولُوا الَأرحام بَعضُهُم أَولَى بِبَعضٍ في كتَابِ اللَّه 8 : 75 و المعنى : و ذوو الأرحام و القرابة بعضهم أحق بميراث بعض من غيرهم في حكم اللَّه . و قوله تعالى : إنّ أولى الناس بإبراهيم 3 : 68 إن أحق الناس بنصرة ابراهيم بالحجّة أو بالمعونة للذين اتبعوه في وقته و زمانه ،

و تولوه بالنصرة على عدوه حتى ظهر أمره ، و علت كلمته و هذا النبي و الذين آمنوا يتولّون نصرته بالحجة لما كان عليه من الحق . أي هم الذين ينبغي لهم أن يقولوا : انا على دين إبراهيم ، و لهم ولايته و اللَّه ولي المؤمنين لأنه يتولى نصرتهم . و مراد الامام عليه السلام من الآية : انه الاولى و الاحق بالخلافة .

[ 2 ] فنحن مرّة أولى بالقرابة . . . : بموجب الآية الاولى . و تارة أولى بالطاعة : بموجب الآية الثانية ، فالامام سلام اللَّه عليه أوّل الناس إسلاما ، و أكثر علما ، و أشدّهم دفاعا عن الرسالة ، فهو أولى و أحق بمنصب الخلافة من غيره .

[ 96 ]

الأنصار يوم السّقيفة برسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ، فلجوا عليهم فإن يكن الفلج به فالحقّ لنا دونكم ، و إن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم [ 1 ]

[ 1 ] و لما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله فلجوا عليهم : ظفروا بما يريدون .

و الامام عليه السلام يشير الى اجتماع الانصار بعد وفاة الرسول صلى اللَّه عليه و آله في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة منهم ، فأتاهم أبو بكر و عمر و ابو عبيدة بن الجراح و قالوا لهم : لا ترضى العرب أن تؤمركم و نبيّها من غيركم ،

و لا تمنع العرب ان تولي أمرها من كانت النبوة فيهم . . فان يكن الفلج به : الظفر . فالحق لنا دونكم : فان كان الاحتجاج صحيحا و مسلما فأنا أحق بالخلافة من أبي بكر ،

لأني ابن عمه و صهره . و ان يكن بغيره : أي بغير القرابة .

فالأنصار على دعواهم : لا يمكن دفعهم عنها ، لانهم حماة الدين ، و المدافعون عنه ، و المراد : ان أبا بكر لا يخلو من احدى اثنتين : إما أن يكون أخذ حقي ، أو أخذ حق الأنصار .

[ 97 ]

و زعمت أنّي لكلّ الخلفاء حسدت ، و على كلّهم بغيت فإن يكن ذلك كذلك فليس الجناية عليك فيكون العذر إليك .

و تلك شكاة ظاهر عنك عارها [ 1 ]

و قلت : إنّي كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتّى أبايع [ 2 ] ، و لعمر اللَّه لقد أردت

[ 1 ] فليست الجناية عليك فيكون العذر إليك . . . :

و هي على تقدير صدقك لم تكن موّجهة اليك حتى يعتذر منها اليك . و تلك شكاة ظاهر عنك عارها : أنت بمعزل عما يلحق منها من عار .

[ 2 ] و قلت : اني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى ابايع : المخشوش : الذي جعل في أنفه خشاش و هو خشبة تدخل في أنفه البعير ليقاد بها .

[ 98 ]

أن تذمّ فمدحت ، و أن تفضح فافتضحت و ما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكّا في دينه ، و لا مرتابا بيقينه [ 1 ] ، و هذه حجّتي إلى غيرك قصدها ، و لكنّي أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها [ 2 ] .

