تتمة المختار من حكم أمير المؤمنين ع

بسم اللَّه الرحمن الرحيم 34 و قال عليه السلام : أشرف الغنى ترك المنى [ 1 ] .

35 و قال عليه السلام : من أسرع إلى النّاس بما يكرهون قالوا فيه بما لا يعلمون [ 2 ] .

36 و قال عليه السلام : من أطال الأمل أساء العمل [ 3 ] .

[ 1 ] أشرف الغنى ترك المنى : المنى : ما يتمناه الإنسان و يحب أن يصير إليه . و الإمام ( ع ) يدعو إلى تركه لما فيه من الإنشغال بما لا يجدي ، و هو أيضا واجهة من واجهات الدنيا ، و عدم القناعة بالمقسوم .

[ 2 ] من أسرع إلى الناس بما يكرهون . . . : أساء لهم القول و الفعل . قالوا فيه بما لا يعلمون : إضطرهم إلى إتهامه بتهم باطلة . و المراد : عدم الإساءة للآخرين حفاظا على حسن السمعة .

[ 3 ] من أطال الأمل أساء العمل : فهو لطول أمله في الحياة ، و مدافعته للموت يسوء تصرّفه ، و يقبح عمله ، بخلاف من قصّر أمله و جعل الموت بين عينيه ، فهو في كل ساعة يزداد من العمل الصالح .

[ 6 ]

37 و قال [ عليه السلام ] و قد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار ، فترجلوا له و اشتدوا بين يديه [ 1 ] ، فقال : ما هذا الّذي صنعتموه ؟ فقالوا : خلق منا نعظم به أمراءنا ،

فقال : و اللَّه ما ينتفع بهذا أمراؤكم ، و إنّكم لتشقّون على أنفسكم في دنياكم ، و تشقون به في آخرتكم ، و ما أخسر المشقّة و راءها العقاب ،

و أربح الدعة معها الأمان من النّار [ 2 ] .

[ 1 ] دهاقين . . . : جمع دهقان : رئيس القرية ، و مقدّم أصحاب الزراعة . و الأنبار : بلد على الفرات ، عل مراحل من بغداد : فترجّلوا : نزلوا عن دوابهم . و اشتدّوا : أسرعوا في عدوهم .

[ 2 ] لتشقّون به على أنفسكم في دنياكم . . . : تتعبونها و تجهدونها . و تشقّون به في آخرتكم : لأنه تعظيم لغير اللَّه تعالى . و ما أخسر المشقّة وراءها العقاب : تجمعون على أنفسكم تعب الدنيا و عذاب الآخرة . و اربح الدعة : الراحة .

و معها الأمان من النار : عدم الخوف منها .

[ 7 ]

38 و قال عليه السلام لابنه الحسن :

يا بنيّ احفظ عنّي أربعا ، و أربعا ، لا يضرّك ما عملت معهنّ : إنّ أغنى الغنى العقل ، و أكبر الفقر الحمق ، و أوحش الوحشة العجب ، و أكرم الحسب حسن الخلق [ 1 ] .

[ 1 ] أغنى الغنى العقل . . . : الغنى مطلب النفوس ، و معشوق الناس كلهم ، و الإمام ( ع ) يجعل العقل أعظم غنى حصّل عليه الإنسان ، و الفقر مبغوض من الكل ، ممقوت عند الجميع ، و الإمام ( ع ) يجعل الحمق قلّة العقل ذروته . و المراد : من رزق العقل فقد أحرز الغنى كله و ان كان في أمس الحاجة ، و الأحمق أفقر الناس و إن ملك الدنيا . و أوحش الوحشة العجب : الوحشة من الناس :

الإنقطاع ، و بعد القلوب عن المودّة . و العجب : الكبر و الزهو . و المراد : أن المعجب بنفسه ممقوت ، تتباعد عنه الناس . و أكرم الحسب : هو ما يعدّه المرء من مناقبه و شرف آبائه . حسن الخلق : بأن تلين جناحك ، و تطيب كلامك ،

و تلقى أخاك ببشر . و المراد : إن الخلق الحسن ينتفع به المسلم في دنياه و آخرته أفضل مما ينتفع بالحسب .

[ 8 ]

يا بنيّ ، إيّاك و مصادقة الأحمق فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك ، و إيّاك و مصادقة البخيل فإنّه يبعد عنك أحوج ما تكون إليه ، و إيّاك و مصادقة الفاجر فإنّه يبيعك بالتّافه [ 1 ] ، و إيّاك و مصادقة الكذّاب فإنّه كالسّراب : يقرّب عليك البعيد ، و يبعد عليك القريب [ 2 ] . 39 و قال عليه السلام : لا قربة بالنّوافل إذا أضرّت بالفرائض [ 3 ] .

[ 1 ] يبيعك بالتافه : الخسيس الحقير القليل .

[ 2 ] فانه كالسراب . . . : ما يرى في شدّة الحر . يقرّب عليك البعيد ، و يبعدّ عليك القريب : يعطيك صورة معاكسة للأشياء ، فلا يدعك تأخذ الحيطة لما يلزم ، و يفوّت عليك المنافع .

[ 3 ] لا قربة بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض : النوافل : مما يتقرّب به إلى اللَّه تعالى مما لم يفرضه . و الفرائض : ما أوجبه ،

كالصلاة و غيرها . و المراد : يجب ترك النافلة إذا ضايقت الفريضة ، لأنه لا عبادة كأداء الفرائض .

[ 9 ]

40 و قال عليه السلام : لسان العاقل وراء قلبه ، و قلب الأحمق وراء لسانه . قال الرضي : و هذا من المعاني العجيبة الشريفة ، و المراد به أن العاقل لا يطلق لسانه إلا بعد مشاورة الروية و مؤامرة الفكرة ، و الأحمق تسبق حذفات لسانه و فلتات كلامه مراجعة فكره ،

و مماخضة رأيه فكأن لسان العاقل تابع لقلبه ،

و كأن قلب الأحمق تابع للسانه . 41 و قد روى عنه عليه السلام هذا المعنى بلفظ آخر ، و هو قوله : قلب الأحمق في فيه ،

و لسان العاقل في قلبه [ 1 ] . و معناهما واحد .

[ 1 ] قلب الأحمق في فيه . . . : يتكلم بما جاء على لسانه بلا تأمّل لما يقوله ، و ربما كانت منيّته في كلامه . و لسان العاقل في قلبه : لا يرسل الكلمة إلاّ بعد تأمّل و تفكير .

[ 10 ]

42 و قال لبعض أصحابه في علة اعتلها :

جعل اللَّه ما كان من شكواك حطّا لسيّئاتك ، فإنّ المرض لا أجر فيه ، و لكنّه يحطّ السّيّئات و يحتّها حتّ الأوراق [ 1 ] . و إنّما الأجر في القول باللّسان ، و العمل بالأيدي و الأقدام ، و إنّ اللَّه سبحانه يدخل بصدق النّيّة و السّريرة الصّالحة من يشاء من عباده الجنّة [ 2 ] .

[ 1 ] جعل اللَّه ما كان من شكواك . . . : تألمك مما بك من مرض .

حطّا لسيئاتك : حط الشي‏ء : أنزله و ألقاه . و المراد :

يمحي عنك ذنوبك . و يحتّها حتّ الورق : كما تسقط أوراق الأشجار .

[ 2 ] و أن اللَّه سبحانه يدخل بصدق النيّة . . . : القصد و العزم على الخير . و السريرة الصالحة : ما يكتمه الإنسان في نفسه .

فيقال : فلان طيّب السريرة : طيّب القلب . و المراد :

لصلاح النيّة ، و طيب السريرة الأثر الأكبر في النجاة ، بل عليها المعوّل ، و الحديث النبوي الشريف : « نيّة المؤمن خير من عمله » .

[ 11 ]

قال الرضي : و أقول صدق عليه السلام ، إن المرض لا أجر فيه لأنه من قبيل ما يستحق عليه العوض لأن العوض يستحق على ما كان في مقابلة فعل اللَّه تعالى بالعبد من الآلام و الأمراض و ما يجري مجرى ذلك ، و الأجر و الثواب يستحقان على ما كان في مقابلة فعل العبد ، فبينهما فرق قد بينه عليه السلام كما يقتضيه علمه الثاقب و رأيه الصائب . 43 و قال عليه السلام في ذكر خباب [ 1 ] بن الأرت : يرحم اللَّه خبّاب بن الأرتّ فلقد أسلم راغبا ، و هاجر طائعا ، و قنع بالكفاف ، و رضي

[ 1 ] من أجلاء الصحابة ، و أهل السبق منهم ، و من المعذّبين في الإسلام . و من خواص الإمام ( ع ) ، و المنقطعين إليه .

[ 12 ]

عن اللَّه ، و عاش مجاهدا [ 1 ] . 44 و قال عليه السلام : طوبى لمن ذكر المعاد ، و عمل للحساب ، و قنع بالكفاف ،

و رضي عن اللَّه [ 2 ] .

[ 1 ] أسلم راغبا . . . : طمعا في الثواب . و هاجر طائعا : مختارا دون أن تكون عليه فرض من اللَّه تعالى . و المراد : لم يكن مخاطبا بالهجرة لتشدد قريش في مقاومة المهاجرين . و قنع بالكفاف : الذي لا يفضل عن الشي‏ء ، و يكون بقدر الحاجة . و رضي عن اللَّه : لم يسخط ما قسم له من رزق و غيره و هي منزلة عظيمة ، لا يقوى عليها إلاّ الأماثل من الأولياء . و عاش مجاهدا : أعداء الإسلام ، و يمكن أن يكون المراد : مجاهدا لنفسه ، و هو أعظم الجهاد و أفضله .

[ 2 ] طوبى . . . : لهم طيب العيش . و الحديث : ( هي شجرة في الجنّة ، أصلها في دار النبي ( ص ) ، و ليس مؤمن إلاّ و في داره غض منها ، لا يخطر على قلبه شهوة إلاّ أتاه به ذلك الغصن ) لمن ذكر المعاد : يوم القيامة ، حيث يجازى فيه الخلائق ، و يفصل فيه القضاء . و عمل للحساب : أجهد نفسه و أعدّها ، و لم يغفل عما يراد منها .

و الحديث ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ) و قنع بالكفاف : بما يسد به حاجته . و رضي عن اللَّه : لم يسخط ما قسم له .

[ 13 ]

45 و قال عليه السلام : لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، و لو صببت الدّنيا بجمّاتها على المنافق على أن يحبّني ما أحبّني ، و ذلك أنّه قضي فانقضى [ 1 ] على لسان النّبيّ الأمّيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ، أنّه قال : يا عليّ لا يبغضك مؤمن ، و لا يحبّك منافق .

[ 1 ] لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني . . . : الخيشوم : أقصى الأنف . و لو صببت الدنيا بجماتها جمع جمة : مجتمع الماء من الأرض .

و المراد : لو أعطيتهم الدنيا بأسرها . على المنافق على أن يحبني ما أحبني : المنافق : الذي يظهر الإيمان و يبطن الكفر . و ذلك أنه قضى فانقضى : قدّر .

[ 14 ]

46 و قال عليه السلام : سيّئة تسوءك خير عند اللَّه من حسنة تعجبك [ 1 ] . 47 و قال عليه السلام : قدر الرّجل على قدر همّته . و صدقه على قدر مروءته ، و شجاعته على قدر أنفته ، و عفّته على قدر غيرته [ 2 ] .

[ 1 ] سيئة تسوءك . . . : ذنب ندمت عليه ، و استغفرت منه . قال رسول اللَّه ( ص ) : إن العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنة .

قيل : كيف ذلك يا رسول اللَّه ؟ قال : يكون نصب عينيه ،

لا يزال يستغفر منه ، و يندم عليه ، فيدخله اللَّه به الجنة .

خير عند اللَّه من حسنة تعجبك : طاعة دخل منها عجب .

و المراد : الحذر من العجب و جميع ما يفسد العبادة .

[ 2 ] قدر الرجل على قدر همّته . . . : الهمّة : العزم القوي .

و المراد بمقدار العزم يكون الإنتاج ، و علو المنزلة . و صدقه على قدر مروءته : المروءة : آداب نفسية تحمل الانسان على اتباع محاسن الأخلاق . و يقول جعفر بن أبي طالب ( رض ) : ما كذبت قط ، لأن الكذب يزيل المروءة .

و شجاعته على قدر أنفته : الأنفة : العزّة و الحميّة . و عفّته على قدر غيرته : العفّة : ترك الشهوات من كل شي‏ء ،

و غلب على حفظ الفرج مما لا يحل . و غار الرجل على إمرأته غيرة : ثارت نفسه لإبدائها زينتها و محاسنها لغيره .

و المراد : نفي الغيرة عن الذين لا يتعففون .

[ 15 ]

48 و قال عليه السلام : الظّفر بالحزم و الحزم بإجالة الرّأي ، و الرّأي بتحصين الأسرار [ 1 ] . 49 و قال عليه السلام : احذروا صولة الكريم إذا جاع ، و اللّئيم إذا شبع [ 2 ] .

[ 1 ] الظفر بالحزم . . . : ظفر بالشي‏ء : فاز به و ناله . و الحزم :

ضبط الأمور و إتقانها . و الحزم بإجالة الرأي : الأمر في نفسه تردد . و الرأي بتحصين الأسرار : كتمانها .

