53 و من كتاب له عليه السلام

كتبه للأشتر [ 1 ] النخعي ، لما ولاه على مصر و أعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبي بكر ، و هو أطول عهد و أجمع كتبه للمحاسن بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما أمر به عبد اللَّه عليّ أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه ، حين ولاّه مصر : جباية خراجها ، و جهاد عدوّها ،

و استصلاح أهلها [ 2 ] ، و عمارة بلادها .

[ 1 ] الاشتر النخعي : مالك بن الحارث ، من اعلام التابعين و وجوههم ، و من ابطال المسلمين و قوّادهم ، و يكفيه فضلا و شرفا قول امير المؤمنين عليه السلام : كأن لي كما كنت لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم .

[ 2 ] جباية خراجها . . . : جبا الخراج : جمعه . و الخراج : ما يحصل من غلّة الأرض ( واردات الدولة الإسلامية ) و استصلاح أهلها : الأخذ بهم الى نهج الصلاح و الإستقامة .

[ 47 ]

أمره بتقوى اللَّه ، و إيثار طاعته ، و اتّباع ما أمر به في كتابه : من فرائضه ، و سننه ، الّتي لا يسعد أحد إلاّ باتّباعها ، و لا يشقى إلاّ مع جحودها و إضاعتها [ 1 ] و أن ينصر اللَّه سبحانه بقلبه و يده و لسانه فإنّه ، جلّ اسمه ، قد تكفّل

[ 1 ] أمره بتقوى اللَّه . . . : قدّمها بالوصية لأنها أهم الأشياء و رأسها . و إيثار طاعته : تقديمها . و إتباع ما أمر به في كتابه : العمل بما جاء في القرآن الكريم . من فرائضه : ما أوجبه سبحانه و تعالى على عباده كالفرائض اليومية و غيرها . و سننه جمع سنّة : الطريقة و المثال . و المراد : النظم التي أمر بها . التي لا يسعد أحد إلاّ باتباعها : لا تنال السعادة الأبدية إلاّ بالعمل بها . و لا يشقى : يتعس و تسوء حاله . إلاّ مع جحودها : إنكارها مع العلم بها . و إضاعتها : إهمالها .

[ 48 ]

بنصر من نصره ، و إعزاز من أعزّه [ 1 ] .

و أمره أن يكسر نفسه عند الشّهوات و ينزعها عند الجمحات [ 2 ] فإنّ النّفس أمّارة بالسّوء ، إلاّ ما رحم اللَّه [ 3 ] .

ثمّ اعلم ، يا مالك أنّي قد وجّهتك إلى بلاد

[ 1 ] و إن ينصر اللَّه سبحانه بقلبه . . . : بالإعتقاد الصحيح .

و يده : بجهاد أعدائه . و لسانه : بالأمر بالمعروف ، و النهي عن المنكر ، و الدعوة الى اللَّه تعالى : فإنه جلّ إسمه قد تكفّل بنصر من نصره : إِن تنصُرُوا اللَّه يَنصُركْم وَ يُثَبِّت أقدَامَكُم 47 : 7 . و اعزاز : عزّ فلان عزّا و عزّة : قوي و سلم من الذل . و من أعزّه : من إطاعة ، و الحديث القدسي : أنا العزيز ، من أراد عزّ الدارين فليطع العزيز .

[ 2 ] و أمره أن يكسر نفسه من الشهوات . . . : إنكسر الحر :

فترت حدّته . و ينزعها : يكفّها و ينهاها . عند الجمحات :

جمح الرجل : ركب هواه فلا يمكن ردّه .

[ 3 ] إن النفس أمّارة بالسوء . . . : بالقبيح و الشهوة ، و الدعوة الى المعصية . إلاّ ما رحم اللَّه : فعصمه ، و صرفه عن القبيح .

[ 49 ]

قد جرت عليها دول قبلك من عدل و جور ، و أنّ النّاس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ، و يقولون فيك ما كنت تقول فيهم ، و إنّما يستدلّ على الصّالحين بما يجري اللَّه لهم على ألسن عباده [ 1 ] ، فليكن أحبّ الذّخائر إليك ذخيرة العمل الصّالح [ 2 ] ، فاملك هواك

[ 1 ] قد جرت عليها دول قبلك . . . : تداولها ولاة من قبلك . من عدل و جور : منهم من كان يتصف بالعدالة كمحمد بن أبي بكر ، و منهم من كان جائرا متعديا كإبن أبي سرح . و إن الناس ينظرون من أمورك : يتأملون في أعمالك و يراقبونها . في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك : كنظرك الى أعمال من سبقك من الحاكمين . و هذا أحسن ما يمكن أن يقال في المقام ، و يدفع للإستقامة . و يقولون فيك ما كنت تقول فيهم : من مدح أو ذمّ . و إنما يستدل على الصالحين بما يجري اللَّه لهم على ألسن عباده : من ثناء ، فألسنة الخلق أقلام الحق .

[ 2 ] فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح : ذخر الشي‏ء ذخرا : جمعه و حفظه لوقت الحاجة : و المراد أكثر من الباقيات الصالحات فإنك أحوج ما تكون إليها .

[ 50 ]

و شحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك ، فإنّ الشّحّ بالنّفس الإنصاف منها فيما أحبّت أو كرهت [ 1 ] . و أشعر قلبك الرّحمة للرّعيّة ، و المحبّة لهم ، و اللّطف بهم ، و لا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا [ 2 ] تغتنم أكلهم فإنّهم صنفان : إمّا أخ لك في الدّين ، أو

[ 1 ] فاملك . . . : فامسك . هواك : ما تميل إليه نفسك . و شح بنفسك عما لا يحل لك : الشح : البخل . و المراد : لا تسمح لها بالإسترسال في المحرمات . فإن الشح بالنفس الأنصاف : العدل . منها فيما أحبّت : من الرذائل . أو كرهت : من الفضائل . و المراد : أخذها على طريق الإستقامة و السداد .

[ 2 ] و اشعر قلبك الرحمة للرعيّة . . . : الشعار : الثوب الذي يلي البدن . و المراد : عاملهم بمنتهى الرحمّة و المودّة . و اللطف بهم : ارأف بهم . و لا تكونن عليهم سبعا ضاريا : المولع بأكل اللحم . و المراد : لا تشتد و تتنمّر عليهم .

[ 51 ]

نظير لك في الخلق [ 1 ] ، يفرط منهم الزّلل ،

و تعرض لهم العلل ، و يؤتى على أيديهم في العمد و الخطإ [ 2 ] فأعطهم من عفوك و صفحك مثل الّذي تحبّ و ترضى أن يعطيك اللَّه من عفوه و صفحه [ 3 ] ،

فإنّك فوقهم و والي الأمر عليك فوقك ، و اللَّه فوق من

[ 1 ] فإنهم صنفان : امّا أخ لك في الدين . . . : مسلم ، يلزمك حرمته . و أما نظير لك في الخلق : إنسان ، و الإنسانية تستوجب منك العطف عليه .

[ 2 ] يفرط . . . : يعجل و يسرع . منهم الزلل جمع زلّة :

السقطة و الخطيئة . و تعرض لهم العلل : الدواعي التي تدعوهم للزلل و الخطأ ، كالنفس الامارة ، و الشيطان . و يؤتى على أيديهم في العمد و الخطأ : يصدر منهم الخطأ عمدا و سهوا . و المراد : راع ذلك منهم ، و عاملهم مع ما يصدر منهم بالإحسان .

[ 3 ] فاعطهم من عفوك و صفحك . . . الخ : أسلك معهم مسلكا أخويا بترك الشدّة و العقاب ، طالبا بذلك عفو اللَّه تعالى عنك .

[ 52 ]

ولاّك و قد استكفاك أمرهم و ابتلاك بهم [ 1 ] ، و لا تنصبنّ نفسك لحرب اللَّه فإنّه لا يدى لك بنقمته ،

و لا غنى بك عن عفوه و رحمته [ 2 ] ، و لا تندمنّ على عفو ، و لا تبجحنّ بعقوبة ، و لا تسرعنّ إلى بادرة وجدت منها مندوحة ، و لا تقولنّ إنّي مؤمّر آمر فأطاع [ 3 ] فإنّ ذلك إدغال في القلب ، و منهكة

[ 1 ] فإنك فوقهم . . . : المراد بذلك الإستعلاء و الحكم . و ولي الأمر عليك فوقك الخ : المراد : أخذه نحو التواضع ،

و تجنب الغرور . و قد استكفاك أمرهم : جعل بيدك تدبير أمورهم ، و إدارة شؤونهم . و ابتلاك بهم : اختبرك بالولاية عليهم .

[ 2 ] و لا تنصبن نفسك لحرب اللَّه . . . : بالحرب لعباده ، و إدخال الأذى عليهم . فإنه لا يدى لك : لا طاقة لك بدفعها . و نقمته :

عقوبته . و لا غنى بك : ما لك عنه بد . عن عفوه :

صفحه . و رحمته : خيره و نعمته .

[ 3 ] و لا تندمن على عفو . . . : لا تأسف . و لا تبجحن بعقوبة :

تتفاخر و تتباهى . و لا تسرعن الى بادرة : ما يبدر من المرء عند غضبه من خطأ . وجدت منها مندوحة : سعة . و المراد :

إترك العقاب ما وجدت مجالا و مبررا لك . و لا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع : لأنه ينافي التواضع ، و يجلب المقت ،

و يدعو الى الإستعلاء و التجبّر .

[ 53 ]

للدّين ، و تقرّب من الغير [ 1 ] و إذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك اللَّه فوقك و قدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك [ 2 ] فإنّ ذلك يطامن إليك من طماحك ، و يكفّ عنك من غربك ، و يفي‏ء إليك

[ 1 ] فإن ذلك أدغال في القلب . . . : دغل السريرة : خبثها و مكرها و خديعتها . و منهكة للدين : مضعفة له . و تقرّب من الغير : تغيّر الحال و انتقالها عن الصلاح الى الفساد .

[ 2 ] و إذا حدث لك ما أنت فيه من سلطانك . . . : ملكك و قوتك . أبهة : كبرياء . أو مخيلة : كبر و إعجاب . فانظر الى عظيم ملك اللَّه فوقك : فتتصاغر حينئذ ، و تنصقل نفسك ، و يتهذّب طبعك . هكذا يكون التعليم و الأدب ،

و التمرّن على رياضة النفس . و قدرته منك : على أخذك . على ما لا تقدر عليه من نفسك : على ما لا تملكه من نفسك من حصول سعادة ، و الخروج من شقاء .

[ 54 ]

بما عزب عنك من عقلك [ 1 ] .

إيّاك و مساماة اللَّه في عظمته و التّشبّه به في جبروته فإنّ اللَّه يذلّ كلّ جبّار ، و يهين كلّ مختال [ 2 ] .

أنصف اللَّه و أنصف النّاس من نفسك و من خاصّة أهلك و من لك فيه هوى من رعيّتك

[ 1 ] فإن ذلك يطا من . . . : يسكّن و يخفض . من طماحك :

جماحك . و يكف عنك من غربك : الغرب : حد السيف .

و المراد : يحد من غلوائك و بطشك . و يفي‏ء : يرجع . إليك بما عزب عنك من عقلك : بعد و خفي .

[ 2 ] إياك و مساماة اللَّه في عظمته . . . : مباراته في السمو ، و هو العلو . و التشبه به في جبروته : في كبريائه . فإن اللَّه يذل كل جبار : يجعله حقيرا ذليلا ، فإن سلم من ذلك في الدنيا فلا يسلم في الآخرة . و يهين : يذل . كل مختال : متكبر إِنّ اللَّه لا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُور 31 : 18

[ 55 ]

فإنّك إلاّ تفعل تظلم و من ظلم عباد اللَّه كان اللَّه خصمه دون عباده ، و من خاصمه اللَّه أدحض حجّته و كان للَّه حربا حتّى ينزع أو يتوب [ 1 ] و ليس شي‏ء أدعى إلى تغيير نعمة اللَّه و تعجيل نقمته من إقامة على ظلم ، فإنّ اللَّه سميع دعوة

[ 1 ] أنصف اللَّه . . . : أدّ ما أوجبه عليك ، و انته عما نهاك عنه .

و انصف الناس من نفسك : عاملهم بالعدل . و من خاصة أهلك : أقربائك . و ممن لك فيه هوى من رعيتك : ممن تحبه و تهواه . و المراد : ان أقرباء الوالي و المقرّبين إليه يتطاولون دائما على الرعية ، و يأخذون ما قد روا عليه من أموالهم ، لذا وجب التنبيه على ردعهم . فإنك إلاّ تفعل : ما أمرتك به من إلزامهم بالإستقامة . تظلم : الرعية . و من ظلم عباد اللَّه كان اللَّه خصمه دون عباده : الخصم : هو المدّعي على غيره حقّا من الحقوق ، و المنازع له فيه . و من خاصمه اللَّه أدحض حجته : أبطلها حُجَّتهُم داحِضَةُ عِندَ رَبّهم 42 : 16 . و كان للَّه حربا : محاربا . حتى ينزع : يكف و ينتهي . و يتوب : من ذنبه .

