62 و من كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر ، مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها

أمّا بعد فإنّ اللَّه سبحانه بعث محمّدا ،

صلى اللَّه عليه و آله و سلم ، نذيرا للعالمين ،

و مهيمنا على المرسلين [ 1 ] فلمّا مضى عليه السّلام تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فو اللَّه ما كان

[ 1 ] نذيرا . . . : مخوّفا . و مهيمنا : شاهدا بأنهم على الحق إنّا أرسلناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً 48 : 8 .

[ 25 ]

يلقى في روعي ، و لا يخطر ببالي ، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى اللَّه عليه و آله و سلم عن أهل بيته و لا أنّهم نحّوه عنّي [ 1 ] من بعده فما راعني إلاّ انثيال النّاس على فلان [ 2 ] يبايعونه ،

فأمسكت بيدي حتّى رأيت راجعة النّاس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمّد ، صلى اللَّه عليه و آله و سلم [ 3 ] ، فخشيت إن لم أنصر

[ 1 ] ما كان يلقى في روعي . . . : الروع هنا القلب و العقل .

و المعنى : ما كان يمر في خلدي ان الأمر يكون هكذا . و لا يخطر ببالي : لا يقع فيه . ان العرب تزعج هذا الأمر :

تنقله . و لا أنهم نحّوه عنّي : أبعدوه و أزالوه .

[ 2 ] فما راعني . . . : يقال للشي‏ء يحدث بغتة : ما راعني إلاّ كذا . إلاّ انثيال الناس : انصبابهم . على فلان : أبي بكر .

[ 3 ] فامسكت بيدي . . . : كففتها و امتنعت عن بيعته ، أو التعاون معه . حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام :

القبائل التي تجمعت مع مسيلمة و طليحة و سجاح . يدعون الى محق دين محمد صلى اللَّه عليه و آله : الى إهلاكه و ابادته .

[ 26 ]

الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم [ 1 ] الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السّراب ، أو كما يتقشّع السّحاب [ 2 ] ، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل و زهق ،

و اطمأنّ الدّين و تنهنه [ 3 ] .

[ 1 ] فخشيت . . . : خفت . ان أرى فيه ثلما : ثلم الجدار و غيره ثلما : أحدث فيه شقّا . و المراد : ثغرة و نقطة ضعف تكون منفذا للعدو . أو هدما : هدم البناء : اسقطه و انقضه . تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم : و لما كان الإمام عليه السلام المعين الأوّل للرسول صلى اللَّه عليه و آله في بناء الإسلام ، و رفع مناره .

بني الدين فاستقام و لو لا
ضرب ماضيك ما استقام البناء

فطبيعي أن يكون هدمه لا سمح اللَّه أعظم عليه بكثير من فوات الامرة .

[ 2 ] كما يزول السراب . . . : ما يرى في شدّة الحر كالماء . أو كما ينقشع السحاب : ينكشف .

[ 3 ] فنهضت في تلك الأحداث . . . : الكل يعلم مواقف الإمام عليه السلام من الخلفاء ، و نصيحته لهم ، و رجوعهم اليه في المعضل ، حتى قال عمر مرارا : ( لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن ) و أكثر من هذا ما ذكره الطبري من تجمّع اسد و غطفان وطي‏ء قرب المدينة لاجل الغارة عليها ، فخرج الإمام عليه السلام في آخرين و انتصروا عليهم في معركة ضارية .

حتى زاح الباطل : بعد . و زهق : اضمحل . و اطمأن الدين و تنهنه : اتسع .

[ 27 ]

و منه : إنّي و اللَّه لو ليقتهم واحدا و هم طلاع الأرض كلّها ما باليت و لا استوحشت [ 1 ] ، و إنّي من ضلالهم الّذي هم فيه ، و الهدى الّذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ، و يقين من ربّي [ 2 ] ، و إنّي إلى لقاء اللَّه لمشتاق و لحسن ثوابه لمنتظر راج [ 3 ] ، و لكنّني آسى أن يلي أمر هذه الأمّة

[ 1 ] طلاع الأرض كلها . . . : ملؤها . ما باليت : لم أكثرت بجمعهم و كثرتهم . و الوحشة : عدم الانس .

[ 2 ] و اني من ضلالهم الذي هم فيه . . . : انحرافهم عن الدين الحنيف . و الهدى الذي أنا عليه : الرشاد . لعلى بصيرة من نفسي : على حجّة . و يقين من ربّي : هو العلم الذي لا شكّ فيه .