[ 2 ] أحذروا صولة الكريم إذا جاع . . . : صال عليه صولا :

سطا عليه ليقهره . و المراد بالجوع شدة الحاجة ، فقد تلجئه إلى أن يفتق على الأمّة فتقا ، و المفروض أن يرعى المجتمع أمثال هؤلاء و يسد حاجاتهم . و اللئيم إذا شبع : اللؤم : أن يجتمع في الإنسان الشح ، و مهانة النفس ، و دناءة الآباء .

و المراد من الشبع المكنة من الأمور ، و انبساط اليد و المقدرة ، فيحصل حينئذ منه الضرر .

[ 16 ]

50 و قال عليه السلام : قلوب الرّجال وحشيّة ، فمن تألّفها أقبلت عليه [ 1 ] . 51 و قال عليه السلام : عيبك مستور ما أسعدك جدّك [ 2 ] . 52 و قال عليه السلام : أولى النّاس بالعفو أقدرهم على العقوبة [ 3 ] .

[ 1 ] قلوب الرجال وحشيّة . . . : الوحشة من الناس :

الإنقطاع ، و بعد القلوب عن المودّة و تألفّها : إستمالها و لا شي‏ء أسرع في الإستمالة من الإحسان ، فطالما إستعبد الإحسان إنسانا . و أقبلت عليه : بالمحبّة .

[ 2 ] عيبك مستور ما أسعدك جدّك : حظك . و المراد : أن البعض تظهر عيوبهم ، و البعض الآخر تذهب معهم إلى القبر لا يعلم بها غيرهم .

[ 3 ] أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة : ترغيب بالعفو عند المقدرة ، لأنه الأليق و الألصق بمعالي الأمور ، و أدعى إلى الألفة ، و رجوع المذنب إلى الإستقامة .

[ 17 ]

53 و قال عليه السلام : السّخاء ما كان ابتداء فأمّا ما كان عن مسألة فحياء و تذمّم [ 1 ] . 54 و قال عليه السلام : لا غنى كالعقل ،

و لا فقر كالجهل ، و لا ميراث كالأدب ، و لا ظهير كالمشاورة [ 2 ] .

[ 1 ] السخاء . . . : الجود . ما كان ابتداء ، فأما إذ كان عن مسألة فحياء : عن خجل . و تذمم : إستنكاف . و المراد :

الحث على الإحسان و الترغيب بالمعروف ابتداء ، و قبل أن يبذل السائل ماء وجهه .

[ 2 ] لا غنى كالعقل . . . : فهو أفضل ما في الوجود ، و به تدرك الجنة ، و النجاة من النار . و لا فقر كالجهل : لأنه يؤدّي به إلى خسران الدنيا و الآخرة . و لا ميراث كالأدب : الميراث :

الأموال التي تنتقل من الأموات إلى الأحياء . و الأدب :

الإشتمال على مكارم الأخلاق . و المراد : أفضل تركة يخلّفها الآباء لأبنائهم : تعليمهم الآداب ، و تدريبهم على مكارم الأخلاق ، و تلقينهم تعاليم الشريعة . و لا ظهير كالمشاورة :

الظهير : المعين . و شاوره في الأمر : طلب رأيه فيه .

و المراد : أنها أفضل مستعان لذا أمر اللَّه نبيّه ( ص ) بها :

وَ شَاوِرهُم في الأمرِ 3 : 159 .

[ 18 ]

55 و قال عليه السلام : الصّبر صبران :

صبر على ما تكره ، و صبر عمّا تحبّ [ 1 ] . 56 و قال عليه السلام : الغنى في الغربة وطن ، و الفقر في الوطن غربة [ 2 ] . 57 و قال عليه السلام : القناعة مال لا

[ 1 ] الصبر صبران . . . : صبر على ما تكره : و يشق عليك تحمله ، فنصبر عليه طلبا لمرضاة اللَّه تعالى . و صبر عما تحب : فتتسلى عنه ، و تطيب نفسك بفراقه .

[ 2 ] الغنى في الغربة وطن . . . : الوطن : بلد المرء ، و مسقط رأسه ، و مجتمع أقربائه بما يستوجب عزّه و منعته ، و الغني واجد ذلك في الغربة . و الفقر في الوطن غربة : لتنكّر أقرب الخلق إليه ، و ما يلحقه من هوان و شقاء .

[ 19 ]

ينفد [ 1 ] . قال الرضي : و قد روى هذا الكلام عن النبي صلى اللَّه عليه و آله و سلّم . 58 و قال عليه السلام : المال مادّة الشّهوات [ 2 ] . 59 و قال عليه السلام : من حذّرك كمن بشّرك [ 3 ] .

[ 1 ] القناعة . . . : الرضا باليسير . و لا ينفد : لا يفنى و لا يذهب . و المراد : إن الإنفاق منها لا ينقطع ، كلما تعذر عليه شي‏ء من أمور الدنيا قنع بما دونه و رضي ، فيحصل على سعادة لم يحصل عليها أهل الأموال .

[ 2 ] المال مادة الشهوات : المادة : كل شي‏ء يكون مددا لغيره .

و الشهوة : ما يشتهي من الملذات المادية . و المراد : إنه الباب الذي يفضي بالإنسان إلى المكاره ، فيلزم الحذر منه ،

و عدم الإندفاع في طلبه .

[ 3 ] من حذّرك كمن بشرّك : حذّره : خوفه وَ يُحَذّركم اللَّه نَفسَهُ 3 : 30 . و المراد : من خوّفك عاقبة أمر كمن بشّرك بنيل مسرّة .

[ 20 ]

60 و قال عليه السلام : اللّسان سبع إن خلّي عنه عقر [ 1 ] . 61 و قال عليه السلام : المرأة عقرب حلوة اللّبسة [ 2 ] . 62 و قال عليه السلام : إذا حيّيت بتحيّة فحيّ بأحسن منها ، و إذا أسديت إليك يد فكافئها

[ 1 ] اللسان سبع أن خلي عنه عقر : عقر البعير عقرا : قطع إحدى قوائمه ليسقط و يتمكّن من ذبحه . و المراد : تقليل الكلام ليأمن الخطأ .

[ 2 ] المرأة عقرب حلوة اللبسة : اللبسة : لسعة العقرب .

و المراد : بيان ما يحصل من أذاها . و عبّر عنها ب ( حلوة ) لأثرها العظيم في بهجة الحياة و زينتها ، و يقول الرسول الأعظم ( ص ) : ( ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة ، تسرّه إذا نظر إليها و تطيعه إذا أمرها ، و تحفظه إذا غاب عنها في نفسها و ماله ) .

[ 21 ]

بما يربى عليها ، و الفضل مع ذلك للبادي [ 1 ] . 63 و قال عليه السلام : الشّفيع جناح الطّالب [ 2 ] . 64 و قال عليه السلام : أهل الدّنيا كركب يسار بهم و هم نيام [ 3 ] . 65 و قال عليه السلام : فقد الأحبّة

[ 1 ] إذا حييت بتحيّة فحيّ بأحسن منها . . . : أمر اللَّه سبحانه المسلم أن يردّ السلام على المسلم بأحسن مما سلّم . و إذا أسديت لك يد : أعطيت و أحسن إليك . فكافئها : جازها .

بما يربي عليها : بما يزيد . و الفضل مع ذلك للبادي : لأنه السابق بمعروفه .

[ 2 ] الشفيع جناح الطالب : الشفيع : الذي يتوسط لقضاء الحاجة ، و شبهه بالجناح الذي يوصل الطائر إلى مقصوده .

[ 3 ] أهل الدنيا كركب يسار بهم و هم نيام : غفلتهم عما يلزمهم الإستعداد له .

[ 22 ]

غربة [ 1 ] . 66 و قال عليه السلام : فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها [ 2 ] . 67 و قال عليه السلام : لا تستح من إعطاء القليل فانّ الحرمان أقلّ منه [ 3 ] . 68 و قال عليه السلام : العفاف زينة

[ 1 ] فقد الأحبّة غربة : يعاني الغريب وحشة ، و انقطاع من الناس ، و قلّة الناصر و المعين ، و أمورا أخرى يكابدها ، و هي بأجمعها يعانيها من فقد أحبته .

[ 2 ] فوت الحاجة . . . : عدم إدراكها . أهون من طلبها إلى غير أهلها : لأنهم ربّما ردّوه عن حاجته ، أو قضوها بعد منّ أو عيّروه بعد ذلك بها فيود حينئذ أنها لم تقض .

[ 3 ] لا تستح من إعطاء القليل ، فان الحرمان أقل منه : حثّ على العطاء و إن كان يسيرا ، فربّ قليل يكون عند اللَّه تعالى أفضل من كثير ، و سئل رسول اللَّه ( ص ) عن أفضل الصدقة فقال : جهد من مقل يسير إلى فقير .

[ 23 ]

الفقر [ 1 ] ، و الشّكر زينة الغنى . 69 و قال عليه السلام : إذا لم يكن ما تريد فلا تبل ما كنت [ 2 ] . 70 و قال عليه السلام : لا ترى الجاهل إلاّ مفرطا أو مفرّطا [ 3 ] .

[ 1 ] العفاف زينة الفقر : العفاف : كف النفس عن سؤال الناس . و المراد : إن الفقر موجب للهوان و الذل ، فإذا صاحبه العفاف إنقلب عزّا و رفعة ، و صار شعار الأنبياء و الصالحين . و الشكر زينة الغنى : الغنى معرّض لأخطار عظيمة قد لا ينجو منها : كحبس الحقوق الشرعية ،

و الكبرياء ، و الإنهماك في طلب الدنيا ، إلى غير ذلك ، فإن جمع مع غناه الشكر فقد إستوجب المزيد من النعم ، و سلم من المكاره و العطب .

[ 2 ] إذا لم يكن ما تريد . . . : لم يتحقق مرادك . فلا تبل كيف كنت : لا تكترث بذلك و لا تهتم ، لأنك متى تأثرت للموضوع ، و اغتممت للأمر لحقك أذى أو مرض يكون أعظم عليك من حاجتك .

[ 3 ] لا ترى الجاهل إلا مفرطا . . . : مسرفا في العمل . أو مفرّطا : مقصّرا مضيّعا أَن تَقُولَ نَفسُ يَا حَسرَتَي عَلى مَا فَرَّطتُ فيِ جَنبِ اللَّهِ 39 : 56 . و ينبغي للمسلم أن يسلك الطريق الوسط بين الإفراط و التفريط ، و يتوخّى العدالة في كل أعماله ، و يأخذ كلمة الإمام ( ع ) لجميع ما يصدر منه من قول أو فعل و أمر للدنيا و الآخرة .

[ 24 ]

71 و قال عليه السلام : إذا تمّ العقل نقص الكلام [ 1 ] . 72 و قال عليه السلام : الدّهر يخلق الأبدان ، و يجدّد الآمال ، و يقرّب المنيّة ، و يباعد الأمنيّة : من ظفر به نصب ، و من فاته تعب [ 2 ] .

[ 1 ] إذا تمّ العقل نقص الكلام : فالعاقل لعلمه بمساوى‏ء الكلام ، و ما يلزمه من تبعات ، و يتبعه من حساب بين يدي اللَّه تعالى ، فتراه يقتصر في كلامه على ما يلزم .

[ 2 ] الدهر يخلق الأبدان . . . : يبليها . و يجدد الآمال : يجعلها تتجدد ، فالكبير أطول أملا في الحياة من الصغير . و يقرّب المنية : الموت ، لأن الإنسان يمشي نحو الموت شاء أم أبى . و يباعد الأمنية : فهو لو عاش مئات السنين فإنه يموت قبل أن يحقق كلّ آماله ، بل يأخذ بعضها إلى القبر . من ظفر به نصب : تعب فالأغنياء أكثر تعبا و عناء من الفقراء . و من فاته تعب : في تحصيل ما يلزمه ، و توفير ما يحتاجه .

[ 25 ]

73 و قال عليه السلام : من نصب نفسه للنّاس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره ،

و ليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ، و معلّم نفسه و مؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلّم النّاس و مؤدّبهم [ 1 ] . 74 و قال عليه السلام : نفس المرء خطاه

[ 1 ] من نصب نفسه للناس إماما فليبدأ بتعليم نفسه . . . :

و تهذيبها ، لأنه يستحيل عليه إصلاح غيره مع فساده ، لأن فاقد الشي‏ء لا يعطيه . و ليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه :

لأنه أبلغ في التأثير ، و أوقع في النفوس . و معلم نفسه و مؤدّبها أحق بالإجلال من معلم الناس و مؤدّبهم : لأنه مسؤول عنها قبل مسؤوليته عن غيره . و حقّها عليه في التهذيب أعظم من حقوق الآخرين ، ثم هو جدير بالإكبار لنجاحه في موقف قلّ فيه من نجح .

[ 26 ]

إلى أجله [ 1 ] . 75 و قال عليه السلام : كلّ معدود منقض ، و كلّ متوقّع آت [ 2 ] . 76 و قال عليه السلام : إنّ الأمور إذا اشتبهت اعتبر آخرها بأوّلها [ 3 ] . 77 و من خبر ضرار بن حمزة الضبابي عند دخوله على معاوية و مسألته له عن أمير المؤمنين ،

[ 1 ] نفس المرء خطاه إلى أجله : كل نفس يتنفّس به يقرّبه إلى الموت .

[ 2 ] كل معدود منقض . . . : و هذه حقيقة علمية لا يختلف فيها إثنان ، و المراد بها هنا عمر الإنسان ، فهو لو بلغ عمر نوح ( ع ) فلا بد من إنقضائه و تصرّمه . و كل متوقع آت : توقّع الأمر : إرتقب وقوعه ، و المراد بذلك الموت .