[ 56 ]

المضطهدين و هو للظّالمين بالمرصاد [ 1 ] .

و ليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحقّ ،

و أعمّها في العدل ، و أجمعها لرضا الرّعيّة [ 2 ] فإنّ سخط العامّة يجحف برضا الخاصّة ، و إنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضا العامّة [ 3 ] . و ليس أحد من

[ 1 ] و ليس شي‏ء أدعى الى تغيير نعمة اللَّه . . . : سلبها . و تعجيل نقمته : عقابه . من إقامة على ظلم : مداومة عليه . فإن اللَّه سميع دعوة المضطهدين : المقهورين . و هو للظالمين بالمرصاد :

قال الإمام الصادق عليه السلام : هي قنطرة على الصراط ،

لا يجوزها عبد بمظلمة .

[ 2 ] و ليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق . . . : أعدلها .

و أعمها في العدل : أشملها . و أجمعها لرضا الرعية :

أدعاها لرضى المجتمع .

[ 3 ] فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة . . . : يجحف :

يذهب . و المراد : إن غضب الشعب يذهب برضى عظماء البلد و وجوهه . و إن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة : إن غضب الوجوه و العظماء مسموح به مع رضى جماهير الشعب .

[ 57 ]

الرّعيّة أثقل على الوالي مؤونة في الرّخاء ، و أقلّ معونة له في البلاء ، و أكره للانصاف ، و أسأل بالالحاف ، و أقل شكرا عند الاعطاء ، و أبطأ عذرا عند المنع ، و أضعف صبرا عند ملمّات الدّهر من أهل الخاصّة [ 1 ] و إنّما عماد الدّين . و جماع

[ 1 ] و ليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء . . . : إحتمل مؤونته : قام بكفايته . و المراد : كثرة حوائجهم و مطالبهم منه ، و لو لم يكن من ضررهم إلاّ أخذ وقته لكان ذلك كافيا في التنفير و البعد عنهم . و أقل معونة له في البلاء : تخليهم عنه عند الشدائد . و أكره للإنصاف :

لتحقيق العدالة . و أسأل بالألحاف : الحف السائل : الحّ في المسألة و هو مستغن عنها . و أقل شكرا عند الأعطاء :

تصوّرا منهم إن حقهم أعظم من العطية . و أبطأ عذرا عند المنع : لا يعذرون . و أضعف صبرا عند ملمات الدهر :

الملمة : النازلة الشديدة من نوازل الدهر . و المراد : تخليهم عن الولاة عند النكبات . من أهل الخاصة : من الوجوه ،

و شخصيات البلد .

[ 58 ]

المسلمين ، و العدّة للأعداء العامّة من الأمّة [ 1 ] ،

فليكن صغوك لهم ، و ميلك معهم [ 2 ] .

و ليكن أبعد رعيّتك منك و أشنأهم عندك أطلبهم لمعائب النّاس [ 3 ] فإنّ في الناس عيوبا الوالي أحقّ من سترها ، فلا تكشفنّ عمّا غاب عنك منها فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك [ 4 ] ، و اللَّه

[ 1 ] و إنما عماد الدين . . . : قوامه . و جماع المسلمين :

الجماع من كل شى‏ء : مجتمع أصله ، و كل ما اجتمع و انضم بعضه الى بعض و العدّة : ما أعددته لحوادث الدهر . و العامة من الأمّة : خلاف الخاصة . و المراد : جمهور المسلمين .

[ 2 ] فليكن صغوك لهم . . . : هواك معهم . و ميلك معهم :

أحببهم و كن الى جانبهم .

[ 3 ] و ليكن أبعد رعيتك منك . . . : نحّهم عنك . و اشنؤهم عندك :

أبغضهم . أطلبهم لمعائب الناس : الباحثين عن عيوبهم .

[ 4 ] فإن في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها . . . : أولى الناس بسترها و عدم إشاعتها . فلا تكشفن عما غاب عنك منها : لا تبحثن عما توارى عنك . فإنما عليك تطهير ما ظهر لك : بإقامة الحدود .

[ 59 ]

يحكم على ما غاب عنك ، فاستر العورة ما استطعت يستر اللَّه منك ما تحبّ ستره [ 1 ] من رعيّتك . أطلق عن النّاس عقدة كلّ حقد ، و اقطع عنك سبب كلّ وتر ، و تغاب عن كلّ ما لا يضحّ لك ، و لا تعجلنّ إلى تصديق ساع فإنّ السّاعي غاش ، و إن تشبّه بالنّاصحين [ 2 ] .

[ 1 ] فاستر العورة ما استطعت . . . : العورة : كل ما ستره الإنسان إستنكافا أو حياء . يستر اللَّه منك ما تحب ستره : من عيوبك .

[ 2 ] أطلق عن الناس عقدة كل حقد . . . : العقدة : ما عقدت عليه قلبك . و الحقد : الإنطواء على العداوة ، و التربص لفرصتها . و المراد : ترك الحقد و إضمار الشر للرعيّة . و اقطع عنك سبب كل وتر : وتره : أدركه بمكروه . و المراد : أبعد عنك دواعي الإنتقام . و تغاب : تغافل . عن كل ما لا يضح لك : لم يظهر . و لا تعجلن إلى تصديق ساع : يسعى بالوشاية و النميمة . فإن الساعي غاش و إن تشبه بالناصحين : لأنه يزيّن لك خلاف المصلحة ، و يظهر لك غير ما يضمر .

[ 60 ]

و لا تدخلنّ في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل و يعدك الفقر ، و لا جبانا يضعفك عن الأمور ، و لا حريصا يزيّن لك الشّره بالجور ، فإنّ البخل و الجبن و الحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظّنّ باللَّه [ 1 ] .

[ 1 ] و لا تدخلن في مشورتك بخيلا . . . : لا تشاوره في أمورك .

فإنه يعدل بك : يميل . عن الفضل : عن الفضيلة . و يعدك الفقر : بالإنفاق في وجوه البر اَلشَيطَانُ يَعُدكُم الفَقر وَ يَامُرُكُم بالفَحشَاءِ 2 : 268 . و لا جبانا يضعفك في الأمور : يثبطك عن مقاومة الأعداء . و لا حريصا : جشعا . يزيّن لك الشره : أشد الحرص . بالجور : بالظلم . فإن البخل و الجبن و الحرص غرائز : طبائع و سجايا . يجمعها سوء الظن باللَّه : لم يحسن ظنه باللَّه تعالى متصورا أنه لا يعوّضه على الإنفاق ، و لا ينصره على العدو .

[ 61 ]

إنّ شرّ وزرائك من كان قبلك للأشرار وزيرا ،

و من شركهم في الآثام فلا يكوننّ لك بطانة فإنّهم أعوان الأثمة ، و إخوان الظّلمة ، و أنت واجد منهم خير الخلف ممّن له مثل آرائهم و نفاذهم ، و ليس عليه مثل آصارهم و أوزارهم ممّن لم يعاون ظالما على ظلمه [ 1 ] و لا آثما على إثمه : أولئك أخفّ

[ 1 ] إن شر وزرائك من كان قبلك للأشرار وزيرا . . . : الوزير :

رجل الدولة الذي يختاره رئيس الحكومة للمشاركة في إدارة شؤون الدولة . و من شاركهم في الآثام : في الذنوب . فلا يكونن لك بطانة : بطانة الرجل : خاصته ، و من يكشف لهم أسراره . فإنهم أعوان الأثمة : جمع آثم وَ ما كُنتُ مُتّخذَ المضُلّينَ عضُداً 18 : 51 . و إخوان الظلمة :

مساعدوهم . و المراد : تجنّب هؤلاء لتعاونهم مع الظالمين و استعدادهم لفعل الشر . و أنت واجد منهم خير الخلف :

البديل . ممن له مثل آرائهم و نفاذهم : اصابتهم للأمور .

و ليس عليه مثل آصارهم : ذنوبهم . و أوزارهم : آثامهم . ممن لم يعاون ظالما على ظلمه : صفحتهم بيضاء .

[ 62 ]

عليك مؤونة ، و أحسن لك معونة ، و أحنى عليك عطفا ، و أقلّ لغيرك إلفا ، فاتّخذ أولئك خاصّة لخلواتك و حفلاتك [ 1 ] ، ثمّ ليكن آثرهم عندك أقولهم بمرّ الحقّ لك و أقلّهم مساعدة فيما يكون منك ممّا كره اللَّه لأوليائه واقعا ذلك من هواك حيث وقع [ 2 ] . و الصق بأهل الورع و الصّدق ، ثمّ

[ 1 ] أولئك أخف عليك مؤونة ، و أحسن لك معونة . . . : احتمل مؤنته : قام بكفايته . و المراد : قلّة تكاليفهم ، و كثرة نفعهم . و أحنى عليك عطفا : أشفق عليك ، و أحرص على مصلحتك . و أقل لغيرك ألفا : ألف الشي‏ء : أنس به و أحبّه . و المراد : أن الذين وصفتهم لك إقتصروا في حبهم و مودتهم عليك . فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك و حفلاتك :

إجعلهم بطانتك و ملازمي مجلسك .

[ 2 ] ثم ليكن آثرهم عندك . . . : أخصّهم بك ، و أقربهم منك .

أقولهم بمر الحق : بما يصعب عليك . و أقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره اللَّه لأوليائه : لا يعينك على عمل غير مرضي عند اللَّه تعالى . واقعا ذلك من هواك حيث وقع . و إن كان ذلك العمل مما تهواه و تميل إليه ، و له موقعه من نفسك .

[ 63 ]

رضهم على أن لا يطروك و لا يبجحوك بباطل لم تفعله ، فإنّ كثرة الإطراء تحدث الزّهو و تدني من العزّة [ 1 ] .

و لا يكوننّ المحسن و المسي‏ء عندك بمنزلة سواء فإنّ في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان ، و تدريبا لأهل الإساءة على الإساءة و ألزم كلاّ منهم ما ألزم نفسه [ 2 ] . و اعلم أنّه ليس

[ 1 ] و الصق بأهل الورع و الصدق . . . : ورع : تحرّج و توقى المحارم . و المراد : ملازمة أهل الإيمان و التقوى . ثم رضهم : امنعهم . على أن لا يطروك : لا يثنون عليك . و لا يبجّحوك بباطل لم تفعله : بجّح الشي‏ء : عظّمه . و المراد :

لا ينسبون إليك فضائل و مناقب لم تعملها ، كما يصنع عادة خواص الملوك و الأمراء . فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو :

التيه و التعاظم و الفخر . و تدني من العزّة : الحمية و الأنفة .

[ 2 ] و لا يكونن المحسن و المسي‏ء عندك بمنزلة سواء . . . : بل ينبغي تكريم أهل الإحسان و الحفاوة بهم تثمينا لإحسانهم ،

و العمل بالعكس مع المسيئين تأديبا لهم . فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان : الزهد في الشي‏ء : خلاف الرغبة فيه .

و المراد : إن هذه السيرة تدعو المحسنين الى ترك الإحسان .

و تدريبا لأهل الإساءة على الإساءة : تجعلهم يعتادون ذلك ،

و يستمرون عليه . و الزم كلا منهم ما ألزم نفسه : ما استوجبه و استحقه .

[ 64 ]

شي‏ء بأدعى إلى حسن ظنّ راع برعيّته من إحسانه إليهم و تخفيفه المؤونات عليهم ، و ترك استكراهه إيّاهم على ما ليس له قبلهم فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظّنّ برعيّتك ، فإنّ حسن الظّنّ يقطع عنك نصبا طويلا [ 1 ] و إنّ أحقّ

[ 1 ] و اعلم أنه ليس شي‏ء بادعى الى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم . . . : لأنه يستوجب بإحسانه حبهم ، فإذا أحبوه أطاعوه ، فيحسن ظنه بهم ، و اعتماده عليهم . و تخفيفه المؤونات عليهم : طرح الأعباء الثقيلة عنهم . و ترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم : لا تكرهم على ما لا يستطيعونه من ضرائب و نحوها . فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك : إعمل لهم من الخير و الإحسان ما تستوجب به حبّهم و طاعتهم ، فيحملك على حسن الظن بهم . فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا : النصب :

التعب . و المراد : إن حسن الظن يوفّر عليك جهدا و وقتا كثيرا .

