65 و من كتاب له عليه السلام إليه أيضا

أمّا بعد فقد آن لك أن تنتفع باللّمح الباصر من عيان الأمور [ 2 ] فقد سلكت مدارج أسلافك

[ 1 ] و أمّا تلك التي تريد . . . : من البقاء اميرا على الشام . فانها خدعة الصبي عن اللبن : الكيفية التي يحتال بها عليه حتى يترك الرضاع . في أوّل الفصال : الفطام .

[ 2 ] فقد آن لك ان تنتفع باللمح الباصر . . . : لمح البصر لمحا : امتد الى الشي‏ء . و المراد : التأكيد على وضوح الأمر ، و تبينه لدى الخصم . من عيان الأمور : مما عاينته و شاهدته .

[ 41 ]

بادّعائك الأباطيل ، و إقتحامك غرور المين و الأكاذيب ، و بانتحالك ما قد علا عنك ،

و ابتزازك لما اختزن دونك [ 1 ] ، فرارا من الحقّ ،

و جحودا لما هو ألزم لك من لحمك و دمك : ممّا قد وعاه سمعك ، و ملى‏ء به صدرك [ 2 ] ، فما ذا بعد

[ 1 ] فقد سلكت . . . : دخلت و نفذت . مدارج : مسالك و اسلافك : من تقدّمك من آبائك و ذوي قرابتك . بإدعائك الاباطيل جمع باطل : الشرك . و اقتحامك : دخولك في الأمر بغير رويّة . و الغرور : ما غرّ الإنسان من مال أو جاه وَ غَرَّكُم باللَّهِ الغرُورُ 57 : 14 . و المين : الكذب .

بانتحالك : بادّعائك ما ليس لك . ما قد علا : ارتفع :

و المراد : انك تطلب ما هو أرفع و اسمى منك . و ابتزازك :

استلابك . لما اختزن دونك : من ولاية أمر المسلمين .

[ 2 ] فرارا من الحق . . . : تهرّبا مما لزمك من طاعتي . و جحودا لما هو الزم لك من لحمك و دمك : و هي بيعتي . مما قد وعاه سمعك : من أحاديث الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله في فضلي . و ملى‏ء به صدرك : و حفظته من هذه الأحاديث .

يقول ابن أبي الحديد : لنفرض ان النبي صلى اللَّه عليه و آله ما نصّ عليه بالخلافة بعده ، أليس يعلم معاوية و غيره من الصحابة أنه قال في الف مقام : ( أنا حرب لمن حاربت ،

و سلم لمن سالمت ) و نحو ذلك من قوله : ( اللهم عاد من عاداه ، و وال من والاه ) و قوله : ( حربك حربي و سلمك سلمي ) و قوله : ( أنت مع الحق ، و الحق معك ) و قوله :

( هذا منّي و أنا منه ) و قوله : ( هذا أخي ) و قوله : ( يحب اللَّه و رسوله ، و يحبّه اللَّه و رسوله ) و قوله : ( اللهم أتني بأحب خلقك اليك ) و قوله : ( انه ولي كل مؤمن و مؤمنة بعدي ) و قوله : في كلام قاله : ( خاصف النعل ) و قوله : ( لا يحبّه إلاّ مؤمن ، و لا يبغضه إلاّ منافق ) و قوله : ( ان الجنة لتشتاق الى أربعة ) و جعله أوّلهم ، و قوله لعمار : ( تقتلك الفئة الباغية ) و قوله : ( ستقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين بعدي ) الى غير ذلك مما يطول تعداده جدا ، و يحتاج الى كتاب مفرد يوضع له ، أفما كان ينبغي لمعاوية ان يتفكّر في هذا و يتأمله ، و يخشى اللَّه و يتقيه .

[ 42 ]

الحقّ إلاّ الضّلال المبين ، و بعد البيان إلاّ اللّبس [ 1 ] ؟ فاحذر الشّبهة و اشتمالها على لبستها

[ 1 ] فما ذا بعد الحق إلاّ الضلال المبين . . . : الضلال :

الانحراف عن دين اللَّه الحنيف . و المبين : الواضح .