[ 3 ] أن الأمور إذا إشتبهت . . . : خفيت و التبست . إعتبر آخرها بأولها : تقاس نتائجها بمقدماتها . و المراد : التوقّف و عدم المسارعة في طريق مظلم .

[ 27 ]

و قال : فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى الليل سدوله و هو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم [ 1 ] و يبكي بكاء الحزين ، و يقول : يا دنيا ، إليك عنّي أبي تعرّضت ؟ أم إليّ تشوّفت ؟ لا حان حينك هيهات غرّي غيري [ 2 ] ، لا حاجة لي فيك ، قد

[ 1 ] أرخى الليل سدوله . . . : أرخى الشي‏ء : أسدله ،

و الإسدال : إرخاء الستر . و المحراب : مقام الإمام في المسجد ، و يقال : محراب المصلّي مأخوذ من المحاربة ،

لأن المصلّي يحارب الشيطان ، و يحارب نفسه بإحضار قلبه .

يتململ تململ السليم : التململ : عدم الإستقرار من المرض . و السليم : الملسوع من حيّة أو غيرها .

[ 2 ] أ بي تعرّضت . . . : تصدّيت . أم إليّ تشوّفت : تطلعت .

لا حان حينك : لا حضر وقتك ، أي لا كنت . هيهات :

إسم فعل معناه البعد . غرّي غيري : لست ممن ينخدع بك ، و يستهويه باطلك .

[ 28 ]

طلّقتك ثلاثا [ 1 ] لا رجعة فيها فعيشك قصير ،

و خطرك يسير ، و أملك حقير [ 2 ] . آه من قلّة الزّاد ، و طول الطّريق ، و بعد السّفر ، و عظيم المورد [ 3 ] . 78 و من كلام له عليه السلام للسائل الشامي لما سأله : أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء

[ 1 ] قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها : و إنما قال ثلاثا لتحصل البينونة و الفراق الأبدي .

[ 2 ] فعيشك قصير . فهو مهما طال بالنسبة لعمر الآخرة كقطرة ماء من البحر المحيط . و خيرك يسير : قليل . و أملك حقير :

الآمال التي تومّل فيها ذليلة مهينة .

[ 3 ] آه . . . : كلمة توجع . و قلة الزاد : الذي دعت إليه الآية :

وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَير الزَّاد التَّقوَى 2 : 197 . و طول الطريق : المفضي إلى اللَّه تعالى . و بعد السفر : إليه . و عظيم المورد : موقف الورود و العرض على اللَّه تعالى .

[ 29 ]

من اللَّه و قدر ؟ بعد كلام طويل هذا مختاره :

ويحك لعلّك ظننت قضاء لازما ، و قدرا حاتما [ 1 ] ، و لو كان ذلك كذلك لبطل الثّواب و العقاب ، و سقط الوعد و الوعيد [ 2 ] إنّ اللَّه سبحانه أمر عباده تخييرا ، و نهاهم تحذيرا ، و كلّف يسيرا ، و لم يكلّف عسيرا ، و أعطى على القليل كثيرا ، و لم يعص مغلوبا ، و لم يطع مكرها ، و لم يرسل الأنبياء لعبا ، و لم ينزل الكتاب للعباد عبثا ، و لا خلق السّموات و الأرض و ما بينهما

[ 1 ] ويحك لعلك ظننت قضاء لازما . . . : ويح كلمة ترحّم و توجّع . و لازما : ثابتا . و قدرا حاتما : حتم عليه الأمر حاتما : أوجبه جزما .

[ 2 ] و لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب . . . : لأن الثواب و العقاب يحصلان من اختيار العبد العمل ، فإذا سلب منه الإختيار سقط العوض . و سقط الوعد : بالجنات . و الوعيد :

بالنيران .

[ 30 ]

باطلا [ 1 ] و ذلِكَ ظَنّ الَّذِينَ كَفَرُوا ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار . 79 و قال عليه السلام : خذ الحكمة [ 2 ] أنّى كانت فإنّ الحكمة تكون في صدر المنافق فتلجلج

[ 1 ] أمر عباده تخييرا . . . إختيارا . و المراد : جعل لهم الإختيار في سلوك طريق الخير و الشر إنَّا هَدَيَناهُ السَّبيلَ إِمَّا شاكراً و إِمَّا كَفُوراً 76 : 3 . و نهاهم تحذيرا : تخويفا . و كلّف يسيرا :

سهلا . و لم يكلّف عسيرا : صعبا . و المراد جميع الفرائض الإسلامية سهلة و لكن الشيطان يصوّر للإنسان أبسط الواجبات كنزح ماء البحر ، و نقل الجبال . و لم يعص مغلوبا : مقهورا .

و المراد : لم يكونوا بمنزلة المغالبين القاهرين ، بل هو القاهر فوق عباده ، و لكن إقتضت حكمته فتح باب التوبة لهم ، و عدم معاجلتهم . و لم يطع مكروها : لم يكرههم عليها ، بل جعل لهم إختيار فعلها و تركها . و لم ينزل الكتب للعباد عبثا : هو العمل لا حكمة فيه . و لا خلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا : لا غرض فيه حكمي .

[ 2 ] الحكمة : الكلام الذي يقل لفظه و يجل معناه وَ لَقَد آتَينا لَقمَان الحِكَمَة 31 : 12 .

[ 31 ]

في صدره [ 1 ] حتّى تخرج فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن . 80 و قال عليه السلام : الحكمة ضالّة المؤمن [ 2 ] ، فخذ الحكمة و لو من أهل النّفاق . 81 و قال عليه السلام : قيمة كلّ امرى‏ء ما يحسنه [ 3 ] . قال الرضي : و هي الكلمة التي لا تصاب لها قيمة ، و لا توزن بها حكمة و لا تقرن إليها كلمة .

[ 1 ] المنافق . . . : الذي يظهر الإسلام و يبطن الكفر : فتلجلج في صدره : تتردد و تتعلق و لم تستقر .

[ 2 ] الضالة : كل ما ضل ، أي ضاع و فقد من المحسوسات و المعقولات .

[ 3 ] قيمة كل إمرى‏ء . . . : قدر منزلته . ما يحسنه : من علم و غيره . و ينبغي أن تدفع هذه الحكمة المسلم للإستزادة من العلم و العمل لأن ذلك مقياس فضله .

[ 32 ]

82 و قال عليه السلام : أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل لكانت لذلك أهلا [ 1 ] : لا يرجونّ أحد منكم إلاّ ربّه [ 2 ] ، و لا يخافنّ إلاّ ذنبه ، و لا يستحينّ أحد منكم إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول لا أعلم ، و لا يستحينّ أحد إذا لم يعلم الشّي‏ء أن يتعلّمه ، و عليكم بالصّبر فإنّ الصّبر من الإيمان كالرّأس من الجسد [ 3 ] ، و لا خير في جسد لا رأس معه ، و لا في إيمان لا صبر معه .

[ 1 ] آباط الإبل . . . : جمع إبط : باطن الكتف . و المراد :

السفر من أجلها ، لأن راكب الجمل بضرب إبطيه بكعبيه .

لكانت لذلك أهلا : جديرة بذلك .

[ 2 ] لا يرجونّ أحدكم إلاّ ربّه : بقطع رجاءه من العباد كلهم ،

و يقصد بحاجاته كبيرها و صغيرها رب العالمين .

[ 3 ] فإن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد : كما أن الجسد لا ينتفع به بدون الرأس ، كذلك لا ينفع الإيمان بدون الصبر .

[ 33 ]

83 و قال عليه السلام لرجل أفرط في الثّناء عليه ، و كان له متّهما : أنا دون ما تقول و فوق ما في نفسك [ 1 ] . 84 و قال عليه السلام : بقيّة السّيف أبقى عددا ، و أكثر ولدا [ 2 ] . 85 و قال عليه السلام : من ترك قول « لا أدري » أصيبت مقاتله [ 3 ] .

[ 1 ] أفرط . . . : جاوز الحد و القدر في قول أو فعل . أنا دون ما تقول : من الثناء . و فوق ما في نفسك : و أسمى و أرفع مما تعتقد .

[ 2 ] بقية السيف أبقى عددا ، و أكثر ولدا : الجماعات التي تعرّضت للقتل يحصل النماء و التكاثر في أولادهم ، و لا أدل على ذلك ما حصل لأولاده ( ع ) ، فمنذ العهد الأموي و حتى اليوم و السيف موجّه على رقابهم ، و مع ذلك فلا نسل يعرف أكثر من نسله .

[ 3 ] من ترك قول لا أدري . . . : يتسرّع فيجيب بدون علم أصيبت مقاتله : العضو الذي إن أصيب لا يكاد صاحبه يسلم . و المراد : إن المتسرّع بالجواب بدون علم يعطب و يهلك ، و لا ينجو من ذلك دنيا و لا آخرة .

[ 34 ]

86 و قال عليه السلام : رأي الشّيخ أحبّ إليّ من جلد الغلام و روي « من مشهد الغلام » [ 1 ] . 87 و قال عليه السلام : عجبت لمن يقنط و معه الاستغفار [ 2 ] .

[ 1 ] رأي الشيخ . . . : تجاربه و خبرته . أحبّ إليّ من جلد الغلام : قوّته . و مشهده : حضوره . و المراد : إن تجارب الشيخ الحربية ، و خبرته العسكرية ، أنفع للأمّة من قوّة الشباب ، و حضورهم للقتال ، فقد يكسب الحرب بتخطيطه و آرائه و هذا من المائة شاهد التي أخذها المتنبي من كلام أمير المؤمنين ( ع ) فقال :

الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أوّل و هي المحل الثاني

 

[ 2 ] عجبت لمن يقنط . . . : ييأس قُل يا عِباديَ الَّذينَ أَسرفُوا على أنفُسهِمِ لاَ تقنطَوا مِن رَحمةِ اللَّهِ 39 : 53 . و معه الاستغفار : قال رسول اللَّه ( ص ) : ( من لزم الإستغفار جعل اللَّه له من كل همّ فرجا ، و من كل ضيق مخرجا ، و يرزقه من حيث لا يحتسب ) .

[ 35 ]

88 و حكى عنه أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام أنه قال :

كان في الأرض أمانان [ 1 ] من عذاب اللَّه و قد رفع أحدهما فدونكم الآخر فتمسّكوا به : أمّا الأمان الّذي رفع فهو رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم و أمّا الأمان الباقي فالاستغفار قال اللَّه تعالى : وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مَا كَانَ اللَّهَ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . قال الرضي : و هذا من محاسن الاستخراج و لطائف الاستنباط .

[ 1 ] كان في الأرض أمانان : سببان للنجاة و السلامة .

[ 36 ]

89 و قال عليه السلام : من أصلح ما بينه و بين اللَّه أصلح اللَّه ما بينه و بين النّاس و من أصلح أمر آخرته أصلح اللَّه له أمر دنياه ، و من كان له من نفسه واعظ كان عليه من اللَّه حافظ [ 1 ] . 90 و قال عليه السلام : الفقيه كلّ الفقيه من لم يقنّط النّاس من رحمة اللَّه ، و لم يؤيسهم من

[ 1 ] من أصلح ما بينه و بين اللَّه . . . : إصلاح العبد ما بينه و بين اللَّه تعالى يكون بأداء ما كلفه به و الإنتهاء عما نهاه عنه .

أصلح اللَّه ما بينه و بين الناس : لأن صلاحه يدعو إلى حسن سلوكه ، و احترام حقوق الآخرين ، فيستوجب بذلك حبّهم و مودتّهم . و من أصلح أمر آخرته : هي قريبة من السابقة ،

و المراد : إهتّم بما ينجيه فيها فعمله . أصلح اللَّه أمر دنياه :

هيأ له فيها السعادة ، و تكفّل بنجاح مساعيه ، و لو لم يكن من ذلك إلاّ حسن الذكر بين المجتمع لكفاه ذلك . و من كان له من نفسه واعظ : باعث نفسي يمنعه من الإقدام على المعاصي . كان عليه من اللَّه حافظ : يرعاه و يحرسه من المكاره .

[ 37 ]

روح اللَّه ، و لم يؤمنهم من مكر اللَّه [ 1 ] . 91 و قال عليه السلام : أوضع العلم ما وقف على اللّسان و أرفعه ما ظهر في الجوارح و الأركان [ 2 ] . 92 و قال عليه السلام : إنّ هذه القلوب تملّ

[ 1 ] الفقيه . . . : العالم بأصول الشريعة . من لم يقنطهم من رحمة اللَّه : لا يؤيسهم من مغفرته و عفوه . و لم يؤيسهم من روح اللَّه : رحمته إنّه لا يايئَسُ مِن رَوح اللَّه إلاّ القَومُ الكافِرُونَ 12 : 87 . و لم يؤمنهم : يجعلهم آمنين . من مكر اللَّه : من عذابه فَلا يأمَنُ مَكرَ اللَّهِ إلاّ القَومُ الخَاسِرُونَ 7 : 99 .