[ 65 ]

من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده [ 1 ] ، و إنّ أحقّ من ساء ظنّك به لمن ساء بلاؤك عنده .

و لا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمّة ، و اجتمعت بها الألفة ، و صلحت عليها الرّعيّة و لا تحدثنّ سنّة تضرّ بشي‏ء من ماضي

[ 1 ] و إن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده . . الخ : البلاء يكون حسنا و سيئا ، و أصله المحنة .

و المراد : إن من شملته بإحسانك و عطفك فخليق أن يكون عند حسن ظنك به ، و كذلك من أسأت إليه أن يحقق ظنك السي‏ء به . و الغرض : الحث على الإحسان للرعيّة .

[ 66 ]

تلك السّنن فيكون الأجر لمن سنّها ، و الوزر [ 1 ] عليك بما نقضت منها .

و أكثر مدارسة العلماء ، و منافثة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك ، و إقامة ما استقام به النّاس قبلك [ 2 ] .

[ 1 ] و لا تنقضن سنّة . . . : نقض الشي‏ء نقضا : أفسده بعد أحكامه . و السنة : الطريقة و السيرة . عمل بها صدر هذه الأمّة : الصحابة الأولون . و اجتمعت بها الألفة : إسم من الإئتلاف ، و هو الالتيام و الإجتماع . و صلحت عليها الرعيّة : كانت لهم صلاحا . و لا تحدثن سنّة تضر بشي‏ء من ماضي تلك السنن : و لا تشرّع نظاما أو تأمر بعمل مخالف لنهج الصالحين . فيكون الأجر لمن سنّها : يقول الإمام الباقر ( ع ) : ( من سنّ سنّة هدي كان له مثل أجر من عمل بذلك من غير أن ينقص من أجرهم شي‏ء ، و أيما عبد من عباد اللَّه سنّ سنّة ضلالة ، كان عليه مثل من فعل ذلك من غير أن ينقص من أوزارهم شي‏ء ) . و الوزر عليك بما نقضت منها .

الوزر : الذنب .

[ 2 ] و أكثر مدارسة العلماء . . . : مذاكرتهم بأحكام الشريعة و منافثة الحكماء : محادثة أهل الحكمة ، و هم : أهل العقل ، و العلم ، و العمل به ، و الإصابة في الأمور . في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك : بما ينفع البلاد و أهلها من مشاريع و غيرها . و إقامة ما استقام به الناس قبلك : أستتم كل عمل كان لهم قواما و صلاحا .

[ 67 ]

و اعلم أنّ الرّعيّة طبقات لا يصلح بعضها إلاّ ببعض ، و لا غنى ببعضها عن بعض [ 1 ] فمنها جنود اللَّه ، و منها كتّاب العامّة و الخاصّة ، و منها قضاة العدل و منها عمّال الإنصاف و الرّفق ، و منها أهل الجزية و الخراج من أهل الذّمّة و مسلمة النّاس ، و منها التّجّار و أهل الصّناعات ، و منها الطّبقة السّفلى من ذوي الحاجة و المسكنة ، و كلّ

[ 1 ] و اعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلاّ ببعض . . . :

فهم كجهاز كبير ، مرتبط الأجزاء ، متكامل الصنعة . و لا غنى ببعضها عن بعض : كل جزء منه متمم للآخر .

[ 68 ]

قد سمّى اللَّه له سهمه [ 1 ] . و وضع على حدّه فريضة في كتابه أو سنّة نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم عهدا منه عندنا محفوظا .

فالجنود ، بإذن اللَّه ، حصون الرّعيّة ، و زين

[ 1 ] فمنها جنود اللَّه . . . : الجيش الإسلامي . و منها كتّاب العامة و الخاصة : و هم الذين يكتبون للناس عقود البيع و الشراء و غيرها ، كدوائر الطابو و كتّاب العدل في عصرنا .

و منها قضاة العدل : الذين يقضون بين المتنازعين . و منها عمال الإنصاف و الرفق : المنفذون لأحكام القضاء ، و ما نسميه اليوم بجهاز الشرطة ، لذا لزم إتصافهم بالإنصاف و الرفق . و منها أهل الجزية و الخراج من أهل الذمّة :

الجزية : الضريبة التي يدفعها غير المسلم عوضا عن الزكاة التي يدفعها المسلم . و الخراج : ما يحصل من غلّة الأرض . و أهل الذمّة : اليهود و النصارى الداخلين في ذمة الإسلام ( في حمايته ) . و مسلمة الناس : عامة الشعب المسلم . و منها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة و المسكنة : الفقراء . و كلّ قد سمّى اللَّه له سهمه : ما يستحقه من عطاء .

[ 69 ]

الولاة ، و عزّ الدّين ، و سبل الأمن ، و ليس تقوم الرّعيّة إلاّ بهم [ 1 ] ، ثمّ لا قوام للجنود إلاّ بما يخرج اللَّه لهم من الخراج الّذي يقوون به على جهاد عدوّهم ، و يعتمدون عليه فيما يصلحهم ،

و يكون من وراء حاجتهم [ 2 ] ، ثمّ لا قوام لهذين الصّنفين إلاّ بالصّنف الثّالث من القضاة و العمّال و الكتّاب ، لما يحكمون من المعاقد [ 3 ] و يجمعون

[ 1 ] فالجنود بإذن اللَّه حصون الرعيّة . . . : الحصن : الموضع المنيع ، و المراد : بوجودهم يهابون و تنقاد لهم البلاد . و عز الدين : منعة لأهل الدين و إعزاز لأهله . و سبل الأمن :

لحفظ البلاد من الإضطربات الداخلية ، و ضرب المجرمين و المخرّبين . و ليس تقوم الرعيّة إلاّ بهم : لا غنى للشعب عنهم ، و هم الحماة الذين يردّون عادية الأعداء .

[ 2 ] يكون من وراء حاجاتهم : يسد إحتياجاتهم ، و يكفي لسد نفقاتهم .

[ 3 ] يحكمون من المعاقد جمع معقد : العقود و القرارات ،

و إتفاقيات البيع و الشراء التي ينظمها القضاة للشعب .

[ 70 ]

من المنافع ، و يؤتمنون عليه من خواصّ الأمور و عوامّها ، و لا قوام لهم جميعا إلاّ بالتّجّار و ذوي الصّناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم [ 1 ] و يقيمونه من أسواقهم ، و يكفونهم من التّرفّق [ 2 ] بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم ، ثمّ الطّبقة السّفلى من أهل الحاجة و المسكنة الّذين يحقّ رفدهم [ 3 ] و معونتهم و في اللَّه لكلّ سعة ،

و لكلّ على الوالي [ 4 ] حقّ بقدر ما يصلحه .

[ 1 ] من مرافقهم : ما يرتفق و ينتفع و يستعان به . و المراد :

تصديرهم و استيرادهم للبضائع التي ينتفع بها الناس .

[ 2 ] الترفّق : التكسّب .

[ 3 ] رفدهم : عطاؤهم و صلتهم .

[ 4 ] و في اللَّه لكل سعة . . . : في حكم اللَّه لكل من هؤلاء ما يسعه و يكفيه . و لكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه : يقيم به أمره . و ليس يخرج الوالي . . الخ : مسؤول عن هذه الحقوق و إيصالها الى أصحابها ، كما هو مسؤول عن كل صغيرة و كبيرة تتعلق بحمايتهم ، أورد العدوان عنهم ، أو ما يصلح به شأنهم . قال أحد الآمرين بالمعروف للرشيد في أيام الحج : ترى هؤلاء الحجاج ؟ إن كل واحد مسؤول عن نفسه و أنت مسؤول عنهم جميعا .

[ 71 ]

و ليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه اللَّه من ذلك إلاّ بالاهتمام و الاستعانة باللَّه ، و توطين نفسه على لزوم الحقّ ، و الصّبر عليه فيما خفّ عليه أو ثقل . فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك للَّه و لرسوله و لامامك ، و أطهرهم جيبا و أفضلهم حلما : ممّن يبطى‏ء عن الغضب ،

و يستريح إلى العذر ، و يرأف بالضّعفاء ، و ينبو على الأقوياء و ممّن لا يثيره العنف ، و لا يقعد به الضّعف [ 1 ] .

[ 1 ] فولّ جنودك . . . : قيادة الجيش . أنصحهم : أكثرهم إخلاصا للاسلام و المسلمين . في نفسك : ممن إعتقدت به ذلك . و أطهرهم جيبا : جيب القميص : ما يدخل منه الرأس عند لبسه . و المراد : العفيف الأمين و الحديث : ( أنسك الناس أنصحهم جيبا ) و أفضلهم حلما : عقلا . ممن يبطى‏ء عن الغضب : لا يغضب . و يستريح الى العذر : يقبله .

و ينبو على الأقوياء : يشتد . و ممن لا يثيره : لا يهيجه .

العنف : القسوة . و لا يقعد به الضعف : عن تحقيق الهدف .

[ 72 ]

ثمّ الصق بذوي المروءات و الأحساب و أهل البيوتات الصّالحة و السّوابق الحسنة ، ثمّ أهل النّجدة و الشّجاعة و السّخاء و السّماحة فإنّهم جماع من الكرم ، و شعب من العرف [ 1 ] ، ثمّ تفقّد من أمورهم ما يتفقّد الوالدان من ولدهما ،

[ 1 ] ثم ألصق . . . : ألزمهم ، و استعن بهم . بذوي المروءات و الأحساب :

من كان لهم و لآبائهم شرف ثابت متعدد النواحي . و أهل البيوتات الصالحة : الأسر المعروفة بالإيمان و الصلاح .

و السوابق الحسنة : أهل الماضي الجيّد . ثم أهل النجدة :

الشجاعة و البسالة . فإنهم جماع من الكرم : مجمعه و مظنته . و شعب : أقسام . من العرف : المعروف .

[ 73 ]

و لا يتفاقمنّ في نفسك شي‏ء قوّيتهم به ، و لا تحقرنّ لطفا تعاهدتهم به و إن قلّ ، فإنّه داعية لهم إلى بذل النّصيحة لك ، و حسن الظّنّ بك [ 1 ] . و لا تدع تفقّد لطيف أمورهم اتّكالا على جسيمها فإنّ لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به ،

و للجسيم موقعا لا يستغنون عنه [ 2 ] .

[ 1 ] و لا يتفاقمن في نفسك شي‏ء قويتهم به . . . : تفاقم :

عظم . و المراد : لا تستكثر و تستعظم خيرا و صلتهم به . و لا تحقرن لطفا تعاهدتهم به و إن قل : ألطف فلانا كذا : أتحفه به . و تعهد فلانا : تفقده و رعاه . و المراد : واصلهم بالإحسان و إن قلّ لأنه أفضل من الحرمان . فإنه داعية لهم الى بذل النصيحة لك : لأنه يدعو الى حبّك و الإخلاص لك . و حسن الظن بك : الثقة بمعروفك .

[ 2 ] و لا تدع تفقد لطيف أمرهم : لطف الشي‏ء : صغر حجمه .

إتكالا على جسيمها : عظيمها . و المراد : تعاهدهم في كبير الأمور و صغيرها . فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به :

إن القليل من رعايتك و عطيتك موقعها الجميل منهم .

و للجسيم موقعا لا يستغنون عنه : و للعظيم من رعايتك و عطيتك الأثر الكبير في نفوسهم .

[ 74 ]

و ليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته و أفضل عليهم من جدته ، بما يسعهم و يسع من وراءهم من خلوف أهليهم ، حتّى يكون همّهم همّا واحدا في جهاد العدوّ [ 1 ] فإنّ عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك [ 2 ] و إنّ أفضل قرّة عين الولاة استقامة العدل في البلاد ، و ظهور مودّة

[ 1 ] و ليكن آثر رؤوس جندك . . . : المختار المفضّل عندك .

من واساهم : ساعدهم في معونته : أعانهم . و أفضل عليهم من جدته : غنائه . بما يسعهم و يسع من ورائهم : من غاب عنهم من عيالهم . من خلوف أهليهم : من خلّفوهم من أهلهم . حتى يكون همّهم همّا واحدا في جهاد العدو :

بانصرافهم كليا للجهاد ، و لا ينشغل فكرهم بمعاش أهلهم .

[ 2 ] فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك : يقابلونك بمثل ما تقابلهم من الود و الحب .

