64 و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا

أمّا بعد فإنّا كنّا نحن و أنتم على ما ذكرت من الألفة و الجماعة ففرّق بيننا و بينكم أمس ، أنّا آمنّا و كفرتم ، و اليوم أنّا استقمنا و فتنتم [ 2 ] ، و ما أسلم مسلمكم إلاّ كرها ، و بعد أن كان أنف الإسلام كلّه لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم

[ 1 ] و اللَّه انه لحق . . . : قتال الناكثين . مع محق . و المراد به نفسه عليه السلام ، و يكفي في ذلك قوله صلى اللَّه عليه و آله :

( علي مع الحق و الحق مع علي يدور معه حيث دار ) و ما نبالي ما صنع الملحدون : الملحد : الطاعن في الدين ، المائل عنه .

[ 2 ] انا استقمنا . . . : على طاعة اللَّه ، و طاعة رسوله . و فتنتم :

ارتكستم في الضلال .

[ 35 ]

حزبا [ 1 ] .

و ذكرت أنّي قتلت طلحة و الزّبير ، و شرّدت بعائشة ، و نزلت المصرين و ذلك أمر غبت عنه فلا عليك ، و لا العذر فيه إليك [ 2 ] .

و ذكرت أنّك زائري في المهاجرين

[ 1 ] كان أنف الإسلام . . . : أنف كل شي‏ء : أوّله و طرفه ،

فيقال : كان الأمر في أنف دولة بني فلان : أي اولها . و حزبا :

أعوانا . و المراد : ان إسلامكم جاء متأخرا ، و بعد ان انتشر الإسلام ، و دخل فيه وجوه العرب و زعماؤها .

[ 2 ] شردت بعائشة . . . : طردتها و تركتها بلا مأوى . و يجيب ابن أبي الحديد عن هذا فيقول : فأيّ ذنب لأمير المؤمنين عليه السلام في ذلك ، و لو أقامت في منزلها لم تبتذل بين الأعراب و أهل الكوفة على أن أمير المؤمنين عليه السلام أكرمها و صانها ، و عظّم من شأنها ، و من أحبّ أن يقف على ما فعله معها فليطالع كتب السيرة ، و لو كانت فعلت بعمر ما فعلت به ،

و شقّت عصا الأمّة عليه ، ثم ظفر بها ، لقتلها و مزّقها إربا إربا ،

و لكنّ عليا كان حليما كريما . و نزلت بين المصرين : الكوفة و البصرة . فلا عليك : لم يلحقك منه اذى . و لا العذر فيه اليك : لو وجب العذر .

[ 36 ]

و الأنصار ، و قد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوكَ [ 1 ] ، فإن كان فيك عجل فاسترفه [ 2 ] فإنّي إن أزرك فذلك جدير أن يكون اللَّه إنّما بعثني إليك للنّقمة منك [ 3 ] و إن تزرني فكما قال أخو بني أسد :

مستقبلين رياح الصّيف تضربهم
بحاصب بين أغوار و جلمود

[ 1 ] انقطعت الهجرة . . . : يشير للحديث النبوي : ( لا هجرة بعد الفتح ) يوم أسر أخوك : يزيد بن أبي سفيان ، و ذلك عند فتح مكّة . و المراد : توهين معاوية ، و انه و أهل بيته حتى يوم فتح مكّة و هو آخر يوم من أيام الكفر للمكيين في مقاومة الإسلام .

[ 2 ] فإن كان فيك عجل . . . : إسراع . فاسترفه : عش في سعة و رفاهية لأنك واجد بزيارتك ما تكره .

[ 3 ] فإني إن ازرك فذلك جدير : خليق . للنقمة منك :

لمعاقبتك .

[ 4 ] الحصباء . . . : صغار الحجارة . و الحاصب : العاصفة الشديدة تحمل التراب و الحصباء . و الغور : المنخفض من الأرض . و الجلمود : الصخر . و الغرض : بيان ما عانوه في سفرهم من شدّة الحر ، و وعورة الطريق و العواصف .

و المراد : التهديد لما ينتظرهم في لقائهم من مكروه .

[ 37 ]

و عندي السّيف الّذي أعضضته بجدّك و خالك و أخيك في مقام واحد [ 1 ] و إنّك و اللَّه ما علمت الأغلف القلب ، المقارب العقل [ 2 ] و الأولى أن يقال لك : إنّك رقيت سلّما أطلعك مطلع سوء عليك لا لك ، لأنّك نشدت غير ضالّتك ، و رعيت غير سائمتك ، و طلبت أمرا لست من أهله و لا في معدنه ، فما أبعد قولك من فعلك [ 3 ] و قريب ما

[ 1 ] و عندي السيف الذي اعضضته . . . : جعلته يعضّهم .

