45 و من كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري [ 1 ]

و هو عامله على البصرة و قد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها أمّا بعد يا ابن حنيف : فقد بلغني أنّ رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة [ 2 ] فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان [ 3 ] ، و تنقل إليك الجفان و ما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم

[ 1 ] عثمان بن حنيف : من اجلاء الصحابة و وجوههم ، قديم الاسلام شهد مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله مشاهده ، كما شهد مع امير المؤمنين عليه السلام الجمل و صفين و النهروان .

[ 2 ] المأدبة : الطعام يدعى اليه .

[ 3 ] تستطاب . . . : يقدّم لك طيّبها . و الالوان : اصناف الطعام .

و الجفان : الصحون التي يوضع بها الطعام .

[ 13 ]

عائلهم مجفوّ [ 1 ] ، و غنيّهم مدعوّ فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم [ 2 ] فما اشتبه عليك علمه فالفظه [ 3 ] و ما أيقنت بطيب وجوهه [ 4 ] فنل منه .

ألا و إنّ لكلّ مأموم إماما يقتدي به [ 5 ] و يستضي‏ء بنور علمه ، ألا و إنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه [ 6 ] ، و من طعمه بقرصيه ، ألا و إنّكم لا تقدرون على ذلك ، و لكن أعينوني بورع

[ 1 ] عائلهم . . . : فقيرهم . و مجفوّ : مطرود .

[ 2 ] تقضمه . . . : تأكله . و المقضم : المأكل . و المراد بذلك المآكل التي يتناولها الأنسان .

[ 3 ] اشتبه عليك . . . : التبس عليك أمره . فالفظه : اطرحه . و في الحديث : في حلالها حساب ، و في حرامها عقاب ، و في الشبهات عتاب ) .

[ 4 ] بطيب وجوهه : حصلت عليه من طريق مشروع .

[ 5 ] يقتدي به : يتابعه ، و يسير على نهجه .

[ 6 ] الطمر : الثوب الخلق .

[ 14 ]

و اجتهاد ، و عفّة و سداد [ 1 ] فو اللَّه ما كنزت من دنياكم تبرا ، و لا ادّخرت من غنائمها وفرا و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا [ 2 ] و لا حزت من أرضها شبرا ، و لا أخذت منه إلاّ كقوت أتان دبرة [ 3 ] ، و لهي في عيني أوهى و أهون من عفصة مقرة [ 4 ] بلى ؟ كانت في أيدينا فدك [ 5 ] من كلّ ما أظلّته

[ 1 ] الورع . . . : الكف عن المحارم و التحرز منها و السداد :

الاستقامة و القصد ، و الصواب من القول و الفعل . و المراد : ان ما الزمته نفسي من الزهد ، و التخلّي عن الدنيا لا تستطيعونه ،

و لكن ينبغي لكم ان تتورعوا من اقتحام الذنوب ، و تجتهدوا حسب طاقتكم من امر اللَّه تعالى ، و تتصفوا بالعفاف .

[ 2 ] الكنز . . . : المال المخبّى . و الوفر : المال . و لا أعددت . . . : ما هيئت ثوبا آخر غير الذي البسه .

[ 3 ] اتان دبرة : هي التي عقر ظهرها فقلّ أكلها .

[ 4 ] عفصة مقرة : مقر الشي‏ء : صار مرّا .

[ 5 ] فدك : قرية بالحجاز ، بينها و بين المدينة ثلاثة ايام ، و كانت لليهود ، و بعد فتح خيبر القى اللَّه سبحانه في قلوب أهلها الرعب ، فصالحوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله على النصف ،

فقبل منهم ، فكانت له صلى اللَّه عليه و آله خالصة ، لانها لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب ، و بعد ان نزل عليه قوله تعالى :

و آت ذا القربى حقّه دفعها الى فاطمة عليها السلام فكانت تتصرف فيها اربع سنين في حياة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله ،

و بعد وفاته قبضها ابو بكر ، فطالبت بها باطرار و لكن مطالبتها منيت بالفشل .

[ 15 ]

السّماء ، فشحّت [ 1 ] عليها نفوس قوم ، و سخت عنها نفوس قوم آخرين . و نعم الحكم اللَّه و ما أصنع بفدك و غير فدك و النّفس مظانّها في غد جدث [ 2 ] ؟

تنقطع في ظلمته آثارها ، و تغيب أخبارها ، و حفرة لو زيد في فسحتها ، و أوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر و المدر ، و سدّ فرجها التّراب المتراكم ،

[ 1 ] شحّت : بخلت .