[ 2 ] أوضع العلم . . . : أخسّه و أقلّه قدرا و منزلة . ما وقف على اللسان : لم يتجاوزه إلى حقل العمل . و أرفعه : و أشرفه . ما ظهر في الجوارح و الأركان جمع ركن : أحد الجوانب التي يستند إليها الشي‏ء و يقوم بها . و المراد : عمل به ، و طبّقه على نفسه كَبُرَ مَقتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تفعَلُونَ 61 : 3

[ 38 ]

كما تملّ الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكم [ 1 ] . 93 و قال عليه السلام : لا يقولنّ أحدكم « اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الفتنة » لأنّه ليس أحد إلاّ و هو مشتمل على فتنة ، و لكن من استعاذ فليستعذ من مضلاّت الفتن [ 2 ] فإنّ اللَّه سبحانه يقول :

وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُم وَ أَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ و معنى ذلك أنّه يختبرهم بالأموال و الأولاد ليتبيّن السّاخط لرزقه ، و الرّاضي بقسمه ، و إن كان سبحانه أعلم

[ 1 ] إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان . الملال : فتور يعرض للإنسان من كرّة مزاولته لشي‏ء ، فيوجب الكلال و الأعراض عنه . فابتغوا لها طرائف الحكم : لطائفها و غرائبها المعجبة للنفس ، اللذيذة لها ، لأن ذلك مدعاة لنشاطها و عودتها للعمل الجدّي .

[ 2 ] مضلات الفتن . . . : التي يكبو فيها الإنسان ، و يبعد عن طريق الإستقامة .

[ 39 ]

بهم من أنفسهم ، و لكن لتظهر الأفعال الّتي بها يستحقّ الثّواب و العقاب لأنّ بعضهم يحبّ الذّكور و يكره الإناث ، و بعضهم يحبّ تثمير المال و يكره انثلام الحال [ 1 ] . قال الرضي : و هذا من غريب ما سمع منه في التفسير . 94 و سئل عن الخير ما هو ؟ فقال : ليس الخير أن يكثر مالك و ولدك و لكنّ الخير أن يكثر علمك و أن يعظم حلمك [ 2 ] ، و أن تباهي النّاس بعبادة ربّك فإن أحسنت حمدت اللَّه ،

و إن أسأت استغفرت اللَّه و لا خير في الدّنيا إلاّ

[ 1 ] تثمير المال . . . : تنميته . و يكره إنثلام الحال : إنثلم الإناء : إنكسر من حافته . و المراد بالحال جوانبه التي يخشى أن يصيبها ضرر .

[ 2 ] حلمك : عقلك .

[ 40 ]

لرجلين : رجل أذنب ذنوبا فهو يتداركها بالتّوبة ،

و رجل يسارع في الخيرات [ 1 ] . 95 و قال عليه السلام : لا يقلّ عمل مع التّقوى و كيف يقلّ ما يتقبّل [ 2 ] ؟ . 96 و قال عليه السلام : إنّ أولى النّاس

[ 1 ] يسارع في الخيرات : يبادر إلى الطاعات قبل أن تفوت فرصتها ، أو تعاجله المنيّة .

[ 2 ] لا يقل عمل مع التقوى . . . : التقوى : العمل بأوامر اللَّه تعالى ، و الإنتهاء عما نهى عنه ، و المسلم إذا إتقى اللَّه تعالى في أمره فقد أكثر من الخير . قال رجل لأبي جعفر عليه السلام : إني رجل ضعيف العمل ، قليل الصيام ، و لكن أرجو أن لا آكل إلاّ حلالا ، و لا أنكح إلاّ حلالا فقال عليه السلام : أيّ اجتهاد أفضل من عفة البطن و الفرج . و كيف يقل ما يتقبل : لا يمكن وصفه بالقلّة بعد أن كان مقبولا ،

إستوجب به من اللَّه تعالى الثواب .

[ 41 ]

بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به [ 1 ] ، ثمّ تلى : إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ للَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هَذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ثمّ قال : إنّ وليّ محمّد من أطاع اللَّه و إن بعدت لحمته [ 2 ] و إنّ عدوّ محمّد من عصى اللَّه و إن قربت قرابته 97 و قد سمع رجلا من الحرورية [ 3 ] يتهجد و يقرأ ، فقال : نوم على يقين خير من صلاة في شكّ [ 4 ] .

[ 1 ] أن أولى الناس بالأنبياء . . . : أحقّهم بهم . أعلمهم بما جاؤوا به : من الشرائع و الأحكام . و فيها إشارة إلى الخلافة ،

و إنها يجب أن تكون لأعلم الأمّة .

[ 2 ] بعدت لحمته : قرابته .

[ 3 ] الحرورية . . . : الخوارج . و يتهجد : يصلي نوافل الليل .

[ 4 ] نوم على يقين . . . : بالعقائد ، و ما ينبغي تيقنه . خير من صلاة في شك : بالعقائد ، لأن المفروض بالمسلم سلامة العقيدة و إستقامتها لأنها بمنزلة الأساس للبناء .

[ 42 ]

98 و قال عليه السلام : اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية فإنّ رواة العلم كثير ، و رعاته قليل [ 1 ] . 99 و سمع رجلا يقول : إنَّا للَّهِ وَ إِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ فقال عليه السّلام :

إن قولنا إنَّا للَّهِ إقرار على أنفسنا بالملك و قولنا وَ إنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ إقرار على أنفسنا بالهلك [ 2 ] .

[ 1 ] إعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية : عقل الشي‏ء : أدركه على حقيقته . و المراد : تفهّم للمقصود ، فإن رواة العلم كثير : حفّاظ النصوص . و رعاته قليل : العارفون لمعانيه ، و المتفهمون لمقاصده .

[ 2 ] إقرار على أنفسنا بالملك . . . : عبيد مملوكون . و إقرار على نفسنا بالهلك : الهلاك : هو الموت . و المراد : الاعتراف بمشاهد القيامة و وقوفنا بين يدي ربنا للحساب .

[ 43 ]

100 و مدحه قوم في وجهه ، فقال : اللّهمّ إنّك أعلم بي من نفسي ، و أنا أعلم بنفسي منهم اللّهمّ اجعلنا خيرا ممّا يظنّون ، و اغفر لنا ما لا يعلمون [ 1 ] . 101 و قال عليه السلام : لا يستقيم قضاء الحوائج إلاّ بثلاث : باستصغارها لتعظم و باستكتامها لتظهر و بتعجيلها لتهنؤ [ 2 ] .

[ 1 ] إنك أعلم بي من نفسي . . . : لأني ربما نسيت بعض ما كنت فيه ، و ذهب عني علمه ، لكنك عالم به ، قد أحصيته و ثبّته . و أنا أعلم بنفسي منهم : فلا أغتر بمدحهم . و يلزم الإنسان أن لا يطربه ثناء الآخرين فيترك إصلاح نفسه و تعاهدها . و اجعلنا خيرا مما يظنون : أسمى مما اعتقدوه فينا من الصلاح . و اغفر لنا ما لا يعملون : مما ستر عنهم .

[ 2 ] لا يستقيم قضاء الحوائج إلاّ بثلاث . . . : لا يتم و لا يكمل معروفها . باستصغارها : يستهونها و لا يستعظمها .

و باستكتامها : عدم التحدّث بها . لتظهر : ليجدها في صحيفة أعماله يوم القيامة ، أو ان العناية الإلهية تظهرها للناس بأحسن صورة جزاء لإستكتامها . و تعجيلها لتهنؤ : يفرح بها و يسر .

[ 44 ]

102 و قال عليه السلام : يأتي على النّاس زمان لا يقرّب فيه إلاّ الماحل و لا يظرّف فيه إلاّ الفاجر و لا يضعّف فيه إلاّ المنصف [ 1 ] : يعدّون الصّدقة فيه غرما و صلة الرّحم منّا و العبادة استطالة على النّاس فعند ذلك يكون السّلطان بمشورة النّساء و إمارة الصّبيان و تدبير

[ 1 ] الماحل . . . : الذي يسعى بالناس إلى السلطان . و الفاجر :

من مضى في المعاصي غير مكترث . و لا يظرّف فيه إلاّ الفاجر : ظرف فلان : كان كيّسا حاذقا . و لا يضعف :

يعد ضعيفا . و المصنف : العادل . يعدون الصدقة فيه غرما :

خسارة . و صلة الرحم : مساعدة الأقرباء . منّا : يقول لهم : ألم أعطكم ، ألم أحسن إليكم ؟ يَا أيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تُبطِلُوا صَدَقاتِكُم بِالمَنِّ وَ الأَذَى 2 : 264 . و العبادة إستطالة على الناس : يتكبّر و يترفّع عليهم . و المراد : تتبدل المقاييس عندهم ، و ينظرون للأشياء بنظرة مغايرة للحقيقة .

[ 45 ]

الخصيان [ 1 ] . 103 و رئى عليه إزار [ 2 ] خلق مرقوع فقيل له في ذلك ، فقال : يخشع له القلب ، و تذلّ به النّفس ، و يقتدي به المؤمنون [ 3 ] . 104 إنّ الدّنيا و الآخرة عدوّان متفاوتان ،

و سبيلان مختلفان : فمن أحبّ الدّنيا و تولاّها أبغض الآخرة و عاداها [ 4 ] و هما بمنزلة المشرق و المغرب ،

[ 1 ] فعند ذلك يكون السلطان بمشورة النساء . . . : برأيهن .

و إمارة الصبيان : يجعلهم الأمراء على المسلمين . و تدبير الخصيان خصاه : سلّ خصيتيه و نزعهما . و كان العباسيون و من بعدهم يكثرون من هؤلاء ، و قد يرتفع بعضهم و تكون له اليد الطولى في الأمور .

[ 2 ] ازار : ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن .

[ 3 ] يخشع له القلب . . . : يخضع . و تذل به النفس :

الذل : الضعف و المهانة . و المراد : تنكسر نخوتها . و يقتدي به المؤمنون : يفعلون مثل فعله أتباعا و اقتداء به .

[ 4 ] أن الدنيا و الآخرة متفاوتان . . . : مختلفان . و سبيلان مختلفان : طريقان متغايران . فمن أحبّ الدنيا و تولاها :

توجّه بكلّه إليها . أبغض الآخرة و عاداها : لم يعد يعمل لها .

[ 46 ]

و ماش بينهما : كلّما قرب من واحد بعد الآخر و هما بعد ضرّتان [ 1 ] . 105 و عن نوف البكالي ، قال : رأيت أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة و قد خرج من فراشه فنظر في النجوم فقال لي : يا نوف ، أراقد أنت أم رامق [ 2 ] ؟ فقلت : بل رامق قال : يا نوف .

طوبى للزّاهدين في الدّنيا الرّاغبين في

[ 1 ] ضرتان : الضرّة : إحدى زوجتي الرجل أو إحدى زوجاته .

و المفروض بالمسلم أن يحدد موقفه لصعوبة الجمع ما بينهما .

[ 2 ] راقد . . . : نائم . و رمقه : نظر إليه .

[ 47 ]

الآخرة [ 1 ] أولئك قوم اتّخذوا الأرض بساطا ،

و ترابها فراشا و ماءها طيبا ، و القرآن شعارا و الدّعاء دثارا [ 2 ] ثمّ قرضوا الدّنيا قرضا على منهاج المسيح [ 3 ] .

يا نوف ، إنّ داود عليه السّلام قام في مثل

[ 1 ] طوبى للزاهدين في الدنيا . . . : لهم الحسنى و الخير الَّذينَ آمَنُوا وَ عمِلوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُم وَ حُسنُ مآبٍ 13 : 29 . الراغبين في الآخرة : الحريصين على الإهتمام بما يسعدهم فيها .

[ 2 ] إتخذوا الأرض بساطا . . . الخ : تخلوا عنها ، و اعرضوا عن زينتها . قال عيسى عليه السلام : الأرض فراشي ، و القمر سراجي ، و بقول الأرض فاكهتي . و القرآن شعارا : الشعار : ما ولي جسد الإنسان دون ما سواه من الثياب . و الدعاء دثارا :

الدثار : الثوب الذي يكون فوق الشعار : الغرض وصف تعلّقهم بالقرآن الكريم ، و الإبتهال إلى اللَّه تعالى .

[ 3 ] ثم قرضوا الدنيا قرضا . . . : تركوها و خلّفوها . على منهاج المسيح : في الزهد فيها ، و التخلي عنها .

[ 48 ]

هذه السّاعة من اللّيل فقال : إنّها ساعة لا يدعو فيها عبد إلاّ استجيب له إلاّ أن يكون عشّارا أو عريفا [ 1 ] أو شرطيّا ، أو صاحب عرطبة ( و هي الطنبور ) أو صاحب كوبة ( و هي الطبل . و قد قيل أيضا : إن العرطبة الطبل و الكوبة الطنبور ) . 106 و قال عليه السلام : إنّ اللَّه افترض عليكم الفرائض فلا تضيّعوها و حدّ لكم حدودا فلا تعتدوها و نهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها و سكت لكم عن أشياء و لم يدعها نسيانا فلا تتكلّفوها [ 2 ] .

[ 1 ] عشارا . . . : مأخوذ من التعشير ، و هو أخذ العشر من أموال الناس بأمر الظالم . أو عريفا : القيّم بأمر القوم و سيّدهم ،

فهو لقربه من الظالم ، و إستفادته منه يسعى في الإضرار بقومه ، و كذلك الشرطي ، فهو أحد أعوان الظلمة .

[ 2 ] إفترض عليكم الفرائض . . . : ما فرضه اللَّه على عباده كالصلاة و الصوم . فلا تضيّعوها : لا تهملوها .

و حدّ لكم حدودا : ما حرّمه و نهى عنه : فلا تنتهكوها : تذهبوا حرمتها . و سكت لكم عن أشياء : يشير إلى قوله تعالى : يَا أيُّها الّذينَ آمَنُوا لاَ تسئَلُوا عَن أشياء أن تُبدَلكم تَسؤْكُم 5 : 101 . و لم يدعها نسيانا : تنزّه عن ذلك . و المراد : ترك التعسف و البحث عن أشياء سكتت عنها الشريعة . فلا تتكلفوها : لا تتعرضوا لما لا يعنيكم .

