باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السلام

و يدخل في ذلك المختار من أجوبة مسائله و الكلام القصير الخارج في سائر أغراضه 1 قال عليه السلام : كن في الفتنة كابن اللّبون لا ظهر فيركب ، و لا ضرع فيحلب [ 1 ] .

[ 1 ] كن في الفتنة كابن اللبون . . . : الفتنة : إسم يقع على كل شرّ و فساد . و إبن اللبون : ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية . لا ظهر فيركب : لا يستفاد منه في الركوب أو الحمولة لضعفه . و لا ضرع فيحلب . و لا هو انثى ذات لبن فينتفع بلبنها . و المراد : الإنكماش و عدم التعاون مع الظالمين .

[ 81 ]

2 و قال عليه السلام : أزرى بنفسه من استشعر الطّمع ، و رضي بالذّلّ من كشف عن ضرّه ، و هانت عليه نفسه من أمّر عليها لسانه [ 1 ] . 3 و قال عليه السلام : البخل عار ، و الجبن منقصة ، و الفقر يخرس الفطن عن حجّته ،

و المقلّ غريب في بلدته ، و العجز آفة ، و الصّبر شجاعة ، و الزّهد ثروة ، و الورع جنّة [ 2 ] .

[ 1 ] أزرى بنفسه . . . : قصّر و تهاون . من إستشعر الطمع :

إستشعر الشي‏ء : أحسّ به . و الطمع : الرغبة في الشي‏ء و إشتهاؤه . و رضي بالذل من كشف عن ضرّه : الضر :

ما كان من سوء حال أو فقر ، أو شدّة في بدن . و هانت عليه نفسه : أذلّها . من أمّر عليها لسانه : جعله يتكلم بما يشاء .

[ 2 ] البخل . . . : خلاف الجود ، هوان يضن ( يمنع ) بما عنده . عار : كل ما يلزم منه سبّة و عيب . و الجبن : تهيّب الإقدام على ما لا ينبغي أن يخاف منه . منقصة : ضعف ،

يقال : أصابه نقص في عقله أو دينه . و الفقر يخرس الفطن عن حجّته : الفطانة : قوة إستعداد الذهن لإدراك ما يرد عليه . و الحجّة : الدليل و البرهان . و المراد : بيان مساوى‏ء الفقر حتى أنه يعجز الذكي المحق . و المقل : الفقير .

غريب في بلدته : يكابد في وطنه ما يكابده الغريب من الوحشة ، و قلّة الناصر ، و غير ذلك . و العجز آفة : عجز فلان عن الشي‏ء : ضعف و لم يقدر عليه . . و الآفة : كل ما يصيب شيئا فيفسده من عاهة أو مرض أو قحط . و الصبر شجاعة : ينتصر به على جميع المكاره ، و مرقاة إلى جميع المعالي . و الزهد ثروة : زهد في الشي‏ء : أعرض عنه و تركه . و الثروة : الأموال . و المراد : إن الزاهد مستغن بزهده أكثر من صاحب المال بماله ، بل ربما حمل الثري نفسا حقيرة قد أذلها الطمع . و الورع : تجنّب ما حرّم اللَّه تعالى . جنّة : وقاية . و المراد : بالورع ينجو المسلم من مكاره الآخرة .

[ 82 ]

4 و قال عليه السلام : نعم القرين الرّضا ،

و العلم وراثة كريمة ، و الآداب حلل مجدّدة ،

و الفكر مرآة صافية [ 1 ] .

[ 1 ] نعم القرين . . . : الصاحب . الرضا : القبول بما قدّره اللَّه تعالى ، و عدم السخط . و المراد : به يصل العبد إلى الدرجات الرفيعة ، و المقامات العالية . و العلم وراثة كريمة :

يبقيه العلماء بعدهم ميراثا ينتفع به الناس . و الآداب :

الإشتمال على محاسن الأخلاق . و الحلل : الثياب الجيدة الجديدة . و مجددة : جديدة . و المراد : يتزيّن بها كما يتزّين باللباس الجديد . و الفكر مرآة صافية : فكّر في الأمر :

أعمل العقل فيه ، و رتّب بعض ما يعلم ليصل به إلى مجهول ، و وصفه بالمرآة الصافية لما يستلهم به المفكّر ما يسعده و الحديث عن رسول اللَّه ( ص ) : « فكرة ساعة خير من عبادة سنة » .