[ 3 ] و اني الى لقاء اللَّه . . . : لقاء ثوابه ، و ما أعدّه للصالحين من عباده . و حسن ثوابه : و جميل ما ذخره لاوليائه . لمنتظر راج :

مؤمّل متوقع .

[ 28 ]

سفهاؤها و فجّارها [ 1 ] فيتّخذوا مال اللَّه دولا ،

و عباده خولا ، و الصّالحين حربا ، و الفاسقين حزبا [ 2 ] فإنّ منهم الّذي قد شرب فيكم الحرام و جلد حدّا في الإسلام [ 3 ] ، و إنّ منهم من لم

[ 1 ] و لكنني آسي ان يلي أمر هذه الأمّة . . . : أحزن ان يكون أمراء البلاد الإسلامية . سفهاؤها : من خفّ و طاش . و يقول الطريحي : و فسّر السفيه أيضا بمن يستطيل على من دونه ،

و يخضع لمن فوقه . و فجارها جمع فاجر : الفاسق غير المكترث .

[ 2 ] فيتخذ مال اللَّه دولا . . . : يتداولونه بينهم ، مستأثرين به ،

و يمنعونه غيرهم . و عباده خولا : عبيدا . و الصالحين حربا :

يحاربونهم ، و ينهبون أموالهم . و الفاسقين حزبا : عونا .

[ 3 ] فإن منهم من شرب الحرام . . . : الخمر ، و المراد به الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، أخو عثمان لأمّه و واليه على الكوفة ، صلى بالمسلمين الصبح ثمان ركعات ، و تقيأ الخمرة في المحراب ،

و قال للمصلين : هل ازيدكم ؟ فقالوا : لا ازادك اللَّه من خير ، ثم انتزعوا خاتمه و اقبلوا به الى عثمان . و جلد حدّا في الإسلام : و بعد ان لزمه الحد ، خشي بعض المسلمين من اقامته عليه ، فتولى ذلك الإمام عليه السلام بنفسه .

[ 29 ]

يسلم حتّى رضخت له على الإسلام الرّضائخ [ 1 ] ، فلولا ذلك ما أكثرت تأليبكم و تأنيبكم ، و جمعكم و تحريضكم ، و لتركتكم إذ أبيتم و ونيتم [ 2 ] .

ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقصت ، و إلى أمصاركم قد افتتحت ، و إلى ممالككم تزوى ،

و إلى بلادكم تغزى [ 3 ] ، انفروا رحمكم اللَّه إلى

[ 1 ] و ان منهم من لم يسلم . . . : لم يدخل في الإسلام . حتى رضخت له على الإسلام الرضائخ جمع رضيخة : العطية .

قال الشيخ الطريحي : و الذي رضخ له أبو سفيان و ابنه معاوية ،

حين كانا من المؤلّفة قلوبهم ، ليستمالوا الى نصرة الدين .

[ 2 ] فلولا ذلك . . . : من تغلب الاشرار على بلاد الإسلام . ما أكثرت تأليبكم : تحريضكم . و تأنيبكم : توبيخكم و تعنيفكم و لومكم . و تحريضكم : حثكم على الجهاد . و لتركتكم إذا ابيتم و ونيتم : فترتم و ضعفتم و اعييتم .

[ 3 ] الا ترون الى أطرافكم . . . : نواحيها . قد انتقصت : استولى العدو على بعضها . و الى أمصاركم : مدائنكم . قد افتتحت : غلب عليها الأعداء و تملكوها . و الى ممالككم تزوى : تقبض ( يتملكها الأعداء ) و الى بلادكم تغزى : يغزوها الأعداء ، و يقتلون أهلها .

[ 30 ]

قتال عدوّكم ، و لا تثّاقلوا إلى الأرض فتقرّوا بالخسف ، و تبوءوا بالذّلّ ، و يكون نصيبكم الأخسّ ، و إنّ أخا الحرب الأرق ، و من نام لم ينم عنه [ 1 ] ، و السّلام .

[ 1 ] انفروا . . . : أخرجوا لحربهم . و لا تثاقلوا الى الأرض :

تتباطؤوا . فتقروا بالخسف : النقصان ، و منه قولهم : ( رضي فلان بالخسف ) و تبوءوا بالذل : ترجعوا بالهوان . و يكون نصيبكم : حظكم . الاخس : الأقل . و ان أخا الحرب :

صاحبها . وارق : امتنع عليه النوم ليلا . و المراد : وصفه باليقظة و الجد . و من نام لم ينم عنه : من غفل عن الاستعداد لعدوه فقد مكّن عدوه من نفسه .

[ 31 ]