69 و من كتاب له عليه السلام إلى الحارث الهمداني

و تمسّك بحبل القرآن و استنصحه ، و أحلّ حلاله ، و حرّم حرامه ، و صدّق بما سلف من

[ 1 ] و كن آنس ما تكون بها أحذر ما تكون منها : في الوقت الذي تزهو لك و توافيك فيها سبل السعادة ، كن حذرا من تقلباتها و نكباتها ، و أعظمها الموت الذي لا مفرّ منه .

[ 2 ] فإن صاحبها كلما أطمأن فيها الى سرور . . . : وثق و سكن الى نعيمها . اشخصته : أذهبته . الى محذور : الى ما يخافه و يحذره .

[ 52 ]

الحقّ [ 1 ] و اعتبر بما مضى من الدّنيا لما بقي منها فإنّ بعضها يشبه بعضا ، و آخرها لاحق بأوّلها و كلّها حائل مفارق [ 2 ] و عظّم اسم اللَّه أن تذكره إلاّ

[ 1 ] و تمسك . . . : خذ به و تعلق و اعتصم . بحبل القرآن :

استعار له الحبل من حيث أن التمسك به سبب للنجاة من الردى ، كما أن التمسك بالحبل سبب للنجاة من المهاوي وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ وَ لاَ تَفَرَّقُوا 3 : 103 . و استنصحه :

أقبل نصائحه ، و اعمل بتعاليمه . و احلّ حلاله ، و حرّم حرامه : لا تتجاوز ما أمرك به . و صدّق بما سلف من الحق :

سلف : تقدّم و مضى . و المراد : تصديق ما جاء فيه من أخبار الأمم التي عذّبها اللَّه تعالى .

[ 2 ] و اعتبر بما مضى من الدنيا لما بقى منها . . . : خذ العبرة و الاتعاظ بما مضى من الدنيا من التغيرات و التقلبات ، و ما حدث للأمم السالفة من الهلاك ، و تيقّن بأن صنعها بالمتأخرين كضعها بالمتقدمين . فإن بعضها يشبه بعضا : في جميع الوجوه ، فمعالم الخير التي كانت متمثلة بالأنبياء و كتبهم هي في القرآن و حملته ، و معالم الشر التي كانت متمثلة بالطغاة و العصاة هي نفسها اليوم فيهم . و آخرها لاحق بأوّلها : في الفناء و الزوال . و كلها حائل : زائل .

[ 53 ]

على حقّ [ 1 ] ، و أكثر ذكر الموت و ما بعد الموت ،

و لا تتمنّ الموت إلاّ بشرط وثيق [ 2 ] و احذر كلّ عمل يرضاه صاحبه لنفسه و يكره لعامّة المسلمين [ 3 ] . و احذر كلّ عمل يعمل به في السّرّ و يستحى منه في العلانية [ 4 ] و احذر كلّ عمل إذا

[ 1 ] و عظّم اسم اللَّه ان تذكره إلاّ على حق : لا تحلف به إلاّ ان تكون محقّا في قسمك وَ لاَ تَجعَلُوا اللَّه عُرضَةً لأيمَانِكُم 2 : 224 ، و الحديث الشريف : ( اليمين الكاذب تدع الديار بلاقع ) .

[ 2 ] و اكثر ذكر الموت . . . : لأنه يحد من تصرفات الإنسان السيئة ، و يأخذ به نحو الاستقامة . و ما بعد الموت : من أهوال القبر و القيامة ، و المصير الأخير . و لا تتمن الموت إلا بشرط وثيق : هو الوثوق بالفوز و النجاة .

[ 3 ] و احذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه و يكره لعامة المسلمين :

احترز من عمل تحصل منه على نفع ، و يحصل للآخرين منه ضرر .

[ 4 ] و احذر كل عمل يعمل به في السر و يستحى منه في العلانية :

يتكتّم به صاحبه ، و يخجل من اعلانه . و يجب على المسلم ان يجعل هذا الجملة ضابطا و مقياسا لاعماله .

[ 54 ]

سئل عنه صاحبه أنكره أو اعتذر منه [ 1 ] . و لا تجعل عرضك غرضا لنبال القوم [ 2 ] ، و لا تحدّث النّاس بكلّ ما سمعت به ، فكفى بذلك كذبا ، و لا تردّ على النّاس كلّ ما حدّثوك به فكفى بذلك جهلا [ 3 ] ، و اكظم الغيظ ، و تجاوز عند المقدرة .

و احلم عند الغضب ، و اصفح مع الدّولة تكن لك العاقبة ، و استصلح كلّ نعمة أنعمها اللَّه عليك ،

[ 1 ] و احذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره : جحده . أو اعتذر منه : تنصّل منه و تبرّأ .