[ 83 ]

5 و قال عليه السلام : صدر العاقل صندوق سرّه ، و البشاشة حبالة المودّة ، و الاحتمال قبر العيوب ، و روي انه قال في العبارة عن هذا المعنى أيضا : و المسالمة خباء العيوب . و من رضي عن نفسه كثر السّاخط عليه [ 1 ] .

[ 1 ] صدر العاقل صندوق سرّه . . . : لا يظهره لغيره .

و البشاشة حبالة المودّة : بشّ فلان بفلان : لقيه لقاء جميلا .

و المراد : بالبشاشة يكسب الإنسان الأصدقاء و يحصّل على المحبّين . . . و الحبالة : ما يصاد به من أي شي‏ء كان .

و المودة : المحبّة . و الإحتمال قبر العيوب : قد يلحق الإنسان مكروه ، فإذا احتمله و تجرّعه إنقطعت مادة النزاع ، و انسترت عيوبه . و المسالمة خباء العيوب :

المسالمة : المصالحة . و الخباء : بيت من شعر أو وبر أو صوف تقيمه الأعمدة . و المراد : بها تستر عيوب الإنسان ،

و لا تدع الخصم يكشفها . و من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه : لأنه لا يبصر عيوبها فيصلحها ، و هي ظاهرة للآخرين فيعيبونه بها .

[ 84 ]

6 و قال عليه السلام : الصّدقة دواء منجح ،

و أعمال العباد في عاجلهم ، نصب أعينهم في آجلهم [ 1 ] . 7 و قال عليه السلام : اعجبوا لهذا

[ 1 ] الصدقة دواء منجح . . . : ناجح في إزالة الأمراض و العوارض ، و الحديث النبوي : ( داووا مرضاكم بالصدقة ) و أعمال العباد في عاجلهم : في دنياهم . نصب أعينهم في آجلهم : يرونها في الآخرة وَ وَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَ لاَ يَظَلم رَبُّكَ أحداً 18 : 49 .

[ 85 ]

الإنسان ينظر بشحم ، و يتكلّم بلحم ، و يسمع بعظم ، و يتنفّس من خرم [ 1 ] .

8 و قال عليه السلام : إذا أقبلت الدّنيا على أحد أعارته محاسن غيره ، و إذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه [ 2 ] .

[ 1 ] أعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم . . . الخ : تنبيه على القدرة الإلهية التي جعلت من هذه الأعضاء مصدر سعادة للإنسان ،

و هي مع تشابهها في عناصر التركيب تختلف فعالياتها و فوائدها للإنسان إختلافا كليا ، و لعل العلم الحديث يعترف للإمام ( ع ) بأنه المكتشف الأول لبعض أجهزة السمع ، فلم تكن العرب تعرف هذه الأجهزة و إنها مجموعة عظام يضربها الهواء فيحدث الصوت .

[ 2 ] إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته . . . الخ : العارية : ما تعطيه غيرك على أن يعيده إليك . و المراد : إذا وافت الشخص الدنيا نسبوا إليه مكارم و محاسن لم يفعلها ، و إذا ولّت عنه جرّدوه عن محاسنه و نسبوها لغيره .

[ 86 ]

9 و قال عليه السلام : خالطوا النّاس مخالطة إن متّم معها بكوا عليكم ، و إن عشتم حنّوا إليكم [ 1 ] . 10 و قال عليه السلام : إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه [ 2 ] . 11 و قال عليه السلام : أعجز النّاس من

[ 1 ] خالطوا الناس مخالطة . . . الخ : خالطوهم : عاشروهم .