[ 75 ]

الرّعيّة ، و إنّه لا تظهر مودّتهم إلاّ بسلامة صدورهم ، و لا تصحّ نصيحتهم إلاّ بحيطتهم على ولاة الأمور و قلّة استثقال دولهم ، و ترك استبطاء انقطاع مدّتهم [ 1 ] فافسح في آمالهم و واصل في حسن الثّناء عليهم و تعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم فإنّ كثرة الذّكر لحسن أفعالهم تهزّ

[ 1 ] و إن أفضل قرة عين الولاة . . . : إن أعظم شي‏ء يسرّهم و يفرحهم . إستقامة العدل في البلاد : إن يشاهدوا بلادهم يسودها العدل . و ظهور مودّة الرعيّة : حب الشعب لهم .

و إنه لا تظهر مودّتهم إلاّ بسلامة صدورهم : من الحقد و الغش . و لا تصح نصيحتهم إلاّ بحيطتهم على ولاة أمورهم : حاطه يحوطه حوطا و حياطة : إذا حفظه و صانه ،

و ذبّ عنه ، و توفّر على مصالحه . و قلّة إستثقال دولهم : لا يجدون أيام الدولة ثقيلة عليهم فيتمنون زوالها . و ترك إستبطاء : إستبطأه : عدّه بطيئا . و المراد : فهم لكرههم لهم يجدون القليل من عمرهم طويلا . و إنقطاع مدتهم : ذهاب دولتهم .

[ 76 ]

الشّجاع ، و تحرّض النّاكل [ 1 ] ، إن شاء اللَّه .

ثمّ اعرف لكلّ امرى‏ء منهم ما أبلى ، و لا تضيفنّ بلاء امرى‏ء إلى غيره ، و لا تقصّرنّ به دون غاية بلائه ، و لا يدعونّك شرف امرى‏ء إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا ، و لا ضعة [ 2 ]

[ 1 ] فافسح في آمالهم . . . : إجعل آمالهم في إحسانك و معروفك واسعة . و واصل في حسن الثناء عليهم : لا تقطع مدحك لهم ، و إطرائك لصنيعهم ، لما له من أثر كبير في نفوسهم .

و تعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم : أبلى في الأمر : إجتهد و بالغ . تهز الشجاع : تحركه . و المراد : تزيده إقداما .

و تحرّض : تحث . و نكل : نكص ( رجع الى الخلف ) .

[ 2 ] و لا تضيفن بلاء امرى‏ء الى غيره . . . : تنسب عمله لآخر .

و لا تقصرن به دون غاية بلائه : لا تتهاون في إكرامه ، و تعجز عن تثمين حقوقه . و لا يدعونك شرف إمرى‏ء الى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا : تدعوك مكانته و شخصيته الى تعظيم القليل من جهده ، و اليسير من عمله . و لا ضعة امرى‏ء إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما : الضعة : خلاف الرفعة في القدر ، و يراد بها الخسّة . و المراد : ربّ جندي ممن وصفنا قام ببطولة و عمل مشرّف ، فينبغي أن لا يهضم حقّه ، و يترك ما يلزم لمثله .

[ 77 ]

امرى‏ء إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما .

و اردد إلى اللَّه و رسوله ما يضلعك من الخطوب [ 1 ] و يشتبه عليك من الأمور فقد قال اللَّه تعالى لقوم أحبّ إرشادهم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ، فَإنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ فالرّدّ إلى اللَّه : الأخذ بمحكم كتابه ، و الرّدّ إلى الرّسول : الأخذ بسنّته الجامعة

[ 1 ] و اردد الى اللَّه و رسوله ما يضلعك . . . : يثقل عليك من الأمور : ( يعسر فهمه ) . من الخطوب جمع خطب : الأمر الشديد يكثر فيه التخاطب . و يشتبه عليك من الأمور :

يلتبس .

[ 78 ]

غير المفرّقة [ 1 ] .

ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأمور ، و لا تمحكه الخصوم ، و لا يتمادى في الزّلّة ، و لا يحصر من الفي‏ء إلى الحقّ إذا عرفه ، و لا تشرف نفسه على طمع ، و لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه و أوقفهم في الشّبهات ، و آخذهم بالحجج ،

و أقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم ، و أصبرهم على تكشّف الأمور ، و أصرمهم عند اتّضاح الحكم [ 2 ] ممّن لا يزدهيه إطراء ، و لا يستميله

[ 1 ] الأخذ بمحكم كتابه . . . : الآيات الظاهرة الدالة على المقصود . بسنته : ما صدر عنه من قول و فعل . و الجامعة :

التي أجمع عليها المسلمون . غير المفرّقة : التي لم يحصل الإجماع على صدورها .

[ 2 ] ثم إختر للحكم . . . : للقضاء . ممن لا تضيق به الأمور :

تشق عليه ، و يعجز عن الفصل فيها . و لا تمحكه الخصوم :

محك : لجّ في المنازعة . و الخصوم جمع خصم : المنازع .

و لا يتمادى : يمضي بالأمر بلا مبالاة . في الزلة : عند السقطة و الخطيئة . و لا يحصر : يضيق صدره . من الفي‏ء الى الحق : الرجوع إليه . و لا تشرف نفسه على طمع :

أشرف عليه : إطلع من فوق . و الطمع : الرغبة في الشي‏ء و اشتهاؤه . و المراد : لا يحدّث نفسه بذلك صيانة لدينه . و لا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه : بل يستقصي الأمر ، و يحيط بجميع جوانبه طلبا للحق . و أوقفهم في الشبهات : يتوقف عن الحكم عند ما تشتبه عليه الأمور . و آخذهم بالحجج :

بالأدلّة و البراهين . و أقلهم تبرّما بمراجعة الخصم : لا يسأم و لا يضجر . و اصبرهم على تكشّف الأمور : لاستخراج الحقائق . و أصرمهم عند اتضاح الحكم : باتّ في أمره ،

ماض في حكمه .

[ 79 ]

إغراء [ 1 ] ، و أولئك قليل ، ثمّ أكثر تعاهد قضائه و افسح له في البذل ما يزيح علّته ، و تقلّ معه

[ 1 ] ممن لا يزدهيه . . . : لا يستخفه . إطراء : مدح و حسن ثناء . و لا يستميله : لا ينحرف عن الإستقامة . إغراء :

تحريض .

[ 80 ]

حاجته إلى النّاس [ 1 ] ، و أعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك ليأمن بذلك اغتيال الرّجال له عندك ، فانظر في ذلك نظرا بليغا [ 2 ] فإنّ هذا الدّين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار : يعمل فيه بالهوى ، و تطلب به الدّنيا [ 3 ] .

[ 1 ] ثم أكثر تعاهد قضائه . . . : تفقد أحكامه لتتبيّن صحتها .

و أفسح له في البذل : في العطاء . ما يزيح علته : كي لا تسوّل نفسه الخيانة . و تقل معه حاجته الى الناس : يستغني بذلك عن الرشوة و الهدية .

[ 2 ] و أعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك . . . : إجعل منزلته عندك ارفع من منزلة جميع خواصك و أعوانك ، حتى لا يجرؤ أحد منهم على كيده ،

و السعي في أذيته . ليأمن بذلك إغتيال الرجال له عندك :

إغتاله : أخذه من حيث لا يدري فأهلكه . فانظر في ذلك نظرا بليغا : تدبّر و افهم ما ذكرته لك ، و اعمل به .

[ 3 ] فإن هذا الدين قد كان أسيرا . . . : محبوسا . و المراد : يتلاعب بأحكامه . في أيدي الأشرار : كالوليد بن عقبة ، و إبن أبي سرح و غيرهما من عمال الأمويين . يعمل فيه بالهوى : بما تميل إليه نفوسهم ، و تشتهيه أهواؤهم . و تطلب به الدنيا :

بدلا من الآخرة .

[ 81 ]

ثمّ انظر في أمور عمّالك فاستعملهم اختبارا ، و لا تولّهم محاباة و أثرة فإنّهم جماع من شعب الجور و الخيانة [ 1 ] و توخّ منهم أهل التّجربة و الحياء من أهل البيوتات الصّالحة و القدم في الإسلام [ 2 ] المتقدّمة فانّهم أكرم أخلاقا ، و أصحّ

[ 1 ] فاستعملهم إختبارا . . . : بعد تجربة . و لا تولهم محاباة و أثرة : حاباه : إختصه و مال إليه . و آثره : إختاره و فضله .

و جماع : الشي‏ء : مجمعه و مظنته . من شعب الجور و الخيانة : ضروبا و أصنافا منهما .

[ 2 ] و توخّ منهم أهل التجربة و الحياء . . . : توخى الأمر : قصد إليه و تعمّد فعله . و المراد : فتش عمن سبقت له تجربة و عمل ، و ممن يكرم نفسه و ينزهها عن القبيح . من أهل البيوتات الصالحة : الأسر المعروفة بالخير و الصلاح . و القدم .

في الإسلام المتقدمة : لهم فضيلة السبق الى الإسلام وَ السَّابقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ وَ الأنصَار 9 : 100 .

و المراد : أن البيئة الصالحة التي عاشوا فيها جعلتهم أكفاء صالحين .

[ 82 ]

أعراضا و أقلّ في المطامع إشرافا ، و أبلغ في عواقب الأمور نظرا [ 1 ] . ثمّ أسبغ عليهم الأرزاق فإنّ ذلك قوّة لهم على استصلاح أنفسهم ، و غنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، و حجّة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك [ 2 ] ثمّ تفقّد أعمالهم

[ 1 ] فإنهم أكرم أخلاقا . . . : طابت أخلاقهم ، و تنزهت فعالهم .

و أصح أعراضا : حفاظا على الأعراض . و أقل في المطامع إشرافا : أشرف عليه : إطلع من فوق . و المراد : نفسه لا تتطلع الى المطامع . و أبلغ في عواقب الأمور نظرا :

العاقبة : آخر كل شي‏ء و خاتمته . و المراد : يحسنون التصرف ، و يحسبون للأمور حسابا دقيقا .

[ 2 ] ثم أسبغ عليهم الأرزاق . . . : أتمها و أكملها . فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم : تجعلهم أكثر قدرة على الإستقامة . و غنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم : من أموال المسلمين . و حجّة عليهم أن خالفوا أمرك : لا عذر لهم بعد ذلك على المخالفة . أو ثلموا أمانتك : ثلم الجدار و غيره ثلما : أحدث فيه شقا . و المراد بذلك الخيانة . و أمانتك : ما بيدك من بلاد المسلمين و أموالهم .

[ 83 ]

و ابعث العيون من أهل الصّدق و الوفاء عليهم [ 1 ] ،

فإنّ تعاهدك في السّرّ لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة ، و الرّفق بالرّعيّة [ 2 ] و تحفّظ من الأعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا فبسطت عليه العقوبة في بدنه ،

[ 1 ] ثم تفقد أعمالهم . . . : دقق النظر فيها . و ابعث العيون :

الرقباء ( الجواسيس ) من أهل الصدق و الوفاء : يخبرونك عنهم بالصدق .

[ 2 ] فإن تعاهدك في السر لأمورهم . . . : تفقدك لأعمالهم . حدوة لهم : حثّ . على استعمال الأمانة : الإلتزام بها . و الرفق بالرعية : و حسن الصنيع لهم .

[ 84 ]

و أخذته بما أصاب من عمله ، ثمّ نصبته بمقام المذلّة ، و وسمته بالخيانة ، و قلّدته عار التهمة [ 1 ] .

و تفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله فإنّ في صلاحه و صلاحهم صلاحا لمن سواهم و لا صلاح لمن سواهم إلاّ بهم لأنّ النّاس كلّهم

[ 1 ] و تحفظ . . . : إحترز . من الأعوان : المعاونين له في إدارة البلد من كافة الموظفين . و المراد : كن حذرا . فإن أحدا منهم بسط يده الى خيانة : مدّها . إجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك : أجمعوا على خيانته . فبسطت عليه العقوبة في بدنه : أدبته ، و إن إستوجب حدّا أقمته عليه . و أخذته بما أصاب من عمله : إسترجعت منه ما سرقه من أموال المسلمين . ثم نصبته بمقام المذلّة : بما يلزمه من سجن و توهين . و وسمته بالخيانة : السمة : العلامة . و المراد :

فضحته بخيانته ، تأديبا له و لغيره . و قلدته عار التهمة : قلّده القلادة : جعلها في عنقه . و المراد : ألزمته عارها .

[ 85 ]

عيال على الخراج و أهله [ 1 ] . و ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأنّ ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة ، و من طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد و أهلك العباد ، و لم يستقم أمره إلاّ قليلا [ 2 ] فإن شكوا

[ 1 ] و تفقد أمر الخراج . . . : أعطه العناية اللازمة . بما يصلح أهله : تعاهدهم بما يصلح به شأنهم . فإن في صلاحه و صلاحهم صلاحا لمن سواهم : من عامة الشعب . و صلاحا لمن سواهم : من عامة الناس . إلاّ بهم : إلاّ بصلاح أهل الخراج . لأن الناس كلهم عيال على الخراج و أهله :

عيال الرجل : أهل البيت الذين ينفق عليهم . و المراد :

الخراج : المصدر الحيوي للأمّة أجمع .