بجدك : عتبة بن ربيعة . و خالك : الوليد بن عتبة . و أخيك :

حنظلة . في مقام واحد : في يوم بدر : قتلهم الإمام عليه السلام جميعا و اضعافهم من قريش

[ 2 ] ما علمت . . . : أنت الذي أعرفه . الاغلف القلب : محجوب مغطّى خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم وَ عَلَى سَمعِهِم وَ عَلَى أبصَارِهِم غِشَاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذَابُ عَظِيمٌ 2 : 7 . و المقارب العقل : ليس بتام العقل ، لأن العقل ما عبد به الرحمان .

[ 3 ] و الاولى أن يقال لك . . . : الأحق و الأجدر . انك رقيت سلّما : السلم : ما يصعد عليه الى الأمكنة العالية . و رقيت :

ارتفعت . و اطلعك : الطلوع و الاطلاع : الصعود على الشي‏ء فَاَطّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الجَحِيمِ 37 : 55 .

و المطلع : مكان الإطلاع من موضع عال ، يقال :

مطلع هذا الجبل من مكان كذا ، أي مأتاه و مصعده . و السوء :

القبيح . و عليك : تبعته و اوزاره . لا لك : لم تكسبك الامارة نجاة و فلاحا . لأنك نشدت غير ضالتك : نشدها : طلبها و سأل عنها . و الضالة : كل ما ضل ضاع . و رعيت غير سائمتك .

الماشية التي ترسل للرعي و لا تعلف . و طلبت أمرا لست من أهله : لأنك طليق ابن طليق ، و على رأي الصحابي الجليل قيس بن سعد بن عبادة : وثن و ابن وثن . و لا في معدنه :

المعدن : مكان كل شي‏ء فيه أصله . و المراد : لم يكن من شأنك و شأن آبائك الخلافة . فما أبعد قولك من فعلك : تدّعي الطلب بدم عثمان و هدفك الملك .

[ 38 ]

أشبهت من أعمام و أخوال حملتهم الشّقاوة و تمنّي الباطل على الجحود بمحمّد ، صلى اللَّه عليه و آله و سلم ، فصرعوا مصارعهم حيث علمت [ 1 ] لم يدفعوا عظيما ، و لم يمنعوا حريما

[ 1 ] و قريب ما اشبهت من أعمام و أخوال . . . : اشبهت أعمامك و اخوالك المشركين لتماديك في الضلال . حملتهم الشقاوة :

نقيض السعادة ، و المراد به الضلال . و تمني الباطل : ما كانوا يتمنونه و يرغبون فيه من استعلاء الكفر على رسالة السماء .

على الجحود بمحمد صلى اللَّه عليه و آله : انكارهم لنبوته مع علمهم و تيقنهم بصحتها وَ تِلكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبّهم وَ عَصَوا رُسُلَهُ 11 : 59 . فصرعوا مصارعهم حيث علمت :

امكنتهم التي سقطوا فيها صرعى .

[ 39 ]

بوقع سيوف ما خلا منها الوغى ، و لم تماسها الهوينى [ 1 ] .

و قد أكثرت في قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل فيه النّاس [ 2 ] ، ثمّ حاكم القوم إليّ أحملك و إيّاهم

[ 1 ] لم يدفعوا عظيما . . . : لم تكن محاماتهم و دفاعهم عن الكفر كبيرا ، بل ما اسرع ما قتلوا و هزموا . و لم يمنعوا حريما :

الحريم : ما حرّم فلا ينتهك . بوقع سيوف ما خلا منها الوغى :

وقع بالعدو وقعا : بالغ في قتاله . و الوغى : الحرب . و لم تماسّها الهوينى : مسّ الشي‏ء مسّا : لمسه . و الاتئاد في المشي . و المراد : تلك السيوف لم تزل بأيدينا لم يلحقها فتور .

[ 2 ] فادخل فيما دخل فيه الناس . . . : من البيعة و الطاعة ،

و حاكم القوم اليّ : ارفعوا أمركم اليّ . أحملك و اياهم على كتاب اللَّه تعالى : أحكم بينك و بينهم بحكم القرآن الكريم .

[ 40 ]

على كتاب اللَّه تعالى ، و أمّا تلك الّتي تريد فإنّها خدعة الصّبيّ عن اللّبن في أوّل الفصال [ 1 ] و السّلام لأهله .