و المراد : الحث على السيرة الحسنة مع المجتمع لينتفع بها في حياته بكسب الأصدقاء ، و تمشية الأمور ، و الذكر الجميل ، و في مماته بالترحم عليه ، و الإستغفار له .

[ 2 ] إذا قدرت على عدوك . . . الخ : المفروض بالإنسان شكر اللَّه تعالى على نعمه ليستوجب المزيد منها لَئن شَكَرتُم لأزيدنّكُم 14 : 7 . و التمكن من العدو ، و الإستعلاء عليه من أهم هذه النعم ، و شكرها بالعفو عنه ليزيده اللَّه تعالى قوّة و مقدرة و هذه الكلمة أحسن ما يمكن أن يقال في العفو و التعاطف .

[ 87 ]

عجز عن اكتساب الإخوان ، و أعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم [ 1 ] . 12 و قال عليه السلام : إذا وصلت إليكم أطراف النّعم فلا تنفّروا أقصاها بقلّة الشّكر [ 2 ] . 13 و قال عليه السلام : من ضيّعه الأقرب أتيح له الأبعد [ 3 ] .

[ 1 ] أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان . . . : لأن كسبهم يدل على مقدرة و قابلية تعود على الإنسان بالفائدة .

و أعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم : خسرهم و لانه يدل على سوء خلق ، و عدم مقدرة على التحمّل .

[ 2 ] إذا وصلت إليكم أطراف النعم . . . : الطرف : الطائفة من الشي‏ء . فلا تنفّروا أقصاها بقلّة الشكر : فلا تنفّروا : فلا تفزعوا . و أقصاها : آخرها . و مثاله : الفقير الذي بدا عليه الإنتعاش ، و أخذ يتدرج قليلا نحو الغنى ، فعليه بمراعاة الشكر ، و عدم صرف أمواله في الحرام ، فيستوجب نفور النعمة و العقاب .

[ 3 ] من ضيّعه الأقرب . . . : أهمله ، و لم يرع حقوقه . أتيح له : تهيّأ له . و الأبعد : الذي لا قرابة بينك و بينه . و المراد :

هيّأ له آخرون لا تربطهم به قرابة أو صلة فكفوه ما أهمّه .

[ 88 ]

14 و قال عليه السلام : ما كلّ مفتون يعاتب [ 1 ] . 15 و قال عليه السلام : تذلّ الأمور للمقادير حتّى يكون الحتف في التّدبير [ 2 ] . 16 و سئل عليه السلام عن قول الرسول صلى اللَّه عليه و آله و سلم « غيّروا الشّيب و لا

[ 1 ] ما كل مفتون يعاتب : الفتنة : إسم يقع على كل شرّ و فساد .

و عتب عليه : لامه و راجعه فيما كرهه منه . و المراد : لا ينفع معه العتاب .

[ 2 ] تذل الأمور للمقادير . . . : تجري الأحداث تبعا لما رسمه اللَّه تعالى و قضاه . حتى يكون الحتف : الهلاك . في التدبير : ما تؤول إليه عاقبته . و المراد : ربّ أمر أحكمه الإنسان تكون به منيته . و على سبيل المثال : إن الدولة العباسية قامت بتدبير أبي مسلم و تخطيطه ، و هي التي قتله .

[ 89 ]

تشبّهوا باليهود » فقال عليه السلام : إنّما قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ذلك و الدّين قلّ فأمّا الآن و قد اتّسع نطاقه ، و ضرب بجرانه ، فامرؤ و ما اختار [ 1 ] . 17 و قال عليه السلام في الذين اعتزلوا القتال معه : خذلوا الحقّ و لم ينصروا الباطل [ 2 ] .