[ 49 ]

107 و قال عليه السلام : لا يترك النّاس شيئا من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلاّ فتح اللَّه عليهم ما هو أضرّ منه [ 1 ] . 108 و قال عليه السلام : ربّ عالم قد قتله جهله و علمه معه لا ينفعه [ 2 ] .

[ 1 ] لا يترك الناس شيئا من أمر دينهم . . . : مما أمروا به .

لإستصلاح دنياهم : طلبا لأمر دنيوي ، كالذي يترك فريضة الصيام حفاظا على صحته إلاّ فتح اللَّه عليهم ما هو أضر منه : يبتلى بمرض أشد و أعظم مما كان يحتمل .

[ 2 ] ربّ عالم قتله جهله . . . : الجهل : الجفاء و السفه . و علمه معه لا ينفعه : لم يفده . و المراد : لم يتأدب بآداب العلم ، و لم يعمل بما يلزمه العمل به .

[ 50 ]

109 و قال عليه السلام : لقد علّق بنياط هذا الإنسان بضعة هي أعجب ما فيه و هو القلب و ذلك أنّ له موادّ من الحكمة و أضداد من خلافها [ 1 ] : فإن سنح له الرّجاء أذلّه الطّمع ، و إن هاج به الطّمع أهلكه الحرص ، و إن ملكه اليأس قتله الأسف ، و إن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ ، و إن أسعده الرّضا نسي التّحفّظ ، و إن غاله الخوف شغله الحذر ، و إن اتّسع له الأمن استلبته الغرّة ، و إن أصابته مصيبة فضحه الجزع ، و إن

[ 1 ] لقد علّق بنياط هذا الإنسان بضعة . . . : نياط القلب : ما علّق به إلى الرئتين . و البضعة من اللحم : القطعة ، و المراد بها هنا القلب . و له مواد من الحكمة . مواد جمع مادة : كل شي‏ء يكون مددا لغيره . و الحكمة : الكلام الذي يقل لفظه و يحل معناه . و اضداد من خلافها : حالات منافية للحكمة .

[ 51 ]

أفاد ما لا أطغاه الغنى ، و إن عضّته الفاقة شغله البلاء ، و إن جهده الجوع قعد به الضّعف ، و إن أفرط به الشّبع كظّته البطنة فكلّ تقصير به مضرّ ، و كلّ إفراط له مفسد [ 1 ] .

[ 1 ] فان سنح له . . . : عرض له . الرجاء : الأمل . أذله :

أهانه . الطمع : الرغبة في الشي‏ء و اشتهاؤه . و المراد : من أمّل شيئا و رغب فيه ، أصابه هوان من جراء الطلب . و إن هاج به الطمع : بدت فورته و غضبه . أهلكه الحرص : أماته الجشع . و إن ملكه : إستولى عليه . و اليأس : إنقطاع الأمل . و إن عرض له الغضب : إستجاب لانفعال يتميّز بالميل إلى الإعتداء . إشتدّ به الغيظ : و هو تغيّر وجداني يلحق الانسان من مكروه يصيبه و قد يصاحبه أعراض جسمية . و إن أسعده الرضا : مشت الأمور على نهج ما يحب و يرغب . نسي التحفظ : غفل عن التحرز . و إن ناله الخوف : أدركه . شغله الحذر : التيقظ و الإستعداد . و إن اتسع له الأمن : ذهب عنه الخوف و الوجل ، و صار آمنا على نفسه و ماله . استلبته الغرّة :

إستلب الشي‏ء : إنتزعه قهرا . و الغرّة : الغفلة و إن أفاد مالا : إكتسبه . أطغاه الغنى : جاوز الحد المقبول . و إن أصابته مصيبة : في ماله أو أهله . فضحه الجزع : لم يصبر على ما نزل به . و إن عضته : لزمته و استمسكت به . و الفاقة : الفقر .

أشغله : لهاه و صرفه . و البلاء : المحنة تنزل بالمرء . و إن جهده الجوع : إشتدّ عليه . قعد به الضعف : منعه عن مزاولة العمل . و إن أفرط به الشبع : جاوز الحد و القدر . كظته البطنة : الكظّة : شي‏ء يعتري الإنسان من الإمتلاء من الطعام حتى لا يطيق التنفس منه . و البطنة : الإمتلاء الشديد من الطعام فكل تقصير به مضر . و كل افراط له مفسد : يسبب له الخلل ، و يخرجه عن طريق الإستقامة . و المراد من الفصل :

أن الإنسان مركب نقص ، ضعيف القوى ، فينبغي له أن يفهم نفسه ، فمن عرف نفسه عرف ربّه ، و إن يحرص في عمره القصير على العمل بما يكسبه السعادة الأبدية .

[ 52 ]

110 و قال عليه السلام : نحن النّمرقة الوسطى بها يلحق التّالي ، و إليها يرجع الغالي [ 1 ] .

[ 1 ] نحن النمرقة الوسطى . . . : النمرقة : الوسادة . و الوسط :

المعتدل من كل شي‏ء . بها يلحق التالي : المقصّر في الدين .

و إليها يرجع الغالي : و المتجاوز في طلبه حد العدل . و المراد :

نحن أئمة العدل ، و قادة الأمّة ، فعلى المسلمين أن يلتحقوا بصفّنا ، و يقتدوا بنا ، و يأخذوا أمور دينهم منّا .

[ 53 ]

111 و قال عليه السلام : لا يقيم أمر اللَّه سبحانه إلاّ من لا يصانع و لا يضارع ، و لا يتّبع المطامع [ 1 ] . 112 و قال عليه السلام : و قد توفي سهل بن حنيف الأنصاري بالكوفة بعد مرجعه معه من صفين ، و كان أحب الناس إليه : لو أحبّني جبل لتهافت [ 2 ] . معنى ذلك أن المحنة تغلظ عليه [ 3 ] فتسرع

[ 1 ] لا يقيم أمر اللَّه . . . : الخلافة . إلاّ من لا يصانع : لا يداري و لا يلاين . و لا يضارع : لا يذل و لا يخضع . و لا يتبع المطامع : الرغبة في الشي‏ء و إشتهاؤه .

[ 2 ] تهافت : تساقط قطعة قطعة .

[ 3 ] المحنة . . . : البلاء و الشدّة . و تغلظ : تصعب . و المراد : أن العناية الإلهية التي سبقت لمحبيه ، و الكرامة التي حصّلوها بذلك ، فيجمع اللَّه تعالى لهم معها البلاء و الفقر لتتضاعف غدا درجاتهم و مكانتهم عند اللَّه جلّ جلاله و من مصاديق ذلك أن محبيه و شيعته منذ اليوم الأوّل و حتى اليوم و هم أشد الدنيا بلاء ، و التاريخ شاهد على أعمال زياد بن أبيه ، و عبيد اللَّه بن زياد و الحجاج بن يوسف ، و حتى اليوم .

[ 54 ]

المصائب إليه ، و لا يفعل ذلك إلا بالأتقياء الأبرار و المصطفين الأخيار و هذا مثل قوله عليه السلام :

113 من أحبّنا أهل البيت فليستعدّ للفقر جلبابا [ 1 ] . « و قد يؤول ذلك على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره » . 114 و قال عليه السلام : لا مال أعود من

[ 1 ] فليستعد للفقر جلبابا : الجلباب : الثوب المشتمل على الجسد كله . و المراد : يوطّن نفسه على الفقر .

[ 55 ]

العقل ، و لا وحدة أوحش من العجب ، و لا عقل كالتّدبير ، و لا كرم كالتّقوى ، و لا قرين كحسن الخلق و لا ميراث كالأدب ، و لا قائد كالتّوفيق ،

و لا تجارة كالعمل الصّالح و لا ربح كالثّواب ، و لا ورع كالوقوف عند الشّبهة ، و لا زهد كالزّهد في الحرام و لا علم كالتّفكر ، و لا عبادة كأداء الفرائض ، و لا إيمان كالحياء و الصّبر ، و لا حسب كالتّواضع ، و لا شرف كالعلم و لا عزّ كالحلم و لا مظاهرة أوثق من المشاورة [ 1 ] .

[ 1 ] لا مال أعود من العقل . . . : أنفع . و لا وحدة أوحش من العجب : الوحشة من الناس : الإنقطاع ، و بعد القلوب عن المودّة . و العجب : الكبر و الزهو . و المراد : أن المعجب بنفسه أو عمله تتباعد عنه الناس ، و لا يجد من يأنس به . و لا عقل كالتدبير : دبّر الأمر : ساسه و نظر في عاقبته . و المراد : أن العاقل هو الذي يحسن التصرّف . و لا كرم كالتقوى : الكرم :

العطاء عن طيب خاطر . و التقوى : العمل بما أمر اللَّه به ،

و الإنتهاء عما نهى عنه . و المراد : أن الكريم الذي يعطي بعض ما يملكه . و المتقي جعل نفسه و رغباتها و تصرفاتها طبقا لما أمر اللَّه تعالى به ، فهو خليق بأن يجعل في قمة الكرماء . و لا قرين كحسن الخلق . القرين : الصاحب . و المراد : حسن الخلق أفضل صاحب يصحبه الإنسان . و لا ميراث كالأدب :

الميراث : المال الذي ينتقل من الأموات إلى الأحياء . و الأدب :

الإشتمال على مكارم الأخلاق . و المراد : أفضل مغنم يحصله الإنسان هو الأدب ، لأن به تدرك سعادة الدارين . و لا قائد التوفيق : التوفيق من اللَّه تعالى للعبد هو بتيسير الأسباب التي توصله نحو الخير و السداد ، و ليس هذا من اللَّه سبحانه لأناس دون آخرين إعتباطا ، لأن ذلك يخالف العدالة ، فالكل عباده ، و لكن المراد : ان العبد إذا سار في طريق الصلاح ،

و اتبع ما أمر به حصلت له العناية و التسديد . و لا تجارة كالعمل الصالح : لما فيه من جزيل الربح مَن جاءَ بالحَسَنَة فَلَهُ عَشرُ أمثَالِهَا 6 : 160 . و لا ربح كالثواب : لأن به تنال الجنة .

و لا ورع كالوقوف عند الشبهة : الورع : التحرج و التوقي عن المحارم ثم استعير للتأثم من الحلال . و الشبهة : ما التبس أمره أحلال هو أم حرام ، و حق هو أم باطل . و لا زهد كالزهد في الحرام : زهد في الشي‏ء : تركه و أعرض عنه . و المراد : ترك المحرمات ، و الاعراض عنها ، و ذلك أرفع مقامات الزهد و أجلّها . و لا علم كالتفكير : لأنه يفتح للإنسان آفاق المعرفة و الحديث النبوي : ( فكرة ساعة خير من عبادة سنة ) و لا عبادة كإداء الفرائض : لأنه مطالب بها ، فلو قام العبد ليلة و نهاره متعبّدا ،

و ترك فريضة الصبح متعمدا ، كان عاصيا مستحقا للعقاب .

و لا إيمان كالحياء و الصبر : الحياء : الإنقباض و الإنزواء عن القبيح مخافة الذم . و الحديث : ( الحياء من شعب الإيمان ) .

و الصبر : حبس النفس عن إظهار الجزع . و المراد : لا إيمان كإيمان كمل بالحياء و الصبر . و لا حسب كالتواضع : الحسب :

ما كان للإنسان و لآبائه من شرف ثابت متعدد النواحي .

و المراد : بالتواضع ينال المسلم الشرف و الرفعة بأكثر مما يناله بالحسب . و لا شرف كالعلم : لأن به يبلغ الذروة في الرفعة و الجلالة . و لا مظاهرة أوثق من المشاورة : الظهير : المعين .

و المراد : أن الذي يشاور في أموره يحصل على أعظم رافد للعون و القوّة .

[ 56 ]

115 و قال عليه السلام : إذا استولى الصّلاح على الزّمان و أهله ثمّ أساء رجل الظّنّ برجل لم تظهر منه خزية فقد ظلم و إذا استولى

[ 57 ]

الفساد على الزّمان و أهله فأحسن رجل الظّنّ

[ 58 ]

برجل فقد غرّر [ 1 ] . 116 و قيل له عليه السلام : كيف تجدك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام : كيف يكون حال من يفنى ببقائه ، و يسقم بصحّته ، و يؤتى من مأمنه [ 2 ] 117 و قال عليه السلام : كم من مستدرج بالإحسان إليه و مغرور بالسّتر عليه و مفتون بحسن

[ 1 ] لم تظهر منه خزية . . . : لم يقع في بلية و شرّ يفتضح . فقد غرر : جهل الأمور ، و غفل عنها . و المراد : في الوقت الذي يستقيم فيه الناس ، و يسود فيه الدين فينبغي حسن الظن بالناس ، و في الوقت الذي تنعكس فيه المفاهيم ، و يتعاظم فيه الشر ، فينبغي التحرز و التحفّظ من كل أحد .

[ 2 ] من يفنى ببقائه . . . : هو في حال بقائه يمشي إلى الفناء ( الموت ) و يسقم بصحته : يؤول أمره إلى المرض ، فإن سلم من ذلك فهو يسير إلى مرض الشيخوخة . و يؤتى من مأمنه :

يصيبه المكروه من الجهة التي يأمن منها .