[ 2 ] و ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج : إجعل إهتمامك منصبا في استصلاح الأرض و عمارتها ، و ما يلزم ذلك من مشاريع الري و غيرها ، أكثر من اهتمامك بجباية الخراج . لأن ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة : لا يحصل لك الخراج إلاّ بإستصلاح الأرض . و من طلب الخراج بغير عمارة : من كري الأنهار ، و شق القنوات اللازمة لها ،

و غير ذلك . أخرب البلاد : آل أمرها الى الخراب . و أهلك العباد : أفقرهم و جعلهم يهاجرون عنها . و لم يستقم أمره إلاّ قليلا : يعزل أو يقتل .

[ 86 ]

ثقلا أو علّة أو انقطاع شرب أو بالّة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش خفّفت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم [ 1 ] . و لا يثقلنّ عليك شي‏ء خفّفت به المؤونة عنهم فإنّه ذخر يعودون به

[ 1 ] فإن شكوا ثقلا . . . : شق عليهم دفع ما ألزموا به . أو انقطاع شراب : من جفاف الأنهار و غيرها . أو علّة : سببت لهم قلّة الإنتاج : من جراد و غيره . أو بالة : ما يبل به الأرض و المراد به المطر . أو إحالة أرض إغتمرها غرق : غمر الشي‏ء : علاه و ستره . و المراد : الأرض التي غرقت بفيضان الأنهار . أو أجحف بها عطش : أجحف به : إشتد في الاضرار به . و المراد : الأرض التي قلّ ماؤها أو انقطع ، و لم تعد صالحة للزراعة . خففت عنهم بما ترجو ان يصلح به أمرهم : تركت لهم من الخراج بالقدر الذي يستعيدون به إستصلاح أرضهم .

[ 87 ]

عليك في عمارة بلادك ، و تزيين ولايتك ، مع استجلابك حسن ثنائهم ، و تبجّحك باستفاضة العدل فيهم معتمدا فضل قوّتهم ، بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم و الثّقة منهم بما عوّدتهم من عدلك عليهم و رفقك بهم [ 1 ] ، فربّما حدث

[ 1 ] و لا يثقلن عليك شي‏ء خففت به المؤونة عنهم . . . : لا يشق عليك تخفيف الخراج عنهم . فإنه ذخر : ذخر الشي‏ء جمعه و حفظه لوقت الحاجة . يعودون : يرجعون به عليك .

في عمارة بلادك : في إصلاح ما خرب منها . و تزيين ولايتك :

تحسينها و تجميلها بالزراعة . مع استجلابك حسن ثنائهم :

تستوجب بذلك منهم المدح و الإطراء . و التبجح : الفخر .

باستفاضة العدل فيهم : بتحقيق العدالة في بلدك . معتمدا فضل قوتهم بما ذخرت عندهم : مدخرا لهذا الإحسان عندهم قوّة يمدونك بها عند حاجتك إليها . من إجمامك إليهم : إراحتك لهم . و الثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم : حصلت على ثقتهم لما رأوا من عدلك و حسن سيرتك . في رفقك بهم : في حسن صنيعك معهم .

[ 88 ]

من الأمور ما إذا عوّلت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به [ 1 ] فإنّ العمران محتمل ما حمّلته ،

و إنّما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها ، و إنّما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع و سوء ظنّهم بالبقاء ، و قلّة انتفاعهم بالعبر [ 2 ] .

[ 1 ] فربما حدث من الأمور . . . : الأمر الحادث : المنكر غير المعتاد . عوّلت فيه عليهم : إعتمدت و اتكلت به عليهم .

إحتملوه : صبروا عليه . طيبة أنفسهم : سمحت به نفوسهم .

[ 2 ] فإن العمران محتمل ما حملته . . . : فإنك إذا أصلحت البلد ، و ازدهر بالعمران ، و كثرت خيراته ، فيمكنك حينئذ زيادة الضرائب . و إنما يؤتى خراب الأرض من أعواز أهلها :

حاجتهم و فقرهم . و إنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع : نفوسهم متطلعة على جمع الأموال . و سوء ظنهم بالبقاء : فهم لسوء تصرفهم و قبح سيرتهم على يقين من قصر ولايتهم و انقطاع مدتهم . و قلّة إنتفاعهم بالعبر :

بالمواعظ .

[ 89 ]

ثمّ انظر في حال كتّابك فولّ على أمورك خيرهم و اخصص رسائلك الّتي تدخل فيها مكائدك و أسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق [ 1 ] ممّن لا تبطره الكرامة فيجترى‏ء بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ ، و لا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمّالك عليك و إصدار جواباتها على الصّواب عنك فيما يأخذ لك و يعطي منك ، و لا يضعف عقدا اعتقده لك ، و لا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك [ 2 ] ، و لا يجهل مبلغ قدر

[ 1 ] ثم انظر في حال كتابك . . . : مكتبك الخاص . فول على أمورك خيّرهم : إجعل رئاسته لاتقاهم و أفضلهم . و أخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك و أسرارك : العسكرية .

بأجمعهم لوجود صالح الأخلاق : الجامع المكارم الأخلاق ،

و محاسن الشيم .

[ 2 ] ممن لا تبطره الكرامة . . . : لا يستخفّها و يكفرها . فيجترى‏ء بها عليك في خلاف لك : لا ينفذ أوامرك . بحضرة ملأ جماعة . و لا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك : لا يسهو عما يجب أن يطلعك عليه من الرسائل .

و إصدار جواباتها على الصواب عنك : و إنفاذ جواباتها بالشكل الصحيح . و فيما يأخذ لك : من حقوق و يعطي منك : من حقوق . و المراد : حسن معرفته و نظره الصائب في الأمور بحيث لا يظلم و لا يظلم . و لا يضعف عقدا أعتقده لك : العقد : إتفاق بين طرفين ، يلتزم كل منهما بتنفيذ ما اتفقا عليه . و المراد : يحكم العقود التي يجريها لك . و لا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك : يتمكن من حل العقود المضرة لك .

[ 90 ]

نفسه في الأمور فإنّ الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل [ 1 ] ، ثمّ لا يكن اختيارك إيّاهم على فراستك و استنامتك و حسن الظّنّ منك فإنّ الرّجال يتعرّضون لفراسات الولاة بتصنّعهم و حسن خدمتهم ، و ليس وراء ذلك من النّصيحة و الأمانة

[ 1 ] و لا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور . . . : يعرف منزلته فلا يتجاوزها . فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل :

يجهل حقوق الآخرين .

[ 91 ]

شي‏ء [ 1 ] ، و لكن اختبرهم بما ولّوا للصّالحين قبلك : فاعمد لأحسنهم كان في العامّة أثرا ،

و أعرفهم بالأمانة وجها ، فإنّ ذلك دليل على نصيحتك للَّه [ 2 ] و لمن ولّيت أمره ، و اجعل لرأس

[ 1 ] ثم لا يكن إختيارك إياهم على فراستك . . . : مهارتك في تعرّف بواطن الأمور من ظواهرها . و إستنامتك : سكونك إليهم ، و ثقتك بهم . و حسن الظن منك : بهم . فإن الرجال يتعرضون لفراسات الولاة : يتصدّون للفور بها . بتصنعهم :

بتظاهرهم بما ليس فيهم . و حسن خدمتهم : يتزلّفون بها .

و ليس وراء ذلك من النصيحة و الأمانة شي‏ء : ليس لديهم نصيحة و لا حفظ لما يؤتمنون عليه .

[ 2 ] و لكن أختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك . . . : من الأعمال فاحسنوا في إدارتها ، و أيضا فإن ذلك يدل على ماضيهم الجيد و طهارتهم . فاعمد لأحسنهم كان في العامة أثرا : ممن يعرف بخدماته للبلاد . و أعرفهم بالأمانة وجها : الوجه :

نفس الشي‏ء و ذاته . و المراد : أعرفهم بحرمتها و مكانتها من الدين . فإن ذلك دليل على نصيحتك للَّه : إخلاصك في طاعته ، و نصيحتك لعباده .

[ 92 ]

كلّ أمر من أمورك رأسا منهم لا يقهره كبيرها ، و لا يتشتّت عليه كثيرها [ 1 ] ، و مهما كان في كتّابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته [ 2 ] . ثمّ استوص بالتّجّار و ذوي الصّناعات و أوص بهم خيرا [ 3 ] : المقيم منهم و المضطرب بماله ، و المترفّق ببدنه فإنّهم

[ 1 ] و اجعل لرأس كل أمر من أمورك رأسا منهم : إجعل لكل قسم من أقسام الأعمال رئيسا ، و هو عين النظام المعمول به في العالم : فللتجارة رئيس ( وزير ) و للصناعة رئيس ، و للصحة رئيس الخ . لا يقهره كبيرها : لا يغلبه . و المراد : متمكن من الإضطلاع بها ، و الخروج من مآزقها . و لا يتشتت : لا يتفرّق . عليه كثيرها : لا يعسر عليه إدارتها .

[ 2 ] و مهما كان في كتابك من عيب . . . : وصمة ( عار ) فتغابيت عنه : تغافلت . ألزمته : لصق بك عيبهم و قصورهم .

و المراد : تنبه لذلك فإن عيوبهم تلحقك .

[ 3 ] أوص بهم خيرا : أطلب من الكتاب ، و جميع السلك الحكومي الإحسان إليهم ، و الإهتمام بأمرهم ، و رعاية حقوقهم .

[ 93 ]

موادّ المنافع ، و أسباب المرافق و جلاّبها من المباعد و المطارح في برّك و بحرك و سهلك و جبلك ، و حيث لا يلتئم النّاس لمواضعها ، و لا يجترئون عليها [ 1 ] فإنّهم سلم لا تخاف بائقته و صلح لا تخشى غائلته [ 2 ] ، و تفقّد أمورهم

[ 1 ] المضطرب بماله . . . : يدور بتجارته البلاد . و المترفق ببدنه : العامل . فإنهم مواد المنافع : مصادر الثروة .

و أسباب المرافق : المنافع . و جلابها من المباعد و المطارح : الأماكن البعيدة . في برّك و بحرك و سهلك و جبلك : يدورون بتجارتهم في البر و البحر و السهل و الجبل .

و المراد : بيان ما يعانونه فيها من مشاق ، و إنهم جديرون بالرعاية . و حيث لا يلتئم الناس لمواضعها : لا يجتمعون لطلبها . و المراد : لو لا هؤلاء التجار ، و دورهم في الإستيراد و التصدير لكسدت معظم البضائع . و لا يجترئون عليها :

يتهيبون ذلك خوفا من المخاطر .

[ 2 ] فإنهم سلم لا تخاف بائقته . . . : شرّه . و صلح لا تخشى غائلته : داهيته . و المراد : نفع لا ضرر معه .

[ 94 ]

بحضرتك و في حواشي بلادك [ 1 ] . و اعلم مع ذلك أنّ في كثير منهم ضيقا فاحشا ، و شحّا قبيحا ، و احتكارا للمنافع ، و تحكّما في البياعات ،

و ذلك باب مضرّة للعامّة ، و عيب على الولاة [ 2 ] فامنع من الاحتكار فإنّ رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ، منع منه . و ليكن البيع بيعا سمحا : بموازين عدل ، و أسعار لا تجحف ،

[ 1 ] و تفقد أمورهم بحضرتك . . . : تعرّف على أحوالهم لتمد لهم يد المعونة و المساعدة . و في حواشي بلادك : أطرافها .

و المراد : إبحث عن أحوالهم فيما نأى عنك من أطراف البلاد .

[ 2 ] و اعلم أن في كثير منهم ضيقا فاحشا . . . : بخلا . و شحّا قبيحا : بخلا . و احتكارا للمنافع : حكر السلعة : جمعها لينفرد بالتصرف فيها . و تحكما في البياعات : إستبد و طلب ببضاعته ثمنا عاليا . و ذلك باب مضرّة للعامة : عموم الشعب . و عيب على الولاة : و صمة على الولاة أن يعاني شعبهم الغلاء .

[ 95 ]

بالفريقين [ 1 ] من البائع و المبتاع فمن قارف حكرة بعد نهيك إيّاه فنكّل به و عاقبه في غير إسراف [ 2 ] .