[ 1 ] غيّروا الشيب . . . : بالخضاب . و لا تشبّهوا باليهود في عدم الخضاب . و الفائدة من ذلك : إستقلالية للمسلم تميّزه عن غيره و هذا أمر مهم جدا ، و أيضا : يظهر بمظهر الشباب فيها بهم العدو و يخشاهم ، لا سيما في ميدان الحرب . و الدين قل : المسلمون قليلون . و اتسع نطاقه : النطاق : حزام يشد به الوسط . و المراد : توسعت رقعته ، و كثر أتباعه . و ضرب بجرانه : باطن العنق من البعير و غيره . و المراد : ثبت و استقر . فامرؤ و ما اختار : للخضاب أو تركه ، بلا ترجيح لأحدهما .

[ 2 ] خذلوا الحق . . . : هو الإمام ( ع ) ، فقد روى الفريقان قوله ( ص ) : « علي مع الحق و الحق مع علي يدور معه حيثما دار » .

و لم ينصروا الباطل : لم يعانوا أهل الباطل كمعاوية و غيره .

[ 90 ]

18 و قال عليه السلام : من جرى في عنان أمله عثر بأجله [ 1 ] . 19 و قال عليه السلام : أقيلوا ذوي المروآت عثراتهم ، فما يعثر منهم عاثر إلاّ و يده بيد اللَّه يرفعه [ 2 ] . 20 و قال عليه السلام : قرنت الهيبة

[ 1 ] من جرى في عنان أمله عثر بأجله : العنان : سير اللجام الذي يمسك به الدابة . و عثر : كبا . و المراد : النهي عن طول الأمل ، و الإستعداد للموت قبل مداهمته .

[ 2 ] أقيلوا ذوي المروآت عثراتهم . . . : أقاله : وافقه على نقض البيع و سامحه . و المروءة : دافع نفسي لعمل الخير .

و المراد : أكرموهم و سامحوهم . فلا يعثر منهم عاثر إلاّ و يد اللَّه بيده ترفعه : إن جهودهم المتواصلة في عمل الخير إستوجبوا بها من اللَّه تعالى العناية و التسديد ، و إنهم منظورون من قبل اللَّه تعالى .

[ 91 ]

بالخيبة ، و الحياء بالحرمان ، و الفرصة تمرّ مرّ السّحاب فانتهزوا فرص الخير [ 1 ] . 21 و قال عليه السلام : لنا حقّ فإن أعطيناه و إلاّ ركبنا أعجاز الإبل و إن طال السّرى [ 2 ] . قال الرضي : و هذا من لطيف الكلام

[ 1 ] قرنت الهيبة بالخيبة . . . : هابه : حذره و خافه . و خاب :

لم ينل ما طلب . و المراد : من تهيّب الدخول في أمر حرم نفعه . و الحياء بالحرمان : الحياء : الإحتشام ( الخجل ) و المراد : الحياء مانع لبلوغ الهدف . و الفرصة : الشي‏ء المرغوب فيه يسنح و يتسابق إليه الناس . تمر مرّ السّحاب :

سريعة الذهاب . و المراد : إستغلالها . فانتهزوا فرص الخير : بادروا إليها و اغتنموها ، و احذروا أن تفوتكم و على سبيل المثال : يمر عليك موسم الحج ، و معك ما تحج به ،

فبادر ذلك و لا تتسامح .

[ 2 ] السرى : السير ليلا . و الكلمة من الموارد الكثيرة التي يشير فيها إلى حقه بالخلافة .

[ 92 ]

و فصيحه ، و معناه : إنا إن لم نعط حقنا كنا إذلاء ،

و ذلك أن الرديف يركب عجز البعير كالعبد و الأسير و من يجري مجراهما . 22 و قال عليه السلام : من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه [ 1 ] . 23 و قال عليه السلام : من كفّارات الذّنوب العظام إغاثة الملهوف ، و التّنفيس عن المكروب . [ 2 ]

[ 1 ] من أبطأ به عمله . . . : تأخر عن عمل الخير . لم يسرع به نسبه : لم يتقدم بفضيلة النسب . و مثاله : إبن العالم الكبير إذا كان جاهلا لم ينتفع بنسبه ، و لا يستطيع أن يتخطى مركزه إعتمادا على النسب . و المراد : الحث على عمل الخير ،

و السعي لحصول المعالي .