[ 59 ]

القول فيه و ما ابتلى اللَّه أحد بمثل الإملاء له [ 1 ] . 118 و قال عليه السلام : هلك فيّ رجلان محبّ غال و مبغض قال [ 2 ]

[ 1 ] كم من مستدرج بالإحسان إليه . . . : إستدرج فلانا :

خدعه حتى حمله على أن يدرج إلى أمر من الأمور ، و إستدرج اللَّه العبد : انه كلما جدد خطيئة جدد له نعمة ، و انساه الإستغفار ، فيأخذه قليلا قليلا و لا يباغته سَنَسَتدرِجُهُم مِن حَيثُ لاَ يَعلَمُونَ 7 : 182 . و مغرور بالستر عليه :

مغرور : مخدوع ، فهو مطمئن لما يرى من ستر اللَّه عليه ،

و عدم فضيحته بين الناس . و مفتون : أفتتن بالأمر : إستهواه و أعجبه . بحسن القول فيه : مدح الناس له . و ما ابتلى اللَّه أحدا بمثل الإملاء له : الإمهال وَ لاَ يَحسَبَنّ الَّذين كَفَروا أنما نُملي لهُم خيرُ لأنفُسهِم إِنَّما نُملي لهُم لِيزدَادُوا إثماً وَ لَهُم عَذَابُ مُهينٌ 3 : 178 . و المراد : ترك المعاجلة بالعقوبة لزيادة الإثم و شدّة العقاب .

[ 2 ] هلك . . . : عطب . في رجلان : محبّ غال : تجاوز الحد ،

فادعى للإمام عليه السلام الألوهية أو النبوة . و مبغض قال :

شديد البغض .

[ 60 ]

119 و قال عليه السلام : إضاعة الفرصة غصّة [ 1 ] . 120 و قال عليه السلام : مثل الدّنيا كمثل الحيّة ليّن مسّها و السّمّ النّاقع في جوفها : يهوي إليها الغرّ الجاهل ، و يحذرها ذو اللّبّ [ 2 ] العاقل . 121 و سئل عليه السلام عن قريش فقال :

أمّا بنو مخزوم فريحانة قريش [ 3 ] تحبّ حديث رجالهم ، و النّكاح في نسائهم ، و أمّا بنو عبد

[ 1 ] إضاعة الفرصة غصّة : توجب أسف الإنسان على تفويتها و اضاعتها ، لا سيما إذا كانت في عمل خيّر و أتته فيه الظروف .

[ 2 ] يهوي إليها . . . : يحبّها . و الغر : من ينخدع . و يحذرها :

يتيقظ و يستعد . ذو اللب : ذو العقل .

[ 3 ] ريحانة قريش : قالوا : كان لجدهم مخزوم ريح طيّبة كالخزامى ، و لونا كلونه ، فذلك سبب تسميتهم .

[ 61 ]

شمس فأبعدها رأيا ، و أمنعها لما وراء ظهورها [ 1 ] ، و أمّا نحن فأبذل لما في أيدينا ،

و أسمح عند الموت بنفوسنا [ 2 ] ، و هم أكثر و أمكر و أنكر ، و نحن أفصح و أنصح و أصبح [ 3 ] . 122 و قال عليه السلام : شتّان ما بين عملين . عمل تذهب لذّته و تبقى تبعته ، و عمل تذهب مؤونته و يبقى أجره [ 4 ] .

[ 1 ] فأبعدها رأيا . . . : لهم جودة رأي و تدبير للأمور . و أمنعها لما وراء ظهورها : فيهم حميّة .

[ 2 ] فأبذل لما في أيدينا . . . : أكرم منهم . و أسمح عند الموت بأنفسنا : أشجع .

[ 3 ] و هم أكثر و أمكر و أنكر . . . : أمكر : أخدع . و النكر :

المنكر . و نحن أفصح : منطقا . و أنصح : الناصح : الخالص من كل شي‏ء ، و يقال : إمرؤ ناصح الجيب : لا غشّ عنده .

و أصبح : صبح الوجه صباحة : أشرق و جمل ، فهو صبيح .

[ 4 ] شتان . . . : بعد و عظم الفرق بينهما . و تذهب لذته و تبقى تبعته : المسؤولية عنه . و عمل تذهب مؤونته و يبقى أجره :

تذهب أتعابه و يبقى ثوابه : و المراد : عمل البغي و كل محرّم تنتهي لذته و يبقى وزره ، و عمل الآخرة تزول أتعابه و يدّخر ثوابه .

[ 62 ]

123 و تبع جنازة فسمع رجلا يضحك ،

فقال : كأنّ الموت فيها على غيرنا كتب ، و كأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب ، و كأنّ الّذي نرى من الأموات سفر [ 1 ] عمّا قليل إلينا راجعون نبوّؤهم أجداثهم ، و نأكل تراثهم كأنّا مخلّدون بعدهم قد نسينا كلّ واعظ و واعظة ، و رمينا بكلّ فادح و جائحة [ 2 ] طوبى لمن ذلّ

[ 1 ] و كأنّ الحق فيها على غيرنا وجب . . . : كأنّ الموت على غيرنا كتب . و سفر : مسافرون .

[ 2 ] نبوئهم أجداثا . . . : بوأه : أنزله ، و المنزل له أعد .

و أجداثا : قبورا . و نأكل تراثهم : ميراثهم ( ما تركوه من أموال ) . ثم قد نسينا كل واعظ و واعظة : الواعظة : ما يتعظ بها من قول أو فعل . و المراد : أن الموت لو تأمّله الإنسان كفاه موعظة و عبرة ، و مع ذلك صرنا لا نعبأ و لا نتعظ به . و رمينا بكل جائحة : المصيبة تحل بالرجل في ماله فتجتاحه كله .

[ 63 ]

في نفسه ، و طاب كسبه و صلحت سريرته ،

و حسنت خليقته و أنفق الفضل من ماله ، و أمسك الفضل من لسانه ، و عزل عن النّاس شرّه ،

و وسعته السّنّة ، و لم ينسب إلى البدعة [ 1 ] . قال الرضي : أقول : و من الناس من ينسب

[ 1 ] طوبى . . . : الحسنى و الخير . و ذلّ في نفسه : ترك الزهو و الكبرياء . و طاب : زكا و طهر . و كسبه : مورد رزقه .

و المراد : حصّل على المال من طريق مشروع . و صلحت سريرته : ما يكتمه في نفسه . و المراد : حسنت نواياه ، فهو لا يضمر لأحد شرّا . و أنفق الفضل من ماله : صرف ما زاد عن حاجته في سبيل اللَّه تعالى . و أمسك الفضل من لسانه : إقتصر في كلامه على ما يعود عليه بالنفع الأخروي : و عزل عن الناس شرّه : الشر : السوء و الفساد . و المراد : تجنب كل عمل و قول يضر بالآخرين . و وسعته السّنة : الطريقة و السيرة . و المراد :

إلتزم بكل ما صدر عن الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله من قول و فعل ، لا يتجاوز ذلك إلى غيره . و لم ينسب : لم يعز .

إلى بدعة : ما استحدث في الدين ما ليس له أصل في كتاب اللَّه ، و لا سنّة رسوله صلى اللَّه عليه و آله .

[ 64 ]

هذا الكلام إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم ، و كذلك الذي قبله . 124 و قال عليه السلام : غيرة المرأة كفر و غيرة الرّجل إيمان [ 1 ] . 125 و قال عليه السلام : لأنسبنّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي : الإسلام هو التّسليم و التّسليم هو اليقين و اليقين هو التّصديق

[ 1 ] غيرة المرأة كفر . . . : غارت المرأة على زوجها : ثارت نفسها بسبب أن يشاركها في زوجها غيرها ، و وصفها بالكفر لمخالفتها للشريعة ، و أيضا قد تؤول بها الغيرة إلى السحر و غيره مما هو في حكم الكفر . و غار الرجل على امرأته غيرة : ثارت نفسه لإبدائها زينتها و محاسنها لغيره ، و وصفها بالإيمان لمطابقتها لأحكام الشريعة .

[ 65 ]

و التّصديق هو الإقرار و الإقرار هو الأداء و الأداء هو العمل [ 1 ] . 126 و قال عليه السلام : عجبت للبخيل يستعجل الفقر الّذي منه هرب ، و يفوته الغنى الّذي إيّاه طلب [ 2 ] ، فيعيش في الدّنيا عيش

[ 1 ] لانسبن الإسلام نسبة . . . : نسب الشي‏ء وصفه . الإسلام هو التسليم : الإنقياد للَّه سبحانه و تعالى وَ مَنْ يُسلِم وَجهَهُ إِلى اِللَّه وَ هُو مُحسنُ فَقَد استَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقَى 31 : 22 .

و التسليم هو اليقين : العلم و زوال الشك . و اليقين هو التصديق : بما جاء عن اللَّه و رسوله . و التصديق هو الإقرار :

الإعتراف . و الإقرار هو الاداء : العمل بما أمر به طبقا لما جاء في الشريعة . و المراد من الجملة : الإلتزام و العمل بما جاء في الرسالة ، و إن ذلك هو حقيقة الإسلام و غايته .

[ 2 ] عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب . . . : فهو إنما يبخل مخافة أن يفتقر ، بينما هو يعيش في حالة بؤس و فقر .

و يفوته الغنى الذي إياه طلب : لا يشعر بلذة الأمر الذي كرّس حياته لأجله .

[ 66 ]

الفقراء ، و يحاسب في الآخرة حساب الأغنياء ،

و عجبت للمتكبّر الّذي كان بالأمس نطفة و يكون غدا جيفة ، و عجبت لمن شكّ في اللَّه و هو يرى خلق اللَّه ، و عجبت لمن نسي الموت و هو يرى الموتى ، و عجبت لمن أنكر النّشأة الأخرى [ 1 ] و هو يرى النّشأة الأولى ، و عجبت لعامر دار الفناء و تارك دار البقاء [ 2 ] 127 و قال عليه السلام : من قصّر في العمل ابتلي بالهمّ ، و لا حاجة للَّه فيمن ليس للَّه في

[ 1 ] النشأة الأخرى : الإعادة للحساب . و المراد : كيف لا يستدل بالنشأة الأولى على الأخرى ، علما أن الإعادة أيسر من الإبتداء .

[ 2 ] و عجبت لعامر دار الفناء . . . : فهو يبني و يقتني للدنيا و هو على يقين من فراقها . و تارك دار البقاء : يترك العمل للآخرة و ما يسعده فيها مع يقينه بدوامها ، و حاجته لما ينجيه من أهوالها .

[ 67 ]

ماله و نفسه نصيب [ 1 ] . 128 و قال عليه السلام : توقّوا البرد في أوّله ، و تلقّوه في آخره فإنّه يفعل في الأبدان كفعله في الأشجار : أوّله يحرق ، و آخره يورق [ 2 ] .

[ 1 ] من قصّر بالعمل . . . : تهاون في اداء ما كلّف به . إبتلي بالهم : فهو يتهاون باداء التكاليف الشرعية ليوفّر على نفسه الراحة ، فيبتليه اللَّه جلّ جلاله بالهموم و الأحزان و القلق عقوبة له في الدنيا مع ما أعدّ له في الآخرة . و لا حاجة للَّه : المراد بالحاجة : لا ينظر إليه نظر كرامة ، و لا يبوّئه جنته . فيمن ليس للَّه في ماله و نفسه نصيب : يبخل بهما في المواطن التي أمر ببذلهما .

[ 2 ] توقوا البرد في أوله و تلقوه في آخره . . . : الإنتقال من الحرارة إلى البرودة يسبب النزلة الصدرية ، و عوارض الزكام ، و يسد مسام الدماغ ، بينما التعرّض له في آخر الفصل لا يؤثر فيه ،

لأن الجسم قد تعوّد طيلة فصل الشتاء على البرد . فإنه يفعل بالأبدان : من العوارض و الأسقام . فعله في الأشجار : من إصفرار أوراقها و تساقطها . أوّله يحرق : يذهب ببهجتها . و آخره يورق : الأشجار . و لعل العلم الحديث يسجل الكلمة في الإكتشافات الطبّية .

[ 68 ]

129 و قال عليه السلام : عظم الخالق عندك يصغّر المخلوق في عينك [ 1 ] . 130 و قال عليه السلام و قد رجع من صفين فاشرف على القبور بظاهر الكوفة :

يا أهل الدّيار الموحشة و المحالّ المقفرة ،

و القبور المظلمة يا أهل التّربة ، يا أهل الغربة يا أهل الوحدة ، أهل الوحشة أنتم لنا فرط سابق و نحن لكم تبع لاحق [ 2 ] أمّا الدّور فقد

[ 1 ] عظم الخالق عندك ، يصغّر المخلوق في عينك : المراد من التعظيم : الإنقياد و الطاعة ، و الإشتمال بلباس الورع و التقوى ، فعندها يشعر العبد بالإعتزاز بسيده ، فلا يخاف طاغية ، و لا يرهب جبارا .

[ 2 ] يا أهل الديار الموحشة . . . : وحش المكان : صار قفرا ،

و خلا من الناس . و المحال المقفرة : الخالية من السكان . يا أهل التربة : القبور . يا أهل الغربة : البعد عن الأوطان . يا أهل الوحدة : الإنفراد . أنتم لنا فرط سابق : الفرط : الذي يتقدّم الواردة فيهيى‏ء لهم الإرشاد و الدلاء و الحياض ، و يستقي .

و المراد : أنتم المتقدمون . و نحن لكم تبع لاحق : لاحقون بكم ، مقبلون عليكم .