[ 2 ] و لا تجعل عرضك . . . : العرض : ما يمدح و يذم من الإنسان ، سواء كان في نفسه أو سلفه ، أو من يلزمه أمره .

و الغرض : الهدف الذي يرميه الرماة . لنبال القوم :

لسهامهم . و المراد : اسلك معهم سلوكا حسنا يرتضيه الناس ، و اياك و الإساءة اليهم فتكون مستهدفا لهم .

[ 3 ] و لا تحدّث الناس بكل ما سمعت . . . : من العجائب و غيرها . فكفى بذلك كذبا : فتستدعي بذلك اتهامهم و تكذيبهم لك . و لا ترد على الناس كل ما حدثوك به فكفى بذلك جهلا : لما في ذلك من سوء الأدب ، و ايجاد الخصوم ، و ربما يكون الكلام حقّا و قد سارعت الى إنكاره .

[ 55 ]

و لا تضيّعنّ نعمة من نعم اللَّه عندك ، و لير عليك أثر ما أنعم اللَّه به عليك [ 1 ] .

[ 1 ] و اكظم الغيظ . . . : امسك على نفسك عند الغضب .

و تجاوز عند المقدرة : اعف عن عدوّك عند ما تتمكن منه وَ الكَاظِمينَ الغَيظَ وَ العافِينَ عنِ النَّاسِ 3 : 134 .

و احلم عند الغضب : تأّنّ و اسكن عند غضب أو مكروه يصيبك ، مع قدرتك و قوتك على الانتصار . و اصفح مع الدولة : الصفح : العفو . و المراد : حينما تكون حاكما أو رئيسا فاجعل العفو شعارك ، و لا تتنمّر على الرعيّة . تكن لك العاقبة : النهاية المحمودة . و استصلح كل نعمة أنعمها اللَّه عليك : بالشكر ، لأن به تدوم النعم ، و تستوجب المزيد لَئن شَكَرتُم لَأزِيدنَّكُم وَ لَئن كَفَرتُم إنَّ عَذَابِي لَشَدِيد 14 : 7 . و لا تضيعن نعمة من نعم اللَّه عندك : بإهمال الشكر عليها ، أو نيل الآخرين منها . و لير عليك أثر ما أنعم اللَّه به عليك : يجب ان تكون آثار النعم بادية على المسلم ،

يعرفها كل من نظر اليه وَ أَمَّا بِنِعمَةِ رَبّكَ فَحَدِث 93 :

11 . كما يجب عليه ان ينيل منها غيره من الضعفاء .

[ 56 ]

و اعلم أنّ أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه و أهله و ماله ، فإنّك ما تقدّم من خير يبق لك ذخره ، و ما تؤخّره يكن لغيرك خيره [ 1 ] ، و احذر صحابة من يفيل ، رأيه و ينكر عمله ، فإنّ الصّاحب معتبر بصاحبه [ 2 ] . و اسكن الأمصار العظام فإنّها

[ 1 ] و اعلم ان أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه . . . : في العبادة ، و السعي فيما يرضي اللَّه تعالى ، و الجهاد في سبيله . و أهله : يقدّمهم في الجهاد و عمل الخير . و ماله :

في الإنفاق في سبيل اللَّه . فانك ما تقدّم من خير : من مال .

يبق لك ذخره : يكون ذخرا لك في يوم حاجتك و فقرك . و ما تؤخر يكن لغيرك خيره : للورّاث إِن تَرَكَ خَيراً 2 :

180 .

[ 2 ] و أحذر صحابة من يقيل رأيه . . . : يخطأ و يضعف . و ينكر عمله : يقبح فعله . فإن الصاحب معتبر بصاحبه : يقاس به . و الحكمة : ( قل لي من تصاحب ، أقل لك من أنت )

صاحب أخا ثقة تحظى بصحبته
فالطبع مكتسب من كل مصحوب

 

[ 57 ]

جماع المسلمين ، و احذر منازل الغفلة و الجفاء و قلّة الأعوان على طاعة اللَّه [ 1 ] ، و اقصر رأيك على ما يعنيك [ 2 ] ، و إيّاك و مقاعد الأسواق فإنّها محاضر الشّيطان و معاريض الفتن [ 3 ] ، و أكثر أن

[ 1 ] و اسكن الأمصار العظام . . . : المدن الإسلامية الكبيرة . فإنها جماع المسلمين : جماع كل شي‏ء : مجتمع اصله . و المراد : مجمعهم . و احذر منازل الغفلة :

و تنطبق اليوم على البلاد الأوروبية ، التي يسارع المسلمون الى سكناها ، متناسين أثرها السي‏ء عليهم و على أولادهم . و قلّة الأعوان على طاعة اللَّه : المحيط الردي‏ء الذي لا يساعد المسلم على عمل الخير .