[ 2 ] من كفّارات الذنوب العظام . . . : تمحوها و تسترها و تغطيها . إغاثة الملهوف : نصرة المكروب و إعانته . و التنفيس عن المكروب : نفّس عن كربته : فرّجها و كشفها . و كرب الشي‏ء فلانا : الأمر و الغم و العب‏ء : إشتدّ عليه و ثقل .

[ 93 ]

24 و قال عليه السلام : يا ابن آدم ، إذا رأيت ربّك سبحانه يتابع عليك نعمه و أنت تعصيه فاحذره [ 1 ] . 25 و قال عليه السلام : ما أضمر أحد شيئا إلاّ ظهر في فلتات لسانه ، و صفحات وجهه . [ 2 ] 26 و قال عليه السلام : امش بدائك ما

[ 1 ] إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه و أنت تعصيه فاحذره : قد تكون النعم من الإستدراج الذي وصفه القرآن الكريم : وَ الّذين كَذَّبُوا بَآياتِنَا سَنَستدرِجُهُم مِن حَيثُ لاَ يَعمَلُونَ 7 : 182 . و المراد : عليك أن تبادر الطاعة قبل أخذه و بطشه .

[ 2 ] ما أضمر أحد شيئا . . . : أخفاه ، يقال : أضمر في نفسه أمرا : عزم عليه بقلبه . إلاّ ظهر في فلتات لسانه : الفلتة :

الأمر يحدث من غير روية و تدبّر . و صفحات وجهه : بشرته .

و المراد : اللسان و الوجه يعكسان ما يضمره القلب و ينطوي عليه .

[ 94 ]

مشى بك . [ 1 ] 27 و قال عليه السلام : أفضل الزّهد إخفاء الزّهد [ 2 ] . 28 و قال عليه السلام : إذا كنت في إدبار و الموت في إقبال فما أسرع الملتقى [ 3 ] .

[ 1 ] إمش بدائك ما مشى بك : تجلّد للمرض و لا تستلم له ،

فربما تكون الحركة و النشاط سببا للعافية .

[ 2 ] أفضل الزهد إخفاء الزهد : الزهد : الرضا باليسير مما تيقّن حله ، و ترك الزائد على ذلك للَّه تعالى . و المراد : ينبغي للمسلم التكتم في عمل الخير ، و عدم الإخبار به ليتضاعف له الأجر ، و يحكى أن رجلا صام عشرين سنة كاملة لم يعلم به أحد حتى أهله .

[ 3 ] إذا كنت في إدبار . . . : أدبر : ذهب و ولى . و الإنسان منذ اللحظة الأولى من حياته قد استدبر الدنيا ، و أنفاسه خطاه إلى أجله . و الموت في إقبال : مقبل عليك . فما أسرع الملتقى : به . و المراد : الإستعداد له ، فليس بيننا و بينه إلاّ انقطاع النفس .

[ 95 ]

29 و قال عليه السلام : الحذر الحذر فو اللَّه لقد ستر حتّى كأنّه قد غفر . [ 1 ] 30 و سئل عليه السلام عن الإيمان ، فقال : الإيمان على أربع دعائم : على الصّبر ، و اليقين ،

و العدل ، و الجهاد . و الصّبر منها على أربع شعب : على الشّوق و الشّفق ، و الزّهد ،

و التّرقّب [ 2 ] : فمن اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشّهوات ، و من أشفق من النّار اجتنب المحرّمات ، و من زهد في الدّنيا استهان

[ 1 ] الحذر الحذر . . . : تيقّظ و استعد . و المراد : الحذر من المعاصي و التعرّض لسطوة اللَّه تعالى و بطشه فهو يمهل و لا يهمل . فو اللَّه لقد ستر حتى كأنّه قد غفر : لم يفضحه حتى كأنه عفا عنه .

[ 2 ] الشوق . . . : نزاع النفس إلى الشي‏ء . و الشفق : الخوف .

و الزهد : الإعراض عن الشي‏ء و تركه . و الترقّب : الإنتظار .