ثمّ اللَّه اللَّه في الطّبقة السّفلى من الّذين لا حيلة لهم من المساكين و المحتاجين و أهل البؤسى و الزّمنى [ 3 ] فإنّ في هذه الطّبقة قانعا و معترّا [ 4 ]

[ 1 ] فامنع من الإحتكار . . . : ما أمر به الإمام عليه السلام قبل أربعة عشر قرنا يعمل به اليوم ، بل يعطى الأهمية القصوى ،

فلكل دولة جهاز كبير في مراقبة الأسعار ، و منع الإحتكار .

و ليكن البيع بيعا سمحا : يتساهل فيه . بموازين عدل : لا تطفيف فيها . و أسعار لا تجحف بالفريقين : أجحف به :

إشتد في الاضرار به . و المراد : بأسعار مقبولة للطرفين .

[ 2 ] فمن قارف . . . : قارب و خالط . حكرة : إحتكارا . فنكّل به : أدّبه كي يرتدع هو و غيره . و عاقبه في غير إسراف : لا تتجاوز الحد المعقول .

[ 3 ] اللَّه اللَّه . . . : إتق اللَّه فيهم . و البؤسى : الفقراء الذين إشتدت حاجتهم . و الزمانة : مرض يدوم .

[ 4 ] فإن في هذه الطبقة قانعا . . . : الذي يقنع بما أعطي ، أو بما عنده و لا يسأل . و معترا : الذي يتعرض لك أن تعطيه و يسأل وَ أطعموا القَانِعَ وَ المعتَرَّ 22 : 36 .

[ 96 ]

و احفظ للَّه ما استحفظك من حقّه فيهم [ 1 ] ،

و اجعل لهم قسما من بيت مالك ، و قسما من غلاّت صوافي الإسلام [ 2 ] في كلّ بلد فإنّ للأقصى منهم مثل الّذي للأدنى ، و كلّ قد استرعيت حقّه فلا يشغلنّك عنهم بطر فإنّك لا تعذر بتضييعك التّافه لإحكامك الكثير المهمّ [ 3 ] ،

[ 1 ] و احفظ للَّه . . . : أحذره . ما إستحفظك من حقه فيهم : ما أئتمنك عليه من حقوقهم .

[ 2 ] الغلات جمع غلّة : الدخل من كراء دار ، أو ريع أرض .

و صوافي الإسلام : الأرض التي لم يوجف عليها بخيل و لا رجال ، فهي خالصة لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله ، تصرف وارداتها على الفقراء وَ مَا أفاءَ اللَّه عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُم فَمَا أو جَفتُم عَلَيهِ من خيلٍ وَ لاَ رِكَابٍ . . . 59 : 6 .

[ 3 ] فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى . . . : لا تختص بفقراء بلد دون بلد ، بل هي لفقراء المسلمين جميعا . و كل قد استرعيت حقه : طلب منك رعايته . فلا يشغلنك عنهم بطر :

الغلو في المرح و الزهو . فإنك لا تعذر بتضييعك :

بإهمالك . التافه : القليل الحقير . لاحكامك : لإتقانك .

الكثير المهم : ما يدعو الى اليقظة و التدبير . و المراد : كما أنت مسؤول عن الكثير ، كذلك مسؤول عن الصغير .

[ 97 ]

فلا تشخص همّك عنهم ، و لا تصعّر خدّك لهم [ 1 ] ،

و تفقّد أمور من لا يصل إليك منهم ممّن تقتحمه العيون [ 2 ] و تحقره الرّجال ، ففرّغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية و التّواضع ، فليرفع إليك أمورهم ،

[ 1 ] فلا تشخص . . . : لا تصرف . و اهمّه الأمر : إذا عنى به يحدث نفسه . و المراد : لا تنفك عن رعايتهم و تفقدهم . و لا تصعّر خدّك لهم : لا تمل وجهك عن الناس تكبّرا ، و لا تعرض عمن يكلمك استخفافا به وَ لاَ تُصَعّرِ خَدّكَ للنّاسِ 31 : 18 .

[ 2 ] و تفقد أمور من لا يصل إليك منهم . . . : لعجزه أو لبعده .

ممن تقتحمه العيون : تحتقره .

[ 98 ]

ثمّ اعمل فيهم بالإعذار إلى اللَّه يوم تلقاه [ 1 ] فإنّ هؤلاء من بين الرّعيّة أحوج إلى الإنصاف من غيرهم ، و كلّ فأعذر إلى اللَّه في تأدية حقّه إليه [ 2 ] ، و تعهّد أهل اليتم و ذوي الرّقّة في السّن ممّن لا حيلة له ، و لا ينصب للمسألة نفسه ،

و ذلك على الولاة ثقيل و الحقّ كلّه ثقيل [ 3 ] و قد

[ 1 ] ففرغ لأولئك ثقتك . . . : وجّه لمثل هؤلاء من تثق به ، و تطمئن الى تدبيره . من أهل الخشية و التواضع : ممن يخاف اللَّه و لا يتكبر عن البحث عنهم . فليرفع إليك أمورهم : يخبرك بأحوالهم . ثم إعمل فيهم بالأعذار : بما يكون لك عذرا عند اللَّه تعالى . يوم تلقاه : يوم تلقى ثوابه على الطاعات ، و عقابه على المعاصي .

[ 2 ] و كل فاعذر الى اللَّه في تأدية حقه إليه : ما يكون لك به العذر .

[ 3 ] و تعهد أهل اليتم . . . : تفقد الأيتام و ارعاهم . و ذوي الرقّة في السن : رقّ : دقّ و نحف . و المراد : الذين تقدموا في السن فرّق جلدهم . ممن لا حيلة له : لا وسيلة له لتحصيل ما يحتاجه . و لا ينصب للمسألة نفسه : لا يتعرّض للسؤال .

و ذلك على الولاة ثقيل : شاق .

[ 99 ]

يخفّفه اللَّه على أقوام طلبوا العاقبة فصبّروا أنفسهم ، و وثقوا بصدق موعود اللَّه لهم [ 1 ] .

و اجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرّغ لهم فيه شخصك ، و تجلس لهم مجلسا عامّا فتتواضع فيه للَّه الّذي خلقك ، و تقعد عنهم جندك و أعوانك من أحراسك و شرطك حتّى يكلّمك متكلّمهم غير

[ 1 ] و الحق كله ثقيل . . . : على النفس . و قد يخففه اللَّه على أقوام : يجدونه خفيفا سهلا .

و إذا حلّت الهداية قلبا
نشطت للعبادة الأعضاء

طلبوا العاقبة : آخر كل شي‏ء . و المراد : طلبوا النهاية المحمودة لهم . فصبّروا أنفسهم : مرّنوها على الصبر .

و وثقوا بصدق موعود اللَّه لهم : تيقّنوا بما وعد اللَّه سبحانه الصابرين و المحسنين .

[ 100 ]

متتعتع [ 1 ] ، فإنّي سمعت رسول اللَّه ، صلى اللَّه عليه و آله و سلم ، يقول في غير موطن [ 2 ] : ( لن تقدّس أمّة [ 3 ] لا يؤخذ للضّعيف فيها حقّه من القويّ غير متتعتع ) ثمّ احتمل الخرق منهم و العيّ ، و نحّ عنهم الضّيق و الأنف ، يبسط اللَّه عليك

[ 1 ] و اجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرّغ لهم فيه شخصك . . . : فرّغ نفسك للمتظلمين و غيرهم ، مستمعا لشكاويهم و مطالبهم . و تجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه للَّه : تترك أبهة الحكم و زهوه ، طالبا بذلك الرفعة عند اللَّه تعالى . و تقعد عنهم جندك و أعوانك : تأمر جندك بالإبتعاد عن قاعة الإجتماع كي يأخذ أهل الحاجات حريتهم . حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع : متردد في عيّ . و المراد : غير خائف .

[ 2 ] موطن : كل مكان أقام به الإنسان . و المراد : سمعته مرارا .

[ 3 ] لن تقدّس . . . : لن تطهر . غير متتعتع : من غير أن يصيبه أذى يقلقه و يزعجه .

[ 101 ]

بذلك أكناف رحمته ، و يوجب لك ثواب طاعته [ 1 ] ، و أعط ما أعطيت هنيئا ، و امنع في إجمال و إعذار [ 2 ] ثمّ أمور من أمورك لا بدّ لك من مباشرتها :

منها إجابة عمّالك بما يعيا عنه كتّابك [ 3 ] ، و منها

[ 1 ] ثم إحتمل الخرق منهم . . . : الجهل . و العي : العجز عن التعبير اللفظي بما يفيد المعنى المقصود . و نح عنهم الضيق : ضاق صدره به : تألّم أو ضجر منه ، أو شقّ عليه . و الأنف : الأنفة ، و هي العزّة و الحميّة . يبسط اللَّه عليك بذلك أكناف رحمته : الكنف : جانب الشي‏ء ، و كنف اللَّه تعالى : رحمته و ستره و حفظه . و ثواب طاعته : ما أعدّه للمطيعين .

[ 2 ] و اعط ما أعطيت هنيئا . . . : بلا منّ و تكدير للعطاء . و امنع في إجمال و اعذار : بلطف و إعتذار .

[ 3 ] ثم أمور من أمورك لا بد لك من مباشرتها . . . : تولاها بنفسك . إجابة عمالك بما يعيا عنه كتابك : عند عجزهم عن الإجابة .

[ 102 ]

إصدار حاجات النّاس يوم ورودها عليك بما تحرج [ 1 ] به صدور أعوانك ، و أمض لكلّ يوم عمله فإنّ لكلّ يوم ما فيه [ 2 ] ، و اجعل لنفسك فيما بينك و بين اللَّه أفضل تلك المواقيت ،

و أجزل تلك الأقسام و إن كانت كلّها للَّه إذا صلحت فيها النّيّة ، و سلمت منها الرّعيّة [ 3 ] .

[ 1 ] إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك . . . : إنفاذها و إرجاعها يوم وصولها . بما تحرج به : تضيق .

[ 2 ] و امض لكل يوم عمله . . . : حتى لا تتكدس و تتعطل أعمال الناس . فإن لكل يوم ما فيه : من الأعمال .

[ 3 ] و اجعل لنفسك فيما بينك و بين اللَّه . . . : تتوجه فيه للعبادة و المناجاة ، مستعينا به على ما أهمك من أمر الدنيا و الآخرة . أفضل تلك المواقيت : و غير بعيد أن يكون الثلث الأخير من الليل ، حيث الهدوء و فراغ البال ، فيصلي نوافل الليل . و أجزل تلك الأقسام : أكثرها . و إن كانت كلها للَّه :

مأجور عليها جميعا . إذا صلحت فيها النيّة : و كان الغرض منها التقرب الى اللَّه تعالى ، و خدمة المسلمين . و سلمت منها الرعيّة : من الظلم و الأذى .

[ 103 ]

و ليكن في خاصّة ما تخلص به للَّه دينك :

إقامة فرائضه الّتي هي له خاصّة ، فأعط اللَّه من بدنك في ليلك و نهارك ، و وفّ ما تقرّبت به إلى اللَّه من ذلك كاملا غير مثلوم و لا منقوص بالغا من بدنك ما بلغ [ 1 ] ، و إذا قمت في صلاتك للنّاس فلا تكوننّ منفّرا و لا مضيّعا ، فإنّ في النّاس من به العلّة [ 2 ] و له الحاجة . و قد سألت رسول

[ 1 ] و ليكن في خاصة ما تخلص به للَّه دينك . . . : تجعله خالصا له . إقامة فرائضه التي هي له خاصة : ما أوجبه عليك من صلاة و صوم و غير ذلك . فاعط اللَّه من بدنك في ليلك و نهارك : مدخرا ذلك عنده ليوم حاجتك . و وفّ ما تقربت به الى اللَّه : أدّه تاما . كاملا غير مثلوم : غير منقوص . بالغا من بدنك ما بلغ : من التعب و الجهد .

[ 2 ] و إذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفّرا : نفر عنه : فزع و انقبض غير راض عنه . و لا مضيّعا : عجلا في ادائها . فإن في الناس من به العلّة : المرض . و المراد : التأكيد على عدم الإطالة مع ترك الإستعجال .

[ 104 ]

اللَّه ، صلى اللَّه عليه و آله و سلم ، حين وجّهني إلى اليمن كيف أصلّي بهم ؟ فقال « صلّ بهم كصلاة أضعفهم ، و كن بالمؤمنين رحيما » . [ 1 ] و أمّا بعد ، فلا تطوّلنّ احتجابك عن رعيّتك فإنّ احتجاب الولاة عن الرّعيّة شعبة من الضّيق [ 2 ] ، و قلّة علم بالأمور ، و الاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم

[ 1 ] كصلاة أضعفهم . . . : تترك قراءة السور الطوال ، و إطالة الركوع و السجود . و كن بالمؤمنين رحيما : عطوفا .

