47 و من وصية له عليه السلام للحسن و الحسين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنه اللَّه

أوصيكما بتقوى اللَّه ، و أن لا تبغيا الدّنيا و إن بغتكما و لا تأسفا على شي‏ء منها زوي عنكما [ 1 ] ،

و قولا بالحقّ ، و اعملا للأجر [ 2 ] ، و كونا للظّالم

[ 1 ] أوصيكما بتقوى اللَّه . . . : العمل بأوامره ، و الإنتهاء عما نهى عنه . و ان لا تبغيا الدنيا : لا تطلباها . و إن بغتكما :

طلبتكما . و المراد : اتركا الدنيا و إن تمهدت لكما الأمور في أخذها ، و الحصول عليها . و لا تأسفا على شي‏ء منها زوي عنكما : زوى الشي‏ء : طواه و جمعه و قبضه . و المراد :

ينبغي للمسلم أن لا يأسف على ما يفوته من حطام الدنيا ،

و ليكن موقنا أن ذلك مصلحة له لكَيلاَ تَأسَوا عَلَى مَا فَاتَكُم وَ لاَ تَفَرحُوا بِمَا ءَاتَاكُم 57 : 23 .

[ 2 ] و قولا بالحق . . . : الصدق في الكلام ، و اداء الشهادة على الوجه الصحيح ، و كل قول يكون على نهج الحق . و اعملا للأجر : يجب أن يكون الدافع لكل عمل هو تحصيل الأجر من اللَّه تعالى ، و التقرب إليه به .

[ 28 ]

خصما و للمظلوم عونا [ 1 ] .

أوصيكما ، و جميع ولدي و أهلي و من بلغه كتابي ، بتقوى اللَّه ، و نظم أمركم ، و صلاح ذات بينكم [ 2 ] فإنّي سمعت جدّكما ، صلّى اللَّه

[ 1 ] و كونا للظالم خصما . . . : مجادلا منازعا . و المراد : قهره و رده عن ظلامته و تعديه . و للمظلوم عونا : في إسترجاع ظلامته .

[ 2 ] أوصيكما و جميع ولدي و أهلي و من بلغه كتابي بتقوى اللَّه . . . : كرر الوصية بها إهتماما بشأنها ، و لأنها الباب المفضي لجميع الطاعات . و نظم أمركم : نظمّ . الأشياء نظما : ألفها ، و ضمّ بعضها الى بعض . و الأمر : الحال و الشأن . و المراد : رتّبوا أموركم و نظموها ، و ليعرف كل منكم ما له و ما عليه . و صلاح ذات بينكم : ذات البين : ما بين القوم من القرابة و الصلة و المودّة ، أو العداوة و البغضاء .

و المراد : بإصلاح ذلك و أن يكونوا متوادين متحابين .

[ 29 ]

عليه و آله و سلّم ، يقول : « صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصّلاة و الصّيام » [ 1 ] اللَّه اللَّه في الأيتام فلا تغبّوا أفواههم ، و لا يضيعوا بحضرتكم [ 2 ] ، و اللَّه اللَّه في جيرانكم فإنّهم وصيّة نبيّكم ، ما زال يوصي بهم حتّى ظننّا أنّه سيورّثهم [ 3 ] و اللَّه اللَّه في القرآن لا يسبقكم

[ 1 ] صلاح ذات البين . . الخ : ان الإصلاح بين الأفراد و الجماعات هو أفضل عند اللَّه تعالى من الصلاة و الصيام المستحب ، لأنّ به يتماسك المجتمع ، و تتوحد الكلمة ،

و يسود الود و الأخاء .

[ 2 ] اللَّه اللَّه . . . : إتقوه . فلا تغبوا أفواههم : أغبّ القوم :

جاءهم يوما و ترك يوما . و المراد : واصلوهم بالإطعام ، و لا تقطعوا صلاتكم عنهم و لا يضيعوا بحضرتكم : لا تهملوهم .

[ 3 ] حتى ظننا أنه سيورثهم : فلكثرة ما كان يوصي بهم ظننا أن يجعل لهم نصيبا من الميراث ، أسوة بأولاد الميت و غيرهم من الورثة .