[ 96 ]

بالمصيبات ، و من ارتقب الموت سارع إلى الخيرات [ 1 ] و اليقين منها على أربع شعب :

على تبصرة الفطنة ، و تأوّل الحكمة ، و موعظة العبرة ، و سنّة الأوّلين [ 2 ] . فمن تبصّر في الفطنة تبيّنت له الحكمة ، و من تبيّنت له الحكمة عرف

[ 1 ] فمن اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشهوات . . . : سلا عن الشي‏ء : نسيه و طابت نفسه بعد فراقه . و المراد : ترك الشهوات المحرّمة . و من أشفق من النار إجتنب المحرّمات :

علامة الخائف منها إجتناب ما حرّمه اللَّه عليه . و من زهد في الدنيا إستهان بالمصيبات : إستهان بالأمر : إستخف به ،

و لم يعبأ بما يصيبه بها لأنه لا يراها شيئا . و من ارتقب الموت سارع إلى الخيرات : بادر إليها قبل أن يفاجأ به .

[ 2 ] على تبصرة الفطنة . . . : تبصّر : تأمّل و تعرّف . و الفطانة :

قوّة استعداد الذهن لإدراك ما يرد عليه . و تأوّل الحكمة :

تفسيرها و استخراج الأدلة العلمية منها . و موعظة العبرة :

الإتعاظ و الإعتبار و أخذ الدروس العملية من الأحداث . و سنّة الأولين : ما حدث للأمم الماضية .

[ 97 ]

العبرة ، و من عرف العبرة فكأنّما كان في الأوّلين .

و العدل منها على أربع شعب : على غائص الفهم ، و غور العلم ، و زهرة الحكم و رساخة الحلم [ 1 ] : فمن فهم علم غور العلم ، و من علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم [ 2 ] ، و من حلم لم يفرّط في أمره ، و عاش في النّاس حميدا [ 3 ] . و الجهاد منها على أربع شعب : على

[ 1 ] غائص الفهم . . . : غاص على المعاني : بلغ أقصاها حتى استخرج ما بعد منها . و غور العلم : الغور من كل شي‏ء :

قعره و عمقه . و زهرة الحكم : زهر الوجه و السراج و القمر زهرا و زهورا : تلألأ و أشرق . و الحكم : العلم و التفقّه .

و رساخة الحلم : رسخ رسوخا : ثبت في موضعه .

و الحلم : الأناة و ضبط النفس .

[ 2 ] صدر عن شرائع الحكم : صدر عن الماء : إنصرف .

و شرائع جمع شريعة : المذهب المستقيم . و المراد : تزوّد منها بما يصلح به نفسه و غيره .

[ 3 ] لم يفرط في أمره . . . : لم يتجاوز الحد و القدرة في القول و الفعل . و عاش في الناس حميدا : مرضيا عنه محبوبا .

[ 98 ]

الأمر بالمعروف ، و النّهي عن المنكر ، و الصّدق في المواطن [ 1 ] و شنآن الفاسقين [ 2 ] فمن أمر بالمعروف شدّ ظهور المؤمنين ، و من نهى عن المنكر أرغم أنوف الكافرين ، و من صدق في المواطن قضى ما عليه ، و من شنى‏ء الفاسقين و غضب للَّه غضب اللَّه له و أرضاه يوم القيامة . 31 و قال عليه السلام : الكفر على أربع دعائم : على التّعمّق ، و التنازع ،

و الزّيغ [ 3 ] و الشّقاق : فمن تعمّق لم ينب إلى

[ 1 ] الصدق في المواطن : صدق في القتال : أقبل عليه في قوّة . و المواطن : مشاهد القتال .

[ 2 ] شنآن الفاسقين : بغضهم .

[ 3 ] على التعمق . . . : التدقيق و الإستقصاء . و المراد : الغلو في طلب الحق . و التنازع : الخصام . و الزيغ : الميل عن الحق . و الشقاق : الخلاف .