[ 2 ] فلا تطوّلنّ إحتجابك عن رعيتك . . . : إستتارك . شعبة من الضيق : الشعبة : فرقة من الشي‏ء . و الضيق : الفقر و الشدّة . و المراد : أن في ذلك مشقّة عليهم ، و تعطيل لأعمالهم ، و عدم التعرّف على آلامهم .

[ 105 ]

الكبير ، و يعظم الصّغير ، و يقبح الحسن ، و يحسن القبيح ، و يشاب الحقّ بالباطل [ 1 ] و إنّما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه النّاس به من الأمور ،

و ليست على الحقّ سمات [ 2 ] تعرف بها ضروب الصّدق من الكذب ، و إنّما أنت أحد رجلين : إمّا امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحقّ ففيم احتجابك من واجب حقّ تعطيه ؟ أو فعل كريم تسديه [ 3 ] ، أو مبتلىّ بالمنع فما أسرع كفّ النّاس

[ 1 ] يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه : ما يجري في المملكة .

فيصغر عندهم الكبير ، و يعظم الصغير : لجهلهم و عدم إطلاعهم على الأمور . و يقبح الحسن و يحسن القبيح : تختل حينئذ الموازين لاقتصار علمه على السماع من أشخاص معدودين ربّما زوّروا الحقائق مصلحة لهم . و يشاب الحق بالباطل : يخلط .

[ 2 ] و ليست على الحق سمات : علامات .

[ 3 ] سخت نفسك . . . : جادت . بالبذل : بالعطاء . ففيم احتجابك من واجب حق : مما لزمك عطاؤه في حقّ . أو فعل كريم تسديه : تعطيه .

[ 106 ]

عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك ، مع أنّ أكثر حاجات النّاس إليك ممّا لا مؤونة فيه عليك ، من شكاة مظلمة ، أو طلب إنصاف في معاملة [ 1 ] .

ثمّ إنّ للوالي خاصّة و بطانة فيهم استئثار ،

و تطاول ، و قلّة إنصاف في معاملة ، فاحسم مادّة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال [ 2 ] و لا تقطعنّ

[ 1 ] أو مبتلى بالمنع . . . : بالبخل . فما أسرع كف الناس عن مسألتك : لعلمهم ببخلك . و المراد : غاية ما يكلفك الظهور العطاء ، و مع بخلك لا تسأل . مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة فيه عليك : إحتمل مؤنته : قام بكفايته .

و المراد : أنها لا تكلفك جهدا ، و لا عليك منها مشقّة . من شكاة مظلمة : يشكون ظلما لحقهم . أو طلب إنصاف في معاملة : لم تراع فيها العدالة .

[ 2 ] ثم أن للوالي خاصة . . . : أصدقاء و خلصاء . و بطانة :

أصفياء ، و هم الذين يطلعهم على أسراره . و فيهم إستئثار يخصّون أنفسهم بالمنافع . و تطاول : إعتداء . و قلّة انصاف في معاملة : بعد عن الحق ، و ظلم للضعفاء . فاحسم مادة أولئك : بتّ فيه . بقطع أسباب تلك الأحوال : ليجدوا فيك غلظة و عدم تسامح حين يبدر منهم ذلك .

[ 107 ]

لأحد من حاشيتك و حامّتك قطيعة و لا يطمعنّ منك في إعتقاد عقدة تضرّ بمن يليها من النّاس في شرب أو عمل مشترك ، يحملون مؤونته على غيرهم ،

فيكون مهنأ ذلك لهم دونك ، و عيبه عليك في الدّنيا و الآخرة [ 1 ] .

[ 1 ] و لا تقطعن لأحد من حاشيتك . . . : أهلك و خاصتك .

و حامتك : أقربائك . قطيعة : الأرض أو الضيعة التي يعطيها الخلفاء و الولاة لمقرّبيهم ، و على سبيل المثال : ( قطيعة الربيع ) من مناطق بغداد الكبرى ، أقطعها المنصور لحاجبه الربيع . و لا يطمعن منك في اعتقاد : إقتناء ( إمتلاك ) عقدة : ضيعة . يحملون مؤونته على غيرهم : يقوم الآخرون بإصلاحه رعاية لقرب هؤلاء منك . فيكون مهنأ ذلك لهم :

يتنعمون به . و عيبه عليك في الدنيا : وصمة عليك و عار ،

و دلالة على ضعفك . و الآخرة : بما يحصل لك من العذاب .

[ 108 ]

و ألزم الحقّ من لزمه من القريب و البعيد ،

و كن في ذلك صابرا محتسبا ، واقعا ذلك من قرابتك و خاصّتك حيث وقع و ابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه فإنّ مغبّة ذلك محمودة [ 1 ] .

و إن ظنّت الرّعيّة بك حيفا فأصحر لهم بعذرك ، و اعدل عنك ظنونهم بإصحارك فإنّ في ذلك رياضة منك لنفسك ، و رفقا برعيّتك ،

[ 1 ] و الزم الحق . . . : لزم الشي‏ء لزوما : ثبت و دام . من لزمه : وجب عليه . من القريب : من أقربائك ، و المقرّبين عندك . و البعيد : ممن ليس بينك و بينه قرابة . و المراد :

تأخذهم جميعا بما وجب عليهم من الحق . و كن في ذلك صابرا محتسبا : مدخرا أجر ذلك عند اللَّه تعالى . واقعا ذلك من قرابتك و خاصتك حيث وقع : و وجب عليهم . و ابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه : العاقبة : آخر كل شي‏ء .

و يثقل : يشق . و المراد : تحصل بذلك على السعادة الكبرى .

فإن مغبة ذلك : عاقبته و آخره . محمودة : مرضية .

[ 109 ]

و إعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحقّ [ 1 ] .

و لا تدفعنّ صلحا دعاك إليه عدوّك و للَّه فيه رضا [ 2 ] فإنّ في الصّلح دعة لجنودك ، و راحة من همومك ، و أمنا لبلادك [ 3 ] ، و لكن الحذر كلّ الحذر من عدوّك بعد صلحه فإنّ العدوّ ربّما

[ 1 ] و إن ظنّت الرعيّة بك . . . : إتهمتك . و حيفا : جورا و ظلما . فاصحر لهم : فاكشف لهم بعذرك : بالحجّة التي تعتذر بها . و اعدل عنك ظنونهم : نحّها . فإن في ذلك رياضة منك لنفسك : تعويدا لها على ترك الإستعلاء و الإستكبار . و رفقا برعيتك : رفق به : حسن صنيعه معه .

و اعذارا تبلغ به حاجتك : في إستقامة الناس على الطاعة .

من تقويمهم على الحق : الأخذ بأيديهم الى طريق السداد .

[ 2 ] و لا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوّك و للَّه فيه رضا : لأن الإتفاق و التعايش السلمي أفضل و أحسن للبلد و أهله .

[ 3 ] فإن في الصلح دعة لجنودك . . . : راحة لهم . و راحة من همومك : مما يقلقك و يحزنك . و أمنا لبلادك : سلما .

[ 110 ]

قارب ليتغفّل فخذ بالحزم ، و اتّهم في ذلك حسن الظّنّ [ 1 ] . و إن عقدت بينك و بين عدوّك عقدة أو ألبسته منك ذمّة فحط عهدك بالوفاء ، و ارع ذمّتك بالأمانة ، و اجعل نفسك جنّة دون ما أعطيت [ 2 ] فإنّه ليس من فرائض اللَّه شي‏ء النّاس أشدّ عليه اجتماعا مع تفرّق أهوائهم ، و تشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود ، و قد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب

[ 1 ] و لكن الحذر كل الحذر . . . : تيقظ و استعد . فإن العدو ربما قارب : قارب فلان فلانا كلمة بكلام حسن . و غفل عن الشي‏ء : إذا سها من قلّة التحفّظ و التيقظ . فخذ بالحزم : كن ضابطا لأمورك . و اتهم في ذلك حسن الظن : شك في صدقهم .

[ 2 ] و إن عقدت بينك و بين عدوّك عقدة . . . : عهدا . أو ألبسته منك ذمّة : ما يجب أن يحفظ و يحمى . فحط عهدك بالوفاء : كن ملتزما به وفيا . و ارع ذمتك بالأمانة : في الحفاظ على العهد . و اجعل نفسك جنّة دون ما أعطيت :

الجنّة : الوقاية . و المراد : إجعل نفسك وقاية ، و عرّضها للمكروه من أجل الحفاظ و الوفاء بالعهد .

[ 111 ]

الغدر [ 1 ] فلا تغدرنّ بذمّتك ، و لا تخيسنّ بعهدك ، و لا تختلنّ عدوّك فإنّه لا يجترى‏ء على اللَّه إلاّ جاهل شقي . و قد جعل اللَّه عهده و ذمّته أمنا أفضاه بين العباد برحمته ، و حريما يسكنون إلى منعته ،

و يستفيضون إلى جواره [ 2 ] فلا إدغال و لا مدالسة و لا

[ 1 ] فإنه ليس من فرائض اللَّه شي‏ء . . . : مما أوجبه و فرضه .

الناس أشد عليه إجتماعا : إتفقوا عليه بأجمعهم . مع تفرّق أهوائهم : ميولهم . و تشتت آرائهم : تفرّقها . من تعظيم الوفاء بالعهود : الإلتزام بها . و قد لزم ذلك المشركون : فوفوا بعهودهم . دون المسلمين : الذين هم أولى بخصال الشرف . لما استوبلوا عواقب الغدر : إستوبل فلان الأرض : إستوخمها . و المراد : وجدوا عواقب الغدر سيئة و وخيمة .

[ 2 ] فلا تغدرن بذمتك . . . : لا تنقض عهدك . و لا تخيسنّ : لا تغدر . و لا تختلن عدوك : تخدعه و تمكر به . فإنه لا يجترى‏ء على اللَّه : في نقض ما أمر بالوفاء به . إلاّ جاهل شقي :

ضال غير مهتد . و قد جعل اللَّه عهده و ذمته أمنا : مأمنا .

أفضاه : بسطه . و المراد : باب أمان و رحمة للناس .

و حريما : ما حرم فلا ينتهك . و يسكنون : يستأنسون به ،

و يستريحون إليه . و منعته : عزته و قوّته . و يستفيضون الى جواره : ينتشرون في أعمالهم و أشغالهم سكونا إليه .

[ 112 ]

خداع فيه [ 1 ] ، و لا تعقد عقدا تجوّز فيه العلل ،

و لا تعوّلنّ على لحن قول بعد التّأكيد و التّوثقة [ 2 ] ،

و لا يدعونّك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللَّه إلى طلب انفساخه بغير الحقّ فإنّ صبرك على ضيق أمر

[ 1 ] فلا أدغال . . . : الداغل : الذي يبغي أصحابه الشر ، يضمره لهم و يحسبونه يريد لهم الخير . و لا مدالسة : خداع و ظلم .

و لا خداع فيه : يظهر لهم خلاف ما يخفيه ، و يريد لهم المكروه من حيث لا يعلمون .

[ 2 ] و لا تعقد عقدا تجوّز فيه العلل . . . : لا تعقد اتفاقا أو معاهدة تجعل فيها مجالا تتعلل فيه للنقض . و لا تعولن : لا تعتمد و تتكل . على لحن قول : من التورية و شبهها .

و المراد : لا تعتمد في نقض عهدك بادعائك انك كنت تريد معنى آخر . بعد التأكيد و التوثقة : بالمواثيق و غيرها .

[ 113 ]

ترجوا انفراجه و فضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته ، و أن تحيط بك من اللَّه فيه طلبة ، فلا تستقبل فيها دنياك و لا آخرتك [ 1 ] .

إيّاك و الدّماء و سفكها بغير حلّها [ 2 ] فإنّه ليس

[ 1 ] و لا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللَّه . . . : لا تتضايق بأمر قد أعطيت فيه عهدا و ميثاقا . الى طلب انفساخه :

منتظرا من اللَّه الفرج . و فضل عاقبته : الجزاء عنه بالخير . خير من غدر تخاف تبعته : مسؤوليته . و ان تحيط : تحدق بك . من اللَّه فيه طلبة : يطالبك بنقضها . فلا تستقيل فيها : تطلب من اللَّه تعالى ان يقيلك ، و يعفو و يصفح عنك . دنياك و لا آخرتك : أن التبعة لزمتك فيه دنيا و آخرة .

[ 2 ] ايّاك و الدماء و سفكها . . . : سفك الدم سفكا : أراقه .

و المراد بذلك القتل . فإنه ليس شي‏ء أدعى لنقمة : عقاب .

و لا أعظم لتبعة : مسؤولية . و لا أخرى بزوال نعمة : خليق بذهابها . و انقطاع مدة : العمر . من سفك الدماء بغير حقها : بدون المبرر الشرعي للقتل كالقصاص و شبهه .