[ 2 ] مظنة الشي‏ء : موضعه و مألفه الذي يظن كونه فيه . و الحديث :

القبر

[ 16 ]

و إنّما هي نفسي أروضها بالتّقوى [ 1 ] لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ، و تثبت على جوانب المزلق [ 2 ] ،

و لو شئت لاهتديت الطّريق إلى مصفّى هذا العسل و لباب هذا القمح ، و نسائج هذا القزّ ،

و لكن هيهات أن يغلبني هواي ، و يقودني جشعي [ 3 ] إلى تخيّر الأطعمة و لعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص [ 4 ] ، و لا عهد له بالشّبع أو أبيت مبطانا و حولي بطون غرثى ،

[ 1 ] أروضها . . . : أذللها . و التقوى : امتثال أوامر اللَّه تعالى و اجتناب ما نهى عنه .

[ 2 ] المزلق : المراد به الصراط ، و من زلّت قدمه فيه هوى الى النار ،

نعوذ باللَّه منها .

[ 3 ] الجشع : شدة الحرص .

[ 4 ] لا طمع له في القرص . . . : فهو لشدة فقره ليس له أمل بالحصول على الرغيف ، و لا يعرف الشبع .

[ 17 ]

و أكباد حرّى [ 1 ] أو أكون كما قال القائل :

و حسبك داء أن تبيت ببطنة
و حولك أكباد تحنّ إلى القدّ [ 2 ]

أ أقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين و لا أشاركهم في مكاره الدّهر ؟ أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش ، فما خلقت ليشغلني أكل الطّيّبات [ 3 ] كالبهيمة المربوطة همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها [ 4 ] تكترش [ 5 ] من أعلافها ،

[ 1 ] غرثى . . . : جائعة . و حرّى مؤنث حران : عطشان .

[ 2 ] القد : سير من جلد غير مدبوغ ، و كانت العرب في الجاهلية تأكله . و المراد : ان الفقر بلغ بهم حتى صاروا يودون الحصول على القد .

[ 3 ] الاسوة . . . : القدوة . و جشوبة العيش : خشونته . و المراد به الاطعمة التي يتناولها الفقراء كالشعير و شبهه .

[ 4 ] القمامة : الكناسة تجمع من البيوت و الطرق ، تبحث فيها الحيوانات عن الغذاء .

[ 5 ] تكترش : تملأ كرشها .

[ 18 ]

و تلهو عمّا يراد بها ، أو أترك سدى و أهمل عابثا ،

أو أجرّ حبل الضّلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة [ 1 ] . و كأنّي بقائلكم يقول : « إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضّعف عن قتال الأقران و منازلة الشّجعان » ؟ ألا و إنّ الشّجرة البريّة أصلب عودا ، و الرّوائع الخضرة أرقّ جلودا ، و النّباتات البدويّة [ 2 ] أقوى وقودا و أبطأ خمودا و أنا من رسول اللَّه كالضّوء من الضّوء ،

[ 1 ] أعتسف الطريق : سار على غير هدى . و المتاهة من الأرض : المفازة التي لا علامة فيها يهتدي بها .

[ 2 ] الروائع الخضرة . . . : المراد بها النباتات الغضّة ، فهي رغم العناية بها من السقي و شبهه فهي أضعف و أرق ، و أقرب الى التلاشي . و النباتات البدوية : نباتات الطبيعة في الصحراء ،

فهي لصلابة جذورها و متانتها تكون أقوى اشتعالا ، و أبطأ خمودا . و المراد : ان المآكل لا تكون مقياس القوّة .

[ 19 ]

و الذّراع من العضد [ 1 ] . و اللَّه لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها ، و لو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها . و سأجهد في أن أطهّر الأرض من هذا الشّخص المعكوس ، و الجسم المركوس [ 2 ] حتّى تخرج المدرة من بين حبّ الحصيد [ 3 ] .

[ 1 ] كالضوء من الضوء . . . : شبّه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله بالشمس ، و نفسه عليه السلام بالقمر ، فهو يستمد ضوءه من الشمس . و الذراع من العضد : في شدة الارتباط . و المراد :

نفي الاستغراب من قوّته و جميع كمالاته بعد ان كان من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله بتلك المنزلة ، و رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله أفضل الخلق و اجمعهم للكمالات .

[ 2 ] الركس : هو رد الشي‏ء مقلوبا ، و في القرآن الكريم : و اللَّه اركسهم بما كسبوا 4 : 88 ، أي ردّهم الى كفرهم لسوء أعمالهم . و المراد بالشخص معاوية بن ابي سفيان .

[ 3 ] المدرّة . . . : القطعة من الطين اليابس ، و المراد بالحصيد :

الحبوب التي تحصد كالقمح و شبهه و المعنى : سوف أجهد نفسي في اخراج الكافرين و المنافقين من صفوف أهل الايمان .