[ 30 ]

بالعمل به غيركم [ 1 ] ، و اللَّه اللَّه في الصّلاة فإنّها عمود دينكم [ 2 ] ، و اللَّه اللَّه في بيت ربّكم لا تخلّوه ما بقيتم فإنّه إن ترك لم تناظروا [ 3 ] و اللَّه اللَّه في الجهاد بأموالكم و أنفسكم و ألسنتكم [ 4 ] في سبيل اللَّه ، و عليكم بالتّواصل و التّباذل ، و إيّاكم

[ 1 ] لا يسبقكم بالعمل به غيركم : كونوا أحرص الناس على العمل بالقرآن الكريم ، و تحليل حلاله ، و تحريم حرامه .

[ 2 ] فإنها عمود دينكم : عمود الأمر : قوامه الذي لا يستقيم إلاّ به

[ 3 ] لا تخلوه ما بقيتم . . . : لا تتركوا حجّه . فإنه إن ترك لم تناظروا : لا ينظر اللَّه إليكم بالكرامة و الرحمة .

[ 4 ] و اللَّه اللَّه في الجهاد بأموالكم . . . : قدّموا أموالكم في مرضاة اللَّه تعالى ، و ما يقربكم إليه . و أنفسكم : جاهدوا أعداء الإسلام ، و وطنّوا أنفسكم على القتل من أجل إعلاء كلمة اللَّه تعالى . و ألسنتكم : بتقديم النصح للمسلمين ، و إرشادهم الى طريق الخير و الصلاح .

[ 31 ]

و التّدابر و التّقاطع [ 1 ] ، لا تتركوا الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم ثمّ تدعون فلا يستجاب لكم [ 2 ] ثم قال :

يا بني عبد المطّلب لا ألفينّكم تخوضون دماء

[ 1 ] و عليكم بالتواصل . . . : الصلّة و عدم الهجران . و التباذل :

يقدّم كل منكم للآخر ما يحتاجه و يلزمه من المال . و إيّاكم و التدابر و التقاطع : أحذركم عن اعراض بعضكم عن بعض ،

و مقاطعته ، و التنكّر له .

[ 2 ] لا تتركوا الأمر بالمعروف ، و النهي عن المنكر . . . :

المعروف : إسم جامع لكل ما عرف من طاعة اللَّه ، و التقرب إليه ، و الإحسان الى الناس ، و كل ما ندب إليه الشرع من المحسنات . و المنكر : هو كل ما قبّحه الشرع و حرّمه ، و هما فرعان من فروع الدين ، واجبان على كل مسلم و مسلمة بالقدر الممكن . فيولّى عليكم شراركم : يخلّى بينكم و بينهم ، فلا ترون من الطافه التي حصلت للمسلمين في بدر و غيرها من مشاهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله . ثم تدعون فلا يستجاب لكم : توصد دونكم أبواب الإجابة .

[ 32 ]

المسلمين خوضا تقولون : قتل أمير المؤمنين « قتل أمير المؤمنين ، ألا » لا تقتلنّ بي إلاّ قاتلي [ 1 ] .

أنظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ، و لا يمثّل بالرّجل [ 2 ] ، فإنّي سمعت رسول اللَّه ، صلى اللَّه عليه و آله و سلم ،

يقول : « إيّاكم و المثلة [ 3 ] ، و لو بالكلب العقور » .

[ 1 ] لا ألفينكم : لا أجدنكم . تخوضون دماء المسلمين خوضا :

تقتلون على الظنة و التهمة ، زاعمين أن لهذا ضلعا بالجريمة ، أو قرابة مع القاتل ، و ما يشبه ذلك مما جرت به العادة في مثل هذه الحال . ألا لا يقتلنّ بي إلاّ قاتلي :

وحده .

[ 2 ] و لا يمثل بالرجل : لا تقطع أطرافه ، أو يشوّه جسمه .

[ 3 ] إياكم و المثلة : نهى عنها لما فيها من قسوة و غلظة لا تليق بالمسلم ، و قد تجرّه الى رذائل أخرى .

[ 33 ]