( 41 ) و من كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله

أمّا بعد ، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي ،

[ 1 ] أخزيت . . . : أذللت و أهنت . و أمانتك : ما ائتمنت عليه .

و المراد : لم تراع حقها ، و لم تحفظ حرمتها .

[ 2 ] جرّدت الأرض . . . : جرّد الشي‏ء : أزال ما عليه .

و المراد : أخربتها . فأخذت ما تحت قدميك : من أرض و عقار . و أكلت ما تحت يديك : من أموال المسلمين .

[ 3 ] فارفع إليّ حسابك : قدّم إليّ حساباتك من وارد و صادر .

[ 105 ]

و جعلتك شعاري و بطانتي و لم يكن في أهلي رجل [ 1 ] أوثق منك في نفسي لمواساتي و موازرتي و أداء الأمانة إليّ فلمّا رأيت الزّمان على ابن عمّك قد كلب و العدوّ قد حرب و أمانة النّاس قد خزيت ، و هذه الأمّة قد فتكت و شغرت [ 2 ] قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ [ 3 ] ففارقته مع

[ 1 ] أشركتك في أمانتي . . . : في سلطاني ، لأن المملكة أمانة بيد السلطان في الخير و الشر . و جعلتك شعاري : الشعار :

ما يلي الجسد من الثياب . و بطانتي : خاصتي . و لم يكن رجل . . الخ : كنت الثقة الأمين عندي ، و كنت أعدّك لمشاركتي و معاونتي .

[ 2 ] فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب . . . : اشتد .

و العدو قد حرب : إستأسد . و أمانة الناس قد خزيت : ذلّت و هانت . و هذه الأمّة قد فتكت : أهلكت . و شغرت : شغر البلد شغورا : خلا من الناس . و المراد : ذهب الحماة المقاتلون .

[ 3 ] قلبت لابن عمك ظهر المجن : الترس . و المعنى : أن الجندي حينما يحمل ترسه يكون ظهر ترسه للعدو ، و بطنه لمعسكره ، فإذا انهزم ، و التحق بصفوف أعدائه ينعكس الأمر . و المراد : كنت معه فصرت عليه .

[ 106 ]

المفارقين ، و خذلته مع الخاذلين ، و خنته مع الخائنين فلا ابن عمّك آسيت [ 1 ] و لا الأمانة أدّيت ، و كأنّك لم تكن اللَّه تريد بجهادك و كأنّك لم تكن على بيّنة من ربّك [ 2 ] و كأنّك إنّما كنت تكيد هذه الأمّة عن دنياهم و تنوي غرّتهم عن فيئهم [ 3 ] ،

فلّما أمكنتك الشّدّة في خيانة الأمّة أسرعت الكرّة ، و عاجلت الوثبة ، و اختطفت ما قدرت عليه

[ 1 ] آسيت : شاركت .

[ 2 ] و كأنك لم تكن على بينة من أمرك : لم تكن على يقين من أمر المعاد و الحساب ، لأن المتيقن بذلك يتورّع عن هذا و شبهه .

[ 3 ] تكيد هذه الأمّة عن دنياهم . . . : تمكر بهم طلبا للدنيا .

و تنوي غرتهم : خديعتهم . عن فيئهم : الغنائم و الخراج ( واردات الدولة الإسلامية ) .

[ 107 ]

من أموالهم المصونة [ 1 ] لأراملهم و أيتامهم اختطاف الذّئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة [ 2 ] فحملته إلى الحجاز رحيب الصّدر بحمله غير متأثّم [ 3 ] من أخذه كأنّك لا أبا لغيرك [ 4 ] حدرت [ 5 ] إلى أهلك تراثك من أبيك و أمّك فسبحان اللَّه أما تؤمن بالمعاد ؟ أو ما تخاف نقاش الحساب [ 6 ] ؟ أيّها

[ 1 ] أسرعت الكرّة . . . : الرجعة . و الوثبة : الطفر و القفز .

و المراد : وصف سرعته في خيانة أموال المسلمين .

و اختطفت ما قدرت عليه من أموالهم : خطف الشي‏ء خطفا : جذبه و أخذه بسرعة . و المصونة : المحفوظة .