[ 2 ] و اقصر رأيك على ما يعنيك : اجعل همك و تفكيرك فيما يهمّك و تستفيد منه ، و لا تشغل نفسك بما لا يهمّك ، و لا يعود عليك أو على غيرك بفائدة .

[ 3 ] و اياك و مقاعد الأسواق . . . : الجلوس فيها بدون عمل كما يفعل البطّالون . فإنها محاضر الشيطان : يحضرها .

و معاريض جمع معرض : مكان عام تعرض فيه نماذج من المنتجات . و الفتنة : الضلال . و المراد : ما يكون فيها من ربا ، و تجارة محرّمة ، و معاملات غير مشروعة ، الى غير ذلك .

[ 58 ]

تنظر إلى من فضّلت عليه ، فإنّ ذلك من أبواب الشّكر [ 1 ] ، و لا تسافر في يوم جمعة حتّى تشهد الصّلاة إلاّ فاصلا في سبيل اللَّه ، أو في أمر تعذر به [ 2 ] ، و أطع اللَّه في جميع أمورك فإنّ طاعة اللَّه فاضلة على ما سواها [ 3 ] ، و خادع نفسك في

[ 1 ] و اكثر ان تنظر الى ما فضلت عليه . . . : بمال أو صحة أو غير ذلك . فإن ذلك من أبواب الشكر : تتجلى نعم اللَّه عليك ، و مواهبه عندك فتستدعي منك الشكر .

[ 2 ] و لا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة . . . : تحضرها و تؤديها . إلاّ فاصلا : خارجا في سبيل اللَّه : في الجهاد . أو في امر تعذر به : يكون لك عذرا .

[ 3 ] و اطع اللَّه في جميع أمورك . . . : المفروض بالمسلم ان يلتزم بنهج الإسلام في البيت و المدرسة و السوق ، و مع الناس ، و في الخلوات ، و في جميع الأوقات و الأعمال . فإن طاعة اللَّه فاضلة على ما سواها : أفضل ما في الوجود ،

فينبغي المبادرة اليها .

[ 59 ]

العبادة ، و ارفق بها و لا تقهرها ، و خذ عفوها و نشاطها إلاّ ما كان مكتوبا عليك من الفريضة ،

فإنّه لا بدّ من قضائها و تعاهدها عند محلّها [ 1 ] ،

و إيّاك أن ينزل بك الموت و أنت آبق من ربّك في طلب الدّنيا [ 2 ] ، و إيّاك و مصاحبة الفسّاق فإنّ الشّرّ

[ 1 ] و خادع نفسك في العبادة . . . : الخداع : التظاهر بخلاف ما يبطن . و المراد : الاحتيال عليها بشتى الوسائل لتستجيب للطاعة بدون ملل . و رفق به : لأن له جانبه ، و حسن له صنيعه . و لا تقهرها : تغلبها . و خذ عفوها و نشاطها :

انشراحها و مطاوعتها و استجابتها . إلاّ ما كان مكتوبا عليك من الفريضة : فلا عذر في تركها ، و ان شقّ ذلك عليها . فإنه لا بدّ من قضائها : ادائها . و تعاهدها : الالتزام بإدائها و مراعاة أوقاتها . عند محلها : في وقتها .

[ 2 ] و إياك ان ينزل بك الموت و أنت آبق من ربك . . . : ابق العبد إباقا : هرب من سيده . في طلب الدنيا : في الحصول على أكثر ما يمكن منها . و المراد : الحذر من ان يأتيك الموت و أنت متوجّه بكلّك الى الدنيا .

[ 60 ]

بالشّرّ ملحق [ 1 ] ، و وقّر اللَّه و أحبب أحبّاءه [ 2 ] ،

و احذر الغضب فإنّه جند عظيم من جنود إبليس و السّلام [ 3 ] .

[ 1 ] و اياك و مصاحبة الفسّاق . . . : حذرا من التأثّر بهم ، و الأخذ من عاداتهم . فإن الشر بالشر ملحق : تلتحق و لو تدريجيا بصفوفهم .

[ 2 ] و وقّر اللَّه . . . : عظّمه و بجّله . و أحب أحباءه : لأن حبّهم من الدين ، و كذلك بغض أعدائه .

[ 3 ] و احذر . . . : احترز . و الغضب : استجابة لانفعال يتميّز بالميل الى الاعتداء . فانه جند عظيم من جنود ابليس : من اعوانه و سبله التي يتوصّل بها للضلال .

[ 61 ]