[ 1 ] و ما على المسلم من عضاضة . . . : من عيب . ان يكون مظلوما : مسلوبا حقه . و المراد : لا عيب على المسلم اذا انهدرت كرامته ، و استبيحت حرمته ، بل هي فضيلة له اذا كان الذي ارتكب منه لأجل الإسلام ، و اعلاء كلمة اللَّه سبحانه . ما لم يكن شاكا في دينه : ان العيب الذي يلحقه في الدنيا و الآخرة هو عيب الشك ، و تزلزل العقيدة . و لا مرتابا بيقينه : الارتياب : الشك . و اليقين : العلم الذي لا شك فيه . و المراد : التعريض بمعاوية .

[ 2 ] و هذه حجتي الى غيرك قصدها . . . : الحجة : الدليل و البرهان . و القصد : اتيان الشي‏ء ، يقال : قصدته و قصدت له و قصدت اليه اذا كان راشدا . و المراد : اني اتوجّه و احتج على مظلوميتي على الذين سبق لهم ظلمي ، و غصب حقوقي . و لكني اطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها :

اطلق : بسط . و سنح : عرض . و المراد : ذكرت لك طرفا من مظلوميتي .

[ 99 ]

ثمّ ذكرت ما كان من أمر عثمان ، فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه فأيّنا كان أعدى له ،

و أهدى إلى مقاتله [ 1 ] ، أمن بذل له نصرته فاستقعده و استكفّه ؟ أمّن استنصره فتراخى عنه و بثّ المنون إليه حتّى أتى قدره عليه [ 2 ] كلاّ

[ 1 ] فأينا كان أعدى له . . . : أشد عدوانا . و اهدى الى مقاتله :

الى وجوه قتله .

[ 2 ] أمن بذل له نصرته . . . : و يريد الامام عليه السلام نفسه .

قال ابن ابي الحديد : و اللَّه لقد نصر عثمان نصرا لو كان المحصور جعفر بن ابي طالب لم يبذل له إلا مثله . فاستقعده و استكفّه : طلب منه القعود و الكف عن نصرته . أمن استنصره فتراخى عنه : المراد به معاوية ، فقد كتب إليه عثمان مستصرخا مستنصرا ، و لكنه لم يحرك ساكنا . و بث المنون اليه : بثّ : فرق و نشر . و المنون : الموت . و المراد : ان سلوك معاوية و بقية الولاة ، و سوء سيرتهم ، حفّز أهل الأقطار لمداهمة المدينة و قتله . حتى أتى قدره عليه : يومه المقدّر فيه وفاته .

[ 100 ]

و اللَّه : لَقَدْ عَلِمَ اللَّه الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ الْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنَا وَ لاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إلاَّ قَلِيلاً [ 1 ] .

و ما كنت لأعتذر من أنّي كنت أنقم عليه أحداثا [ 2 ] فإن كان الذّنب إليه إرشادي و هدايتي

[ 1 ] المعوقين . . . : الذين يعوقون غيرهم عن الجهاد مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و يثبطونهم و يشغلونهم لينصرفوا عنه .

و القائلين لأخوانهم : يعني اليهود قالوا لأخوانهم المنافقين .

هلم الينا : تعالوا الينا و دعوا محمدا . و لا يأتون البأس : و لا يحضرون القتال في سبيل اللَّه . إلاّ قليلا : يخرجون رياء و سمعة ما يوهمون أنهم معكم . و مراد الامام عليه السلام :

انك كنت قاعدا عن نصرته ، مثبطا للآخرين و شاغلا لهم عن الدفاع عنه .

[ 2 ] انقم عليه . . . : انكر عليه . احداثا جمع حدث : الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد و لا معروف من السنة .

و المراد : ما كان يكلمه في الأمور التي نقمها عليه المسلمون ، و يطلب منه الرجوع عنها ، و كانت زوجته نائلة بنت الفرافصة تحثه على الأخذ بكلام الامام عليه السلام و ترك مروان بن الحكم .

[ 101 ]

له ، فربّ ملوم لا ذنب له [ 1 ] .