[ 20 ]

و من هذا الكتاب ، و هو آخره :

إليك عنّي يا دنيا فحبلك على غاربك ، قد انسللت من مخالبك ، و أفلتّ من حبائلك ،

و اجتنبت الذّهاب في مداحضك [ 1 ] . أين القوم الّذين غررتهم بمداعبك أين الأمم الّذين فتنتهم بزخارفك [ 2 ] ؟ ها هم رهائن القبور ، و مضامين اللّحود و اللَّه لو كنت شخصا مرئيّا ، و قالبا حسّيّا لأقمت عليك حدود اللَّه في عباد غررتهم

[ 1 ] الغارب . . . : ما بين السنام و العنق ، و هو الذي يلقى عليه خطام البعير اذا ارسل ليرعى كيف شاء . و المراد : بيان تخلّيه عنها و الحبائل : شباك الصيد و مداحضك : مزالقك . و المراد تحرزت من الوقوع في مهاوي الضلال .

[ 2 ] بمداعبك : من الدعابة : و هي المزاح . و المراد : انها تلطفت لهم حتى فتنتهم . و الزخرف : الذهب .

[ 21 ]

بالأماني [ 1 ] و أمم ألقيتهم في المهاوي [ 2 ] و ملوك أسلمتهم إلى التّلف و أوردتهم موارد البلاء إذ لا ورد و لا صدر [ 3 ] . هيهات من وطى‏ء دحضك زلق ، و من ركب لججك غرق ، و من ازورّ [ 4 ] عن حبالك وفّق و السّالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه ، و الدّنيا عنده كيوم حان انسلاخه [ 5 ] .

[ 1 ] لاقمت عليك حدود اللَّه الخ : و هذا البيان الغاية في التنفير من الدنيا ، و التحذير منها ، و تشبيهها بمجرم يجب ان يقام عليه الحد .

[ 2 ] المهاوي : جمع هوّة : الحفرة العميقة .

[ 3 ] الورد . . . : ورود الماء . و الصدر : الصدور عنه بعد الشرب .

و المراد : بيان انغلاق الطريق أمامهم .

[ 4 ] دحض . . . : زلق . و اللجّة : معظم ماء البحر . و ازور : مال و انحرف .

[ 5 ] مناخ البعير : مبركه . و حان : حضر . و انسلاخه : زواله .

و المراد : ان الذي يفلت من الدنيا و فتنها لا ضير عليه من ضيقها و بؤسها ، لانه أحرز سعادة عظمى عن قريب ينتقل اليها .

[ 22 ]

اعزبي عنّي فو اللَّه لا أذلّ لك فتستذلّيني ،

و لا أسلس [ 1 ] لك فتقوديني و ايم اللَّه يمينا أستثني فيها بمشيئة اللَّه لأروضنّ نفسي رياضة تهشّ [ 2 ] معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما ، و تقنع بالملح مأدوما و لأدعنّ مقلتي كعين ماء نضب معينها [ 3 ] مستفرغة دموعها . أتمتلى‏ء السّائمة من رعيها فتبرك ؟ و تشبع الرّبيضة [ 4 ] من عشبها

[ 1 ] اعزبي . . . : ابعدي . و لا اسلس : لا انقاد .

[ 2 ] لاروضن نفسي . . . : اذللها . وهشّ : انشرح صدره سرورا به .

[ 3 ] نضب معينها : فنى ماؤها . و المراد : كثرة البكاء من خشية اللَّه تعالى حتى لا يبقى دمع . روى الشيخ الصدوق في الفقيه عنه صلى اللَّه عليه و آله : ( ألا و من ذرفت عينه من خشية اللَّه عزّ و جل كان له بكل قطرة من دموعه قصرا في الجنة ، مكللا بالدر و الجوهر ، فيه ما لا عين رأت ، و لا اذن سمعت ، و لا خطر على قلب بشر .

[ 4 ] السائمة من الماشية : الراعية ، و برك البعير : استناخ ، لانه يقع على بركه ، و هو صدره . و ربضت الغنم و غيرها من الدواب : طوت قوائمها و لصقت بالأرض .

[ 23 ]

فتربض ؟ و يأكل عليّ من زاده فيهجع [ 1 ] قرّت إذا عينه إذا اقتدى بعد السّنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة [ 2 ] و السّائمة المرعيّة طوبى لنفس أدّت إلى ربّها فرضها و عركت بجنبها بؤسها [ 3 ] و هجرت في اللّيل غمضها ، حتّى إذا غلب الكرى [ 4 ] عليها افترشت أرضها ، و توسّدت كفّها في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم ، و تجافت عن مضاجعهم جنوبهم

[ 1 ] يهجع : ينام .

[ 2 ] الهاملة : المتروكة ليلا و نهارا بلا رعاية و لا عناية .

[ 3 ] عركت . . . : يقال : عرك البعير جنبه بمرفقه : اذا دلكه .

و البؤس : الشر . و المراد : الصبر على نزول المصائب .

[ 4 ] الكرى : النوم .

[ 24 ]

و همهمت بذكر ربّهم شفاههم ، و تقشّعت [ 1 ] بطول استغفارهم ذنوبهم أُولئكَ حِزْبُ اللَّهِ ،

أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .

فاتّق اللَّه يا ابن حنيف ، و لتكفك أقراصك ليكون من النّار خلاصك .