[ 99 ]

الحقّ ، و من كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحقّ ، و من زاغ ساءت عنده الحسنة ، و حسنت عنده السّيّئة ، و سكر سكر الضّلالة [ 1 ] و من شاقّ و عرت عليه طرقه ، و أعضل عليه أمره ، و ضاق عليه مخرجه [ 2 ] . و الشّكّ على أربع شعب : على

[ 1 ] فمن تعمّق لم ينب إلى الحقّ . . . : لم يرجع إلى نهجه .

و من كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق : من كان شأنه الخصام بالجهل بعد عن طريق الإستقامة و السداد . و من زاغ : إنحرف عن طريق الهدى . ساءت عنده الحسنة و حسنت عنده السيئة : إنعكست عنده المفاهيم ، نظر إلى الأمور بعكس ما هي عليه . و سكر سكر الضلالة : سكر :

غاب عقله و إدراكه . و الضلالة : سلوك طريق لا يوصل إلى المطلوب . و المراد : إستهوته و تحكمت فيه تحكم الشراب في العقل .

[ 2 ] و من شاق و عرت عليه طرقه . . . : وعر المكان : صلب .

و الأمر على فلان تعسّر . و أعضل عليه أمره : إشتدّ و استغلق . و ضاق عليه مخرجه : عجز عنه و يقال : هو يعرف موالج الأمور و مخارجها : متصّرف خبير بالأشياء .

[ 100 ]

التّماري و الهول ، و التّردّد ، و الاستسلام [ 1 ] :

فمن جعل المراء ديدنا لم يصبح ليله ، و من هاله ما بين يديه نكص على عقبيه ، و من تردّد في الرّيب وطئته سنابك الشّياطين ، و من استسلم لهلكة الدّنيا و الآخرة هلك فيهما [ 2 ] .

[ 1 ] التماري . . . : الجدل و النزاع . و الهول : الفزع ، و الأمر الشديد . و تردد : رجع مرّة بعد أخرى . و الإستسلام :

الإنقياد .

[ 2 ] فمن جعل المراء ديدنا له لم يصبح ليله . . . : المراء :

الجدال . و ديدنه : عادته . و لم يصبح ليله : لم يخرج من ظلام الجهل إلى نور الحق ، إستعار ظلام الليل للجهل .

و من هاله ما بين يديه : أفزعته الشكوك . نكص على عقبيه :

نكص : رجع إلى خلف . و العقب : عظم مؤخّر القدم .

و المراد : رجع إلى الوراء . و من تردد في الريب : الظن و الشك . وطأته سنابك الشياطين : وطأته : داسته .

و السنبك : طرف الحافر . و المراد : تمكنت منه الشياطين . و من استسلم لهلكة الدنيا و الآخرة هلك فيهما :

من انقاد لمهالكهما عطب و لم يستطع النجاة .

[ 101 ]

قال الرضي : و بعد هذا كلام تركنا ذكره خوف الإطالة و الخروج عن الغرض المقصود في هذا الباب . 32 و قال عليه السلام : فاعل الخير خير منه و فاعل الشّرّ شرّ منه [ 1 ] . 33 و قال عليه السلام : كن سمحا و لا تكن مبذّرا ، و كن مقدّرا و لا تكن مقتّرا [ 2 ] .

[ 1 ] فاعل الخير خير منه . . . : لأنه السبب في إيجاده ، كما يدل على استجابته لداعي الحق . و فاعل الشرّ شرّ منه : لأنّه الموجد له ، كما يدل على استجابته لداعي الهوى .

[ 2 ] كن سمحا . . . : هو البذل في العسر و اليسر عن كرم و سخاء . و لا تكن مبذّرا : لا تسرف في الإنفاق إنَّ المُبذّرين كَانُوا إِخَوانَ الشَّيَاطِينَ 17 : 27 . و كن مقدّرا :

على تنظيم المعيشة ، تسلك مسلك التعديل بين الإفراط و التفريط . و لا تكن مقترا : تضيّق بالنفقة على من تعول .

[ 102 ]