و قد يستفيد الظّنّة المتنصّح

وَ مَا أَرَدْتُ إلاَّ الْإصْلاَحَ مَا استَطَعْتُ وَ مَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَّه عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إلَيْه أُنِيبُ .

و ذكرت أنّه ليس لي و لأصحابي عندك إلاّ السّيف فلقد أضحكت بعد استعبار [ 2 ] متى

[ 1 ] فرب ملوم لا ذنب له . . . : يتوجّه له اللوم و العتاب و لا ذنب له سوى الارشاد ، و تقديم النصائح . و قد يستفيد الظنة :

التهمة . و المتنصح : المبالغ في النصيحة . و المراد : قد تسرع التهمة للناصح الشفيق .

[ 2 ] فقد اضحكت . . . : الناس منك بتهديدك إيّاي ، فمثلي لا يهدد . بعد استعبار : بعد بكاء . و المراد : و ابكيت المؤمنين أيضا لما يرون من تسلطك و أنت طليق ابن طليق .

[ 102 ]

ألفيت بني عبد المطّلب عن الأعداء ناكلين [ 1 ] و بالسّيف مخوّفين

لبّث قليلا يلحق الهيجا حمل

[ 2 ] فسيطلبك من تطلب ، و يقرب منك ما تستبعد [ 3 ] ، و أنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين و الأنصار و التّابعين لهم بإحسان [ 4 ] ،

[ 1 ] نكل عن الأمر : نكص ( رجع الى خلف ) .

[ 2 ] لبث قليلا يلحق الهيجا حمل : هو حمل بن بدر القشيري ،

أغاروا على أبله في الجاهلية فلحقهم مرتجزا :

لبث قليلا يلحق الهيجا حمل
لا بأس بالموت اذا الموت نزل

 

[ 3 ] فسيطلبك من تطلب . . . : سيأتيك من تريده ، لا يكلفك اعباء المسير . و يقرب منك ما تستبعد : من وصوله اليك .

[ 4 ] و أنا مرقل . . . : مسرع . في جحفل : الجيش الكبير . من المهاجرين : هم الذين هاجروا الى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله في المدينة المنورة . و الأنصار : هم مسلمو أهل المدينة من الاوس و الخزرج و غيرهم . قال عبد الرحمن بن ابزى :

شهدنا مع علي رضي اللَّه عنه صفين في ثمانمئة ممن بايع بيعة الرضوان ، قتل منهم ثلاثة و ستون ، منهم عمار بن ياسر . و الذين اتبعوهم بإحسان : في الدخول في الإسلام ،

و اقتفاء آثارهم في الهدى و الصلاح و أعمال الخير .

[ 103 ]

شديد زحامهم ، ساطع قتامهم ، متسربلين سربال الموت أحبّ اللّقاء إليهم لقاء ربّهم [ 1 ] ، قد صحبتهم ذرّيّة بدريّة ، و سيوف هاشميّة [ 2 ] ، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك و خالك و جدّك

[ 1 ] شديد زحامهم . . . : بيان وصف كثرتهم حتى يقع بينهم الزحام . و ساطع : منتشر . و القتام : الغبار الأسود التي تثيره حوافر خيولهم . متسربلين : متقمّصين . سرابيل الموت :

الأكفان . و المراد : وصف حبّهم للجهاد . أحب اللقاء اليهم لقاء ربهم : وصف شوقهم للشهادة .

[ 2 ] قد صحبتهم ذرية : بدرية . . . أولاد من شهد بدرا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله . و سيوف هاشمية : يحملها الهاشميون .

[ 104 ]

و أهلك وَ مَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعيدٍ [ 1 ] .

[ 1 ] قد عرفت مواقع نصالها . . . : النصل : حديدة الرمح و السهم في أخيك : حنظلة . و خالك : الوليد . و جدك :

عتبة ، قتلوا كفارا يوم بدر . و أهلك : و آخرين من بني أمية قتلوا في بدر و غيرها و ما هي من الظالمين ببعيد و ما تلك السيوف منك ببعيدة .

[ 105 ]