[ 69 ]

سكنت ، و أمّا الأزواج فقد نكحت و أمّا الأموال فقد قسمت ، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ؟

ثم التفت إلى أصحابه فقال : أما لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أنّ خير الزّاد التّقوى [ 1 ] . 131 و قال عليه السلام ، و قد سمع رجلا يذم الدنيا : أيّها الذّامّ للدّنيا المغترّ بغرورها المخدوع بأباطيلها أتغترّ بالدّنيا ثمّ تذمّها أنت

[ 1 ] أن خير الزاد التقوى : التزوّد من الأعمال الصالحة .

[ 70 ]

المتجرّم عليها أم هي المتجرّمة عليك [ 1 ] ؟ متى استهوتك أم متى غرّتك [ 2 ] ؟ أبمصارع آبائك من البلى ؟ أم بمضاجع أمّهاتك تحت الثّرى [ 3 ] ؟ كم علّلت بكفّيك ؟ و كم مرّضت بيديك ؟ تبغي لهم الشّفاء ، و تستوصف لهم الأطبّاء [ 4 ] ، غداة لا

[ 1 ] المغتر . . . : المخدوع . بغرورها : خدعته بزينتها . المخدوع بأباطيلها جمع باطل : نقيض الحق . أنت المتجرّم عليها أم هي المتجرّمة عليك : المدعي جريمة ( ذنبا ) و المراد : أنت المذنب أم هي ؟

[ 2 ] متى استهوتك . . . : إستهوى الشي‏ء : أعجبه و شغل هواه .

أم متى غرتك : خدعتك . و المراد من الفصل : أن منه السبب لا منها ، و عليه اللوم لا عليها ، بل كان بإمكانه أن يتخذها سلّما إلى الجنة .

[ 3 ] أبمصارع آبائك من البلى . . . : صرعه : طرحه على الأرض .

و البلى الفناء . أم بمضاجع امهاتك تحت الثرى : الأرض .

و المراد : إنك على علم بأفعالها ، و قد شاهدت أفعالها بذويك ،

فكان اللازم عليك الإحتراز منها .

[ 4 ] كم عللت بكفيك . . . : عالجتهم في عللهم و أمراضهم .

و كم مرضت بيديك : أحسنت القيام عليهم و تقديم الدواء لهم . تبغي لهم الشفاء : تطلب لهم البرء من علتهم .

و تستوصف لهم الأطباء : تسألهم أن يصفوا لهم العلاج .

[ 71 ]

يغني عنهم دواؤك ، و لا يجدي عليهم بكاؤك لم ينفع أحدهم إشفاقك ، و لم تسعف بطلبتك ، و لم تدفع عنه بقوّتك [ 1 ] و قد مثّلت لك به الدّنيا نفسك و بمصرعه مصرعك [ 2 ] . إنّ الدّنيا دار صدق لمن صدقها ، و دار عافية لمن فهم عنها ،

[ 1 ] و لم ينفع أحدهم إشفاقك . . . : خوفك و حذرك . و لم تسعف فيهم بطلبتك : الإسعاف : الاعانة و قضاء الحاجة .

و طلبتك : مطلوبك و حاجتك . و المراد : لم تحقق أمنيتك في شفائهم . و لم تدفع عنهم بقوّتك : لم تتمكن من دفع الموت عنهم .

[ 2 ] قد مثلت لك به الدنيا نفسك ، و بمصرعه مصرعك : مثّل الشي‏ء بالشي‏ء تمثيلا و تمثالا شبهه به ، و قدّره على قدره .

و صرعه : طرحه على الأرض . و المراد : كان اللازم أخذ العبرة من الذين مرّضتهم ، أو شاهدت مصارعهم .

[ 72 ]

و دار غنى لمن تزوّد منها ، و دار موعظة لمن اتّعظ بها [ 1 ] ، مسجد أحبّاء اللَّه ، و مصلّى ملائكة اللَّه و مهبط وحي اللَّه ، و متجر أولياء اللَّه [ 2 ] ، اكتسبوا

[ 1 ] أن الدنيا دار صدق . . . : كلما نسب إلى الصلاح و الخير أضيف إلى الصدق ، كقوله تعالى مَبوَّأ صدقٍ 10 : 93 .

و كقولهم : دار صدق ، و رجل صدق . لمن صدقها : فيما أخبر بلسان حالها . و دار عاقبة لمن فهم عنها : من تفهّم حقيقتها سلم من تبعاتها ، و أمن من المؤاخذة بها . و دار غنى لمن تزوّد منها : حصل منها الزاد المطلوب للقيامة ، لأن الدنيا مزرعة الآخرة . و دار موعظة لمن اتعظ بها : أخذ منها المواعظ و العبر .

[ 2 ] مسجد أحباء اللَّه . . . : مكان عبادتهم . و مصلّى ملائكة اللَّه :

موضع صلاة الهابطين منهم إلى الأرض . و مهبط وحي اللَّه :

محل نزول الملائكة بالوحي على الأنبياء عليهم السلام . و متجر أولياء اللَّه : محل تجارتهم مع اللَّه ، و هم الذين وصفتهم الآية مَثَلُ الَّذين يُنفقُونَ أَمَوالَهُم في سَبيل اللَّهِ كَمَثَل حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبعَ سَنابِلَ في كُلّ سُنبُلَةٍ مائة حَبَّةٍ وَ اللَّه يُضَاعِفُ لمَن يَشَاءُ وَ اللَّه واسِعُ عَليمُ 2 : 261 .

[ 73 ]

فيها الرّحمة ، و ربحوا فيها الجنّة [ 1 ] ، فمن ذا يذمّها و قد آذنت ببينها [ 2 ] و نادت بفراقها ، و نعت نفسها و أهلها فمثّلت لهم ببلائها البلاء ، و شوّقتهم بسرورها إلى السّرور [ 3 ] ؟ ؟ راحت بعافية ،

و ابتكرت بفجيعة ترغيبا و ترهيبا ، و تخويفا و تحذيرا [ 4 ] ، فذمّها رجال غداة النّدامة ، و حمدها

[ 1 ] إكتسبوا فيها الرحمة . . . : حصّلوا بتوجههم إليه ، و إمتثالهم لأوامره رحمته إِنَّ رَحمةَ اللَّهِ قَرِيبُ مِنَ المحسِنِينَ 7 : 56 .

و ربحوا فيها الجنة : فازوا بنعيمها .

[ 2 ] فمن ذا يذمّها و قد آذنت ببيّنها . . . : آذنت : أعلمت .

و البيّن : الواضح . و المراد : لم تكتم حقيقتها . و نعت نفسها و أهلها : أخبرت بفنائها ، و موت أهلها .

[ 3 ] فمثلت لهم ببلائها البلاء . . . : شبّهت لهم بلاءها و كرباتها ببلاء الآخرة و شدائد القيامة . و شوّقتهم بسرورها إلى السرور : شوّقه الأمر : رغّبة فيه ، و حببه إليه . و المراد : ان مباهجها ، و مناظرها الجميلة الممتعة صورة مصغّرة جدا عن نعيم الآخرة ، تستدعي و تشوّق المسلم للعمل .

[ 4 ] راحت بعافية . . . : راح روحا : سار في العشي .

و ابتكرت : بكّر بكورا : خرج أوّل النهار . بفجيعة : بمصيبة مؤلمة . و المراد بيان سرعة تقلبها . ترغيبا : رغب بالشي‏ء :

حرص عليه و طمع فيه . و ترهيبا : رهبّه : خوّفه . و تخويفا و تحذيرا : تيقظا و استعدادا . و المراد : ان هذا التغيير و التبديل في أوضاعها مدعاة للمسلم إلى أن يحذرها و يعمل لما بعدها .

[ 74 ]

آخرون يوم القيامة ذكّرتهم الدّنيا فتذكّروا و حدّثتهم فصدّقوا ، و وعظتهم فاتّعظوا [ 1 ] . 132 و قال عليه السلام : إنّ للَّه ملكا ينادي في كلّ يوم : لدوا للموت و اجمعوا للفناء ،

و ابنوا للخراب [ 2 ] .

[ 1 ] فذمها رجال غداة الندامة . . . : في وقت لم تنفعهم فيه الندامة . و حمدها آخرون يوم القيامة : عندما رأوا ثمرة أعمالهم . ذكرتهم الدنيا فتذكروا : وعظتهم فاتعظوا .

و حدثتهم : بخداعها و غرورها . فصدّقوا : ذلك ، و عملوا لما يلزم . و وعظتهم فاتعظوا : أخذوا منها العبر فانتفعوا بها .

[ 2 ] لدوا . . . : فعل أمر من لدّ ، و الكلام موجّه للوالدين .

و المراد : ما تلدون الموت . و اجمعوا للفناء : فنى الشي‏ء : باد و انتهى وجوده ، و ابنوا للخراب : بناؤكم يؤول للخراب .

[ 75 ]

133 و قال عليه السلام : الدّنيا دار ممرّ لا دار مقرّ [ 1 ] ، و النّاس فيها رجلان : رجل باع فيها نفسه فأوبقها ، و رجل ابتاع نفسه فأعتقها [ 2 ] . 134 و قال عليه السلام : لا يكون الصّديق صديقا حتّى يحفظ أخاه في ثلاث : في نكبته ،

و غيبته ، و وفاته [ 3 ] .

[ 1 ] الدنيا دار ممر لا دار مقر . . . : قريب من قول عيسى عليه السلام : ( إنما الدنيا قنطرة ، فاعبروها و لا تعمّروها ) .

[ 2 ] رجل باع فيها نفسه . . . : قدّمها ثمنا لما أصاب من لذّة فأوبقها : أهلكها . و رجل إبتاع نفسه : إشتراها ، و الثمن الذي دفعه إلتزامه بأحكام الشريعة . فأعتقها : العتق :

خروج العبد من الرق . و المراد : خلصها من الهلاك الأبدي .

[ 3 ] يحفظ أخاه . . . : يرعاه . في نكبته : في مصيبته .

و غيبته : يرعى حقوقه عند غيابه . و وفاته : يذكره بالترحم و الإستغفار و أعمال البر .

[ 76 ]

135 و قال عليه السلام : من أعطي أربعا لم يحرم أربعا : من أعطي الدّعاء لم يحرم الإجابة ، و من أعطي التّوبة لم يحرم القبول ،

و من أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة ، و من أعطي الشّكر لم يحرم الزّيادة [ 1 ] .

قال الرضي : و تصديق ذلك كتاب اللَّه ، قال اللَّه في الدّعاء : ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ و قال في الاستغفار : وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّه غَفُوراً رَحِيماً و قال في الشكر : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ و قال في

[ 1 ] من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة . . . الخ : المراد : الحث على هذه الخصال الأربع ، و المبادرة إليها ، ليحصّل على ثمراتها التي ذكرها عليه السلام .

[ 77 ]

التوبة إنَّما التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَة ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ، فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهمْ وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً . 136 و قال عليه السلام : الصّلاة قربان كلّ تقيّ ، و الحجّ جهاد كلّ ضعيف ، و لكلّ شي‏ء زكاة و زكاة البدن الصّيام ، و جهاد المرأة حسن التّبعّل [ 1 ] .

[ 1 ] الصلاة قربان كل تقي . . . : القربان : كل ما يقصد به التقّرب إلى اللَّه تعالى من أعمال البر . و التقي : العامل بأوامر اللَّه تعالى ، التارك لما نهاه . و المراد : إن الصلاة أعظم عمل يتقرب به العبد إلى اللَّه جلّ جلاله . و الحج جهاد كل ضعيف : الجهاد : فريضة شاقة ، و الحج أيضا لا يخلو من مشاق ، يدرك به من سقط عنه الجهاد ثوابه . و لكل شي‏ء زكاة و زكاة البدن الصيام : الزكاة : البركة و النماء و الصلاح ، و الصوم يصلح البدن و يذهب عنه الأسقام ، و الحديث النبوي :

( صوموا تصحّوا ) و جهاد المرأة حسن التبعّل : تحسن طاعتها لزوجها . و المراد : لا جهاد عليها

كتب القتل و القتال علينا
و على المحصنات جر الذيول

 

[ 78 ]

137 و قال عليه السلام : استنزلوا الرّزق بالصّدقة [ 1 ] . 138 و قال عليه السلام : من أيقن بالخلف جاد بالعطيّة [ 2 ] . 139 و قال عليه السلام : تنزل المعونة على قدر المؤونة [ 3 ] .

[ 1 ] إستنزلوا الرزق بالصدقة : للصدقة الأثر الأكبر في دفع البلاء ، و زيادة الأرزاق ، و يقول الإمام الصادق عليه السلام :

إني لأملق أحيانا فأتاجر اللَّه بالصدقة .

[ 2 ] من أيقن بالخلف جاد بالعطية : الخلف : العوض و البدل .

و جاد : بذل . و العطية : ما يعطى . و المراد : أن المؤمنين المصدّقين بمواعيد اللَّه و رسوله يتصدّقون و يسخون بمعروفهم ليعوّضهم اللَّه عن ذلك خير الدنيا و الآخرة .

[ 3 ] تنزل المعونة على قدر المؤونة : المؤونة : القوت .

و المراد : أن أرزاق العباد تأتي على قدر كفايتهم و حاجتهم ،

و ينبغي للمسلم أن لا يهتم بكثرة العيال و يقول الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله : ( من ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء الظن باللَّه تعالى ) .

[ 79 ]

140 و قال عليه السلام : ما أعال من اقتصد [ 1 ] . 141 و قال عليه السلام : قلّة العيال أحد اليسارين [ 2 ] . 142 و قال عليه السلام : التّودّد نصف العقل [ 3 ] .