[ 114 ]

شي‏ء أدعى لنقمة ، و لا أعظم لتبعة ، و لا أحرى بزوال نعمة و انقطاع مدّة من سفك الدّماء بغير حقّها ، و اللَّه سبحانه مبتدى‏ء بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدّماء يوم القيامة [ 1 ] ، فلا تقوّينّ سلطانك بسفك دم حرام فإنّ ذلك ممّا يضعفه و يوهنه بل يزيله و ينقله [ 2 ] ، و لا عذر لك عند اللَّه

[ 1 ] و اللَّه سبحانه مبتدى‏ء بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة : أوّل شي‏ء يفصل فيه في المحشر الدماء .

قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله : أوّل ما يحكم اللَّه عز و جل فيه يوم القيامة الدماء ، فيوقف أبنا آدم عليه السلام فيفصل بينهما ، ثم الذين يلونهما من أصحاب الدماء ، حتى لا يبقى منهم أحد من الناس بعد ذلك ، حتى يأتي المقتول بقاتله فيشخب دمه في وجهه ، فيقول : أنت قتلته ؟ فلا يستطيع أن يكتم اللَّه حديثا .

[ 2 ] فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام : فالحذر ان يصوّر لك الشيطان انّ قتلك لخصومك دعم لدولتك ، و تثبيت لسلطان فتجترى‏ء على الدماء . فإن ذلك مما يضعفه : يذهب قوته .

و يوهنه : يضعفه . بل يزيله و ينقله : عنك .

[ 115 ]

و لا عندي في قتل العمد لأنّ فيه قود البدن [ 1 ] ،

و إن ابتليت بخطإ و أفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بالعقوبة فإنّ في الوكزة فما فوقها مقتلة ،

فلا تطمحنّ بك نخوة سلطانك عن أن تؤدّي إلى أولياء المقتول حقّهم [ 2 ] .

[ 1 ] و لا عذر لك عند اللَّه و لا عندي في قتل العمد . . . : ان يتعمّد القاتل القتل بسلاح و ما يجري مجراه . لأن فيه قود البدن :

القصاص بقتل القاتل .

[ 2 ] و ان ابتليت بخطأ . . . : بلا تعمد لقتله . و أفرط عليك سوطك : تجاوز الحد . و المراد : قد يكون منك تأديب لبعض الرعيّة ، فتتجاوز به الحد . فإن في الوكزة : الدفع و الضرب . فما فوقها : أشد منها . مقتلة : يعتبر قتلا . فلا تطمحن بك نخوة سلطانك : طمح بصره الى الشي‏ء :

ارتفع . و المراد : الاستعلاء و الرفعة . و النخوة : الافتخار و العظمة . و المراد : لا تمنعك عزّة السلطان عن تأدية ما لزمك من الحق . عن أن تؤدي الى أولياء المقتول حقهم :

ديّة القتيل .

[ 116 ]

و إيّاك و الاعجاب بنفسك ، و الثّقة بما يعجبك منها ، و حبّ الأطراء ، فإنّ ذلك من أوثق فرص الشّيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين [ 1 ] .

و إيّاك و المنّ على رعيّتك باحسانك ، أو التّزيّد فيما كان من فعلك ، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك ، فإنّ المنّ يبطل الاحسان ،

[ 1 ] و ايّاك و الاعجاب بنفسك . . . : لأنه مانع من الازدياد ،

و المفروض بالمسلم أن يكون يومه خير من غده ، و دائما في سعي الى الخير و المجد . و الثقة : الاطمئنان . بما يعجبك :

يسرّك . و المراد : لا تطمئن الى اختيارها . و حب الاطراء :

المدح و الثناء . فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان : في التغلغل و النفوذ الى النفوس . ليمحق ما يكون من احسان المحسنين : ليذهب به و يجعله هباء منثورا .

[ 117 ]

و التّزيّد يذهب بنور الحقّ ، و الخلف يوجب المقت [ 1 ] عند اللَّه و النّاس قال اللَّه تعالى : كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ .

و إيّاك و العجلة بالأمور قبل أوانها ، أو التّسقّط فيها عند إمكانها ، أو اللّجاجة فيها إذا تنكّرت ، أو الوهن عنها إذا استوضحت [ 2 ] . فضع كلّ أمر

[ 1 ] و اياك و المن على رعيّتك . . . : منّ عليه : فخر بنعمته و احسانه اليه حتى كدّرها يَا ايُهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالمَنّ وَ الَأذى 2 : 264 . أو التزيّد فيما كان من فعلك : يزيد في قوله و فعله حتى يبلغ منتهاه . و المراد :

يبالغ في قدر معروفه ، كالذي يعطي واحدا و يدّعي عشرة .

أو ان تعدهم فتتبع موعدك بخلفك : لم تف بوعدك و لم تصدق في كلامك . فإن المن يبطل الإحسان : يذهب بأجره في الدنيا و الآخرة . و التزيّد يذهب بنور الحق : لاشتماله على الكذب و الباطل ، كما يزيل أثر الإحسان من النفوس .

و الخلف : من الاخلاف ، و هو في المستقبل كالكذب في الماضي . يوجب المقت : أشد البغض .

[ 2 ] و اياك و العجلة بالأمور قبل أوانها . . . : لما يتسبب من ذلك من خلل و فساد . أو التسقط فيها عند امكانها : التهاون فيها اذا أمكنت الفرصة . أو اللجاجة فيها : التمادي . اذا تنكرت : صعبت و اشتدت . أو الوهن : الضعف . عنها اذا استوضحت : بانت و ظهرت .

[ 118 ]

موضعه ، و أوقع كلّ أمر موقعه [ 1 ] .

و إيّاك و الاستئثار بما النّاس فيه أسوة ،

و التّغابي عمّا تعنى به ممّا قد وضح للعيون فإنّه مأخوذ منك لغيرك و عمّا قليل تنكشف عنك أغطية الأمور ، و ينتصف منك للمظلوم [ 2 ] املك

[ 1 ] فضع كل أمر موضعه . . . : كن حكيما ، وضع الأمور مواضعها . و أوقع كل عمل موقعه : في المكان المناسب له .

[ 2 ] و اياك و الاستئثار . . . : تخص به نفسك . بما الناس فيه أسوة : يتساوون فيه كالماء و الكلإ ، و الارجح ان المراد بذلك : أموال المسلمين التي اعتاد الولاة و الخلفاء الاستئثار بها . و التغابي : التظاهر بالغباوة و قلّة الفطنة . عما يعنى به .

عما يجب الإهتمام به . مما قد وضح للعيون : بان و ظهر .

و المراد : تحذيره من ظلم الخاصة و المقرّبين . فانه مأخوذ منك لغيرك : أنت المطالب به عند اللَّه تعالى ، و غيرك الذي تهنّى به . و عما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور : يوم القيامة . و ينتصف منك للمظلوم : يؤخذ منك الحق كاملا .

[ 119 ]

حميّة أنفك ، و سورة حدّك ، و سطوة يدك ، و غرب لسانك [ 1 ] و احترس من كلّ ذلك بكفّ البادرة ،

و تأخير السّطوة ، حتّى يسكن غضبك فتملك الاختيار [ 2 ] ، و لن تحكم ذلك من نفسك حتّى

[ 1 ] أملك حميّة انفك . . . : الحمية : الانفة . و سورة حدّك :

سار سورا و سورة : وثب و ثار . و حدّك : بأسك . و سطوة يدك : بطشها و قهرها . و غرب لسانك : حدّته . و هذا الفصل و الذي يليه تركيز على استعمال الحلم ، و ترك الغضب ، لأنه من أعظم جنود الشيطان .

[ 2 ] و احترس من كل ذلك . . . : توقّاه . بكف البادرة : ما يبدر من الرجل عند غضبه من خطإ . و تأخير السطوة حتى يسكن غضبك : تهدأ نفسك بعد الاضطراب . فتملك الإختيار :

في العقوبة أو العفو ، لانك في حال غضبك تختل عندك الموازين و تفقد السيطرة .

[ 120 ]

تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربّك [ 1 ] .

و الواجب عليك أن تتذكّر ما مضى لمن تقدّمك من حكومة عادلة ، أو سنّة فاضلة ، أو أثر عن نبيّنا صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ، أو فريضة في كتاب اللَّه ، فتقتدي بما شاهدت ممّا عملنا به فيها [ 2 ] ، و تجتهد لنفسك في اتّباع ما عهدت إليك

[ 1 ] و لن تحكم . . . : تتقن . و تكثر همومك : معاناتك و اهتمامك . بذكر المعاد : مواقف القيامة و أهوالها .

و المراد : أن الضابط لهذه الأمور هو التفكير دائما بالمعاد ،

و وقوف الخلائق بين يدي ربّ العالمين ، و مناقشة الحساب عن كل صغيرة و كبيرة .

[ 2 ] و الواجب عليك ان تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة : فتنهج نهجها في الاصلاح . أو سنّة : طريقة .

و فاضلة : رفيعة . أو أثر عن نبينا صلى اللَّه عليه و آله : ما ورد عنه من حديث . أو فريضة في كتاب اللَّه : مما فرضه و أوجبه في القرآن الكريم . فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها :

تعمل بما رأيته من عملي .

[ 121 ]

في عهدي هذا ، و استوثقت به من الحجّة لنفسي عليك لكيلا تكون لك علّة عند تسرّع نفسك إلى هواها [ 1 ] . و أنا أسأل اللَّه بسعة رحمته ،

و عظيم قدرته على إعطاء كلّ رغبة ، أن يوفّقني و إيّاك لما فيه رضاه ، من الاقامة على العذر الواضح إليه و إلى خلقه ، مع حسن الثّناء في العباد ، و جميل الأثر في البلاد ، و تمام النّعمة ، و تضعيف الكرامة ،

و أن يختم لي و لك بالسّعادة و الشّهادة ، إنّا إلى

[ 1 ] و تجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت اليك في عهدي هذا . . . : تجد و تجتهد بالعمل بما أوصيتك في هذا العهد . و استوثقت به من الحجّة لنفسي عليك : استوثق من فلان : أخذ ما يوثق به أمره . و الحجّة : البينة الصحيحة .

و المراد : لم ابق لك بعد هذا العهد حجة تحتج بها اذا ملت عن طريق الإستقامة . لكيلا تكون لك علّة : تصرفك عنه . عند تسرّع نفسك الى هواها : ميولها .

[ 122 ]

اللَّه راغبون [ 1 ] . و السّلام على رسول اللَّه صلّى اللَّه

[ 1 ] على اعطاء كل رغبة . . . : متمكن من تحقيق كل ما يرغب به العبد . و ان يوفقني و اياك لما فيه رضاه : لنيل مراضيه .

من الاقامة على العذر الواضح اليه و الى خلقه : بذل الجهد في الطاعة بما يكون عذرا عند اللَّه تعالى و عند الناس . مع حسن الثناء في العباد : بما يستوجب به منهم الذكر الحسن .

و جميل الأثر في البلاد : من أقامة معالم العدل ، و ازدهارها بالعمران . و تمام النعمّة : اكمالها . و تضعيف الكرامة :

مضاعفتها . و ان يختم لي و لك بالسعادة : التوفيق .

و الشهادة . و استجيبت دعوة الإمام عليه السلام . فقدنا لا شرف الشهادة . و إنّا الى اللَّه راغبون : مبتهلون ضارعون .

و هذا العهد الذي قرأته للإمام عليه السلام لمالك الاشتر رضوان اللَّه عليه يصلح أن يكون نظاما لدولة في القرن العشرين . لما اشتمل عليه من استقصاء شؤون المجتمع ،

و الاسباب التي تأخذ بالأمّة الى النهوض ، و مدارج الكمال و العزّة . و لو نظرته من زاوية أخرى وجدته نظاما أخلاقيا ،

و نهجا اصلاحيا لكل فرد مسلم ، و أن مطوّلات علماء الأخلاق لتقصر عن بعض هذا ، و ان الواجب يستدعي كل مسلم أن يأخذ به ، و يعمل بموجبه ، و يصلح ما فسد من سيرته و عمله بتطبيق ما جاء فيه . و لك ان تعتبره بعد هذا و ذاك واحدا من معاجز الإمام عليه السلام الكثيرة ، لاشتماله على هذه العلوم و المعارف و الآداب ، في أروع أسلوب ، و أتم بيان ، و أبلغ عبارة .

هذه من علاه احدى المعالي
و على هذه فقس ما سواها

 

[ 123 ]

عليه و آله و سلّم الطّيّبين الطّاهرين ، و سلّم تسليما كثيرا و السّلام .

[ 124 ]