( 32 ) و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية

و أرديت جيلا من النّاس كثيرا : خدعتهم بغيّك و ألقيتهم في موج بحرك ، تغشاهم

[ 1 ] أستودع اللَّه دينك و دنياك . . . : أطلب من اللَّه تعالى أن يحفظ لك دينك و دنياك . و أسأله خير القضاء لك في العاجلة : يجزل لك العطاء في الدنيا . و الآجلة : يسعدك في الآخرة .

[ 83 ]

الظّلمات ، و تتلاطم بهم الشّبهات [ 1 ] ، فجازوا عن وجهتهم و نكصوا على أعقابهم ، و تولّوا على أدبارهم ، و عوّلوا على أحسابهم [ 2 ] ، إلاّ من فاء من أهل البصائر فإنّهم فارقوك بعد معرفتك ،

[ 1 ] و ارديت . . . : أهلكت جيلا : أمّة . خدعتهم : أظهرت لهم خلاف ما تخفيه ، و أردت بهم المكروه من حيث لا يعلمون .

بغيك : بضلالك . و القيتهم في موج بحرك ، عرّضتهم للضلال . تغشاهم الظلمات : غشي الليل : أظلم .

و تتلاطم به الشبهات : التطمت الأمواج : ضرب بعضها بعضا . و شبّه عليه الأمر : أبهمه حتى إشتبه بغيره .

و المراد : خدعتهم بمقتل عثمان و أنت تطلب الملك .

[ 2 ] فجازوا عن وجهتهم . . . : جاز الموضع : سار فيه و قطعه . و الوجهة : الجانب و الناحية : و المراد : تركوا طريق الإستقامة و النجاة . و نكصوا : رجعوا . على أعقابهم جمع عقب : مؤخّر القدم . و المراد : رجعوا الى ورائهم و هو الكفر . و تولّوا على أدبارهم : ولّى عنه : أعرض و تركه .

و أدبر : ذهب . و المراد : رجوعهم القهقرى حيث الكفر و الضلال . و عوّلوا : إعتمدوا و اتكلوا . على أحسابهم جمع حسب : ما للمرء و لآبائه من شرف ثابت متعدد النواحي .

و المراد : إستبدلوا بالدين عصبية الجاهلية و نخوتها .

[ 84 ]

و هربوا إلى اللَّه من موازرتك [ 1 ] إذ حملتهم على الصّعب ، و عدلت بهم عن القصد [ 2 ] ، فاتّق اللَّه يا معاوية في نفسك ، و جاذب الشّيطان قيادك فإنّ الدّنيا منقطعة عنك [ 3 ] ، و الآخرة قريبة منك ،

و السّلام .

[ 1 ] إلاّ من فاء . . . : رجع . من أهل البصائر جمع بصيرة : هي الدلالة التي يستبصر بها الشي‏ء على ما هو به ، و هي نور القلب . فانهم فارقوك بعد معرفتك : هم الذين فهموا أهدافه ففارقوه و انحازوا الى الإمام عليه السلام . و هربوا : فرّوا .

الى اللَّه : الى نهجه و أوليائه فَفِرُّوا إِلى اللَّه إِنّيِ لَكُم مِنهُ نَذيرُ مُبينُ 51 : 51 . من موازرتك : من إعانتك

[ 2 ] إذ حملتهم . . . : كلفتهم على الصعب : الشدّة و العسر . و عدلت بهم : ملت بهم . عن القصد : عن الإستقامة .

[ 3 ] فاتق اللَّه يا معاوية في نفسك . . . : خافه على نفسك .

و جاذب الشيطان قيادك : القياد : ما تقاد به الدابة من حبل و نحوه . و المراد : لا تجعل الشيطان يقودك حيث شاء ، بل خلّص نفسك منه : فان الدنيا منقطعة عنك : زائلة مقضيّة .

[ 85 ]