[ 1 ] ما عال من أقتصد : عال : إفتقر . و المراد : من توسّط في الإنفاق فلم يسرف و لم يقتّر لم يفتقر .

[ 2 ] قلة العيال أحد اليسارين : اليسار : الغنى و الثروة .

و المراد : أن قلّة العيال تستوجب قلّة الإنفاق ، فكأنه يعيش في يسار و أن كان فقيرا لعدم حاجته للإنفاق .

[ 3 ] التودد نصف العقل : تودد له تحبب . و المراد : من شأن العاقل أن يتحبب إلى الناس ليسلم من أذاهم ، و يكسب عطفهم ، و يستفيد من معاونتهم .

[ 80 ]

143 و قال عليه السلام : الهمّ نصف الهرم [ 1 ] . 144 و قال عليه السلام : ينزل الصّبر على قدر المصيبة ، و من ضرب يده على فخذه عند مصيبته حبط عمله [ 2 ] .

[ 1 ] الهم نصف الهرم : الهم : الحزن . و هرم : بلغ أقصى الكبر و الضعف . و المراد : أن الحزن يستوجب إنحلال المزاج ،

و الضعف ، و عوارض الشيخوخة .

[ 2 ] ينزل الصبر على قدر المصيبة . . . : إن اللَّه تعالى يعين المصاب و يلهمه الصبر ، و لو لم يكن في ذلك إلاّ النسيان للمصيبة لكفى به عونا . و من ضرب يده على فخذه عند مصيبته : من مظاهر الجزع ، و المفروض بالمسلم الصبر و التسليم إِنَّما يُوتَّى الصَّابِرُونَ أَجَرهُم بغَيرِ حِسَابٍ 39 :

10 . حبط عمله : بطل .

[ 81 ]

145 و قال عليه السلام : كم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الجوع و الظّمأ ، و كم من قائم ليس له من قيامه إلاّ السّهر و العناء ،

حبَّذا نوم الأكياس و إفطارهم [ 1 ] . 146 و قال عليه السلام : سوسوا إيمانكم بالصّدقة ، و حصّنوا أموالكم بالزّكاة ، و ادفعوا أمواج البلاء بالدّعاء [ 2 ] .

[ 1 ] كم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الظمأ . . . : للتسامح في وقت الإمساك و الإفطار ، فيتجاوز الحد الشرعي ، أو لعدم مراعاته الحديث : ( من صام صامت معه جوارحه ) و جاء في الحديث النبوي في فتاتين : ( و متى صامتا و قد أكلتا لحوم الناس بالغيبة ) و كم من قائم ليس له من قيامه إلاّ السهر و العناء : العناء : التعب . و المراد : أن عبادته لم تكن مطابقة لنهج الشريعة ، أو لدخول الرياء و العجب . حبذا نوم الأكياس : العقلاء .

[ 2 ] سوسوا إيمانكم بالصدقة . . . : ساس الأمر : قام به .

و المراد : الصدقة مظهر من مظاهر الإيمان و من دواعي إستقراره الَّذينَ يُومِنُونَ بِالغَيب و يَقيمُونَ الصَّلاةَ وَ ممَّا رزقَناهُم يُنفقُونَ 2 : 3 . و حصنوا أموالكم بالزكاة :

الحصن : الموضع المنيع . و المراد : إحفظوها بدفع الزكاة . و الحديث : ( ما نقصت زكاة من مال قط ، و لا هلك مال في برّ أو بحر أديت زكاته ) و ادفعوا أمواج البلاء بالدعاء :

قال الإمام الصادق عليه السلام : الدعاء يرد القضاء بعد ما أبرم إبراما ، فأكثروا من الدعاء فإنه مفتاح كل رحمة ، و نجاح كل حاجة ، و لا ينال ما عند اللَّه عز و جل إلاّ بالدعاء ، و انه ليس باب يكثر قرعه إلاّ أوشك أن يفتح لصاحبه .

[ 82 ]

147 و من كلامه عليه السلام لكميل بن زياد النخعي :

قال كميل بن زياد : أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فأخرجني إلى الجبان فلما أصحر تنفس الصعداء [ 1 ] ثم قال :

يا كميل بن زياد إنّ هذه القلوب أوعية ،

[ 1 ] الجبّان . . . : الصحراء . و أصحر : خرج إلى الصحراء .

و تنفّس الصعداء : تنفّس نفسا ممدودا أو مع توجّع .

[ 83 ]

فخيرها أوعاها [ 1 ] ، فاحفظ عنّي ما أقول لك :

النّاس ثلاثة : فعالم ربّانيّ ، و متعلّم على سبيل نجاة ، و همج رعاع أتباع كلّ ناعق ، يميلون مع كلّ ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم و لم يلجأوا إلى ركن وثيق [ 2 ] .

[ 1 ] ان هذه القلوب أوعيه جمع وعاء : الظرف يوعى فيه الشي‏ء .

فخيرها أوعاها : أحسنها فهما و إدراكا .

[ 2 ] عالم رباني . . . : كامل العلم و العمل و في الكشّاف :

الرباني شديد التمسك بدين اللَّه تعالى و طاعته و قال الطبرسي : الذي يربي أمر الناس بتدبيره و إصلاحه . و متعلم على سبيل نجاة : السبيل : الطريق . و المراد : سائر في طريق ينجو به من مكاره الدنيا و الآخرة . و همج رعاع :

الهمج بالتحريك ، جمع همجة : و هو ذباب صغير كالبعوضة ، يسقط على وجه الغنم و الحمير و أعينها ، و يستعار للإسقاط من الناس و الجهلة . و الرعاع : العوام و السفلة .

أتباع كل ناعق : نعق في الفتنة نعقا : رفع فيها صوته .

يميلون مع كل ريح : ينتقلون من رأي إلى آخر ، و من حزب إلى حزب . لم يستضيئوا بنور العلم : يعيشوا و يموتوا جهالا . و لم يلجأوا إلى ركن وثيق : لم يعتمدوا على منهج سماوي ، و عقيدة قويمة تنجيهم .

[ 84 ]

يا كميل العلم خير من المال ، العلم يحرسك [ 1 ] و أنت تحرس المال و المال تنقصه النّفقة و العلم يزكو على الإنفاق [ 2 ] ، و صنيع المال يزول بزواله [ 3 ] .

يا كميل ، معرفة العلم دين يدان به ، به يكسب الانسان الطّاعة في حياته و جميل الأحدوثة بعد وفاته [ 4 ] ، و العلم حاكم و المال

[ 1 ] العلم يحرسك : يحفظك .

[ 2 ] العلم يزكو على الإنفاق : ينمو و يزداد . و المراد : أن الذي يعلّم غيره يزداد علما بفضل المذاكرة و التدريس بخلاف المال فإنه ينقص بالإنفاق .

[ 3 ] صنيع المال يزول بزواله : الصنيع : الفعل الحسن .

و المراد : أن كل مظاهر المال و روابطه تتلاشى و تفنى بفنائه .

[ 4 ] العلم دين يدان به . . . : عبادة يتعبّد بها للَّه تعالى . به يكسب الإنسان الطاعة في حياته : تطيعه الناس . و جميل الاحدوثة بعد وفاته : الاحدوثة : ما يتحدّث به . و المراد :

يبقى ذكره على الألسن عبر العصور و الأجيال .

[ 85 ]

محكوم عليه [ 1 ] .

يا كميل هلك خزّان الأموال و هم أحياء و العلماء باقون ما بقي الدّهر : أعيانهم مفقودة ،

و أمثالهم في القلوب موجودة [ 2 ] . ها إنّ ههنا لعلما جمّا ( و أشار بيده إلى صدره ) لو أصبت له

[ 1 ] العلم حاكم و المال محكوم عليه : إن كسب المال و جمعه و إنفاقه ، و جميع شؤونه خاضعة للعلم بوجوه ذلك ، و إن تطور المال و ازدهاره بإستخراج المعادن ، و عمل المصانع ،

و غير ذلك لم يحصل إلاّ بالعلم .

[ 2 ] هلك خزان الأموال و هم أحياء . . . : فهم في حياتهم لم يعبأ بهم ، و لم ينوّه بذكرهم ، فضلا من أن يكون لهم أثر من بعدهم . و العلماء باقون ما بقي الدهر : فكأنك لكثرة ما تسمع بذكر الشيخ المفيد ، و الشريف المرتضى ، و الشيخ الطوسي ، و غيرهم ممن مضت على وفاته ألف سنة ،

فتحسبهم أحياء يعيشون بقربك . أعيانهم مفقودة : موتى .

و أمثالهم في القلوب موجودة : بكتبهم و أفكارهم .

[ 86 ]

حملة [ 1 ] بلى أصبت لقنا غير مأمون عليه مستعملا آلة الدّين للدّنيا ، و مستظهرا بنعم اللَّه على عباده ، و بحججه على أوليائه [ 2 ] ، أو منقادا لحملة الحقّ لا بصيرة له في أحنائه [ 3 ] ، ينقدح الشّكّ في قلبه لأوّل عارض من شبهة . ألا لا ذا

[ 1 ] ان ها هنا لعلما جما . . . : كثيرا ، و يكفي للدلالة على ذلك قوله صلى اللَّه عليه و آله : ( أنا مدينة العلم و علي بابها ) لو أصبت له حملة : لهم الإستعداد لحمله و فهمه و رعايته .

[ 2 ] أصبت لقنا . . . : له فهم و قابلية . غير مأمون عليه : ليس بثقة ، يستغله لغير اللَّه تعالى . مستعملا آلة الدين للدنيا :

يريده وسيلة لحصول الدنيا . و مستظهرا : مستعينا . بنعم اللَّه :

العلم . على عباده : بالإستعلاء و الإستكبار عليهم .

و بحججه : علمه . على أوليائه : في مماراتهم و مغالبتهم .

[ 3 ] أو منقادا لحملة الحق . . . : متبعا و مقلدا لأهل الحق . لا بصيرة له : ليس له قوّة إدراك و فطنة . في أحنائه جمع حنو : كل شي‏ء فيه إعوجاج كالضلع . و ينقدح : يؤثر .

و المراد : ليس له أهلية أخذ العلم و تفهم مطالبه ، مكتفيا بالتقليد لأهله .

[ 87 ]

و لا ذاك أو منهوما باللّذّة سلس القياد للشّهوة [ 2 ] ، أو مغرما بالجمع و الادّخار ، ليسا من رعاة الدّين في شي‏ء [ 3 ] ، أقرب شي‏ء شبها بهما الأنعام السّائمة [ 4 ] كذلك يموت العلم بموت

[ 1 ] الا لا ذا و لا ذاك : كلاهما لا يصلحان للعلم .

[ 2 ] أو منهوما باللذة . . . : مولعا بطلب ملاذ الدنيا . سلس القياد للشهوة : ينقاد و يستجيب لدواعيها ، فهو بمعزل عن معالي الأمور ، و طلب المعارف .

[ 3 ] أو مغرما بالجمع و الإدخار . . . : الغرام : التعلق بالشي‏ء تعلقا لا يستطيع التخلص منه . و المراد : متوجه بكله لطلب المال ، لا رغبة له فيما سواه . ليس من رعاة الدين جمع راعي : كل من ولي أمرا بالحفظ و السياسة . و المراد : ليس من الصفوة التي تغار على الدين ، و تذب عن حريمه .

[ 4 ] أقرب شي‏ء شبها بهما الأنعام . . . : الأبل و البقر و الغنم .

و السائمة : هي التي ترسل للرعي و لا تعلف .

[ 88 ]

حامليه [ 1 ] .

اللّهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للَّه بحجّة : إمّا ظاهرا مشهورا ، أو خائفا مغمورا [ 2 ] لئلاّ تبطل حجج اللَّه و بيّناته [ 3 ] . و كم ذا و أين

[ 1 ] كذلك يموت العلم بموت حامليه : يذهب ، و ينطفي مصباحه بموت أهله .

[ 2 ] بلى ، لا تخلو الأرض من قائم للَّه بحجّة : ان اللَّه سبحانه خلق حجّته على خلقه قبل أن يخلقهم ، و هو آدم عليه السلام ، و كلام الإمام عليه السلام يشير إلى إستمرار الحجج قطعا للمعاذير . و يقول إبن أبي الحديد : و هذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الإمامية امّا ظاهرا مشهورا : هم الأئمة من أهل البيت عليهم السلام ، فقد كانوا المعلمين للأمة ،

المرشدين لها و على سبيل المثال : فقد جمع الحافظ إبن عقدة أسماء تلاميذ الإمام الصادق عليه السلام ، و الرواة عنه ، فكانوا أربعة آلاف ، و جاء إبن الغضائري فاستدرك على إبن عقدة فزاد عليهم . أو خائفا مغمورا : مستورا ،

و هو الإمام المهدي عليه السلام .

[ 3 ] لئلا تبطل حجج اللَّه و بيناته : الحجّة : البينة الصحيحة المصححة للأحكام . و البينة : الحجّة الواضحة فَلِلَّه الحُجَّة البَالِغَةُ 6 : 149 .

[ 89 ]

[ أولئك ] ؟ ؟ أولئك و اللَّه الأقلّون عددا ،

و الأعظمون عند اللَّه قدرا [ 1 ] . يحفظ اللَّه بهم حججه و بيّناته حتّى يودعوها نظراءهم ، و يزرعوها في قلوب أشباههم [ 2 ] ، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة ، و باشروا روح اليقين ، و استلانوا ما استوعره المترفون ، و أنسوا بما