و المراد : ليس بعد الذهاب عن الحق إلاّ الوقوع في الضلال ، و ليست هناك مرتبة ثالثة . و بعد البيان إلاّ اللبس :

لبّس عليه الأمر : خلطه .

[ 43 ]

فإنّ الفتنة طالما أغدفت جلابيبها ، و أعشت [ 1 ] الأبصار ظلمتها .

و قد أتاني كتاب منك ذو أفانين من القول ضعفت قواها عن السّلم و أساطير لم يحكها منك علم و لا حلم [ 2 ] ، أصبحت منها كالخائض

[ 1 ] فاحذر الشبهة . . . : الإلتباس . و اشتمالها : تعمهم . على لبستها : من التبس عليهم أمرها . و المراد : احذرك مما لبسته على الناس من شبهة قتل عثمان . فان الفتنة :

الضلال . و اغدفت المرأة قناعها : أرسلته على وجهها .

و الجلباب : الثوب المشتمل على الجسد كله . و الأعشى :

الذي ضعف بصره ليلا .

[ 2 ] ذو افانين من القول . . . : اساليبه و طرقه . ضعفت قواها عن السلم : قال ابن ابي الحديد : أي عن الإسلام ، أي لا تصدر تلك الأفانين المختلطة عن مسلم ، و كان كتب اليه يطلب منه أن يفرده بالشام ، و ان يوليه العهد من بعده ، و إلاّ يكلفه الحضور عنده . و قرأ أبو عمرو إدخُلُوا في السَّلم كَافَّةً قال : ليس المعنى بهذا الصلح ، بل الإسلام و الإيمان لا غير . و أساطير : أباطيل . لم يحكها منك علم و لا حلم : عقل .

[ 44 ]

في الدّهاس ، و الخابط في الدّيماس [ 1 ] ، و ترقّيت إلى مرقبة بعيدة المرام ، نازحة الأعلام ، تقصر دونها الأنوق ، و يحاذى بها العيّوق [ 2 ] .

و حاش للَّه أن تلي للمسلمين من بعدي صدرا أو وردا ، أو أجري لك على أحد منهم عقدا أو

[ 1 ] اصبحت منها كالخائض في الدهاس . . . : الأرض الرخوة يصعب السير فيها . و الخابط في الديماس : المكان المظلم .

[ 2 ] و ترقيت الى مرقبة . . . : موضع مشرف يرتفع عليه الراصد .

بعيدة المرام : لا تدرك . نازحة الاعلام : بعيدة . تقصر دونها الانوق : طير يعيش في قمم الجبال . و يحاذى بها العيوق :

نجم مضي‏ء في طرف المجرّة الأيمن . و المراد : تطلب المستحيل .

[ 45 ]

عهدا [ 1 ] فمن الآن فتدارك نفسك ، و انظر لها [ 2 ] ، فإنّك إن فرّطت حتّى ينهد إليك عباد اللَّه أرتجت عليك الأمور ، و منعت أمرا هو منك اليوم مقبول [ 3 ] و السّلام .

[ 1 ] و حاش للَّه . . . : معاذ اللَّه . ان تلي للمسلمين بعدي صدرا أو وردا : الصدر : الإنصراف عن الماء .

و الورد : الماء الذي يورد ، و القوم الذين يردون الماء .

و المراد : أنت لا تليق لأن اولّيك على أبسط الأمور و أهونها .

أو اجري لك على أحد منهم عقدا : عقد لفلان على البلد : ولاّه عليه . أو عهدا : الوصية له بالأمر من بعده .

و المراد : محال أن اولّيك على الشام ، أو أجعل لك الأمر من بعدي .

[ 2 ] فمن الآن فتدارك نفسك . . . : متلافيا تفريطك . و انظر لها : باعداد ما يصلحها و يقوّمها .

[ 3 ] فإنك ان فرطت . . . : قصرت و ضيّعت . حتى ينهد اليك عباد اللَّه : يقصدك أولياء اللَّه و يشرعون في قتالك . ارتجت عليك الأمور : اضطربت . و منعت أمرا هو منك اليوم مقبول : الطاعة و البيعة .

[ 46 ]