[ 2 ] الذئب الأزل . . . : الخفيف الوركين . و المراد : سرعة عدوه . و دامية المعزى : المجروحة . و الكسيرة : المكسورة .

و المراد : يسر إختطافها .

[ 3 ] رحيب الصدر . . . : واسعه . غير متأثم من أخذه : الأثم :

الذنب . و المراد : غير متحرّج .

[ 4 ] لا أبا لغيرك : كلمة للتوبيخ ، و أشد منها ( لا أبا لك ) .

[ 5 ] حدرت : أسرعت به إليهم .

[ 6 ] نقاش الحساب : المحاسبة على ذلك يوم القيامة .

[ 108 ]

المعدود كان عندنا من ذوي الألباب [ 1 ] كيف تسيغ [ 2 ] شرابا و طعاما و أنت تعلم أنّك تأكل حراما و تشرب حراما ؟ و تبتاع الإماء [ 3 ] و تنكح النّساء من مال اليتامى و المساكين و المؤمنين و المجاهدين الّذين أفاء اللَّه عليهم هذه الأموال و أحرز بهم [ 4 ] هذه البلاد فاتّق اللَّه و اردد إلى هؤلاء القوم أموالهم فإنّك إن لم تفعل ثمّ أمكنني اللَّه منك لأعذرنّ إلى اللَّه فيك [ 5 ] ، و لأضربنّك بسيفي الّذي ما ضربت به أحدا إلاّ دخل النّار و اللَّه لو

[ 1 ] من ذوي الألباب : ذوي العقول .

[ 2 ] تسيغ : ساغ الشي‏ء سوغا : طاب هنؤ و الشراب و الطعام في الحلق سهل انحداره و مدخله .

[ 3 ] تبتاع الأماء : تشتري الوصائف .

[ 4 ] أفاء اللَّه عليهم . . . : صيّره لهم . و أحرز بهم : حفظ بهم .

[ 5 ] لاعذرن الى اللَّه فيك : يكون عذرا لي عند اللَّه تعالى في إنزال العقاب بك .

[ 109 ]

أنّ الحسن و الحسين فعلا مثل الّذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ، و لا ظفرا منّي بإرادة ،

حتّى آخذ الحقّ منهما ، و أزيح الباطل عن مظلمتهما [ 1 ] و أقسم باللَّه ربّ العالمين : ما يسرّني أنّ ما أخذته من أموالهم حلال لي أتركه ميراثا لمن بعدي [ 2 ] ، فضحّ رويدا فكأنّك قد بلغت المدى ، و دفنت تحت الثّرى ، و عرضت عليك أعمالك بالمحلّ الّذي ينادي الظّالم فيه بالحسرة ، و يتمنّى فيه الرّجعة ، و لات حين مناص [ 3 ]

[ 1 ] ما كانت لهما عندي هوادة . . . : هي اللين و الرفق . و لا ظفرا مني بإرادة : رضا . و ازيح الباطل : أنحيه و أبعده . من مظلمتهما : باسترجاع ما أخذا .

[ 2 ] ما يسّرني ما أخذت من أموالهم حلال لي . . . : إن المال الذي أخذته حراما و اختلاسا ، لا أريده حلالا طيّبا . أتركه ميراثا لمن بعدي : يتنعم به و أحاسب عليه .

[ 3 ] فضحّ رويدا . . . : توقّف و تأنّ . فكأنك قد بلغت المدى .

الغاية ، و نهاية العمر المقدّر لك . و الثرى : الأرض .

و بالمحل الذي ينادي فيه الظالم : مشاهد القيامة .

بالحسرة : شدة التلهف و الحزن قَالُوا يَا حَسرتَنَا عَلى مَا فَرَّطنَا فيها 6 : 31 . و يتمنى المضيّع : المهمل لتعاليم الإسلام . الرجعة : الرجوع إلى الدنيا رَبِّ أرجِعُونِ .

لَعَلّي أَعمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمة هُو قَائِلُهَا وَ مِن وَرائِهم بَرزَخُ إِلَى يَومِ يُبعثُونَ 23 : 100 . و لات حين مناص : ليس الوقت وقت فرار و منجى .

[ 110 ]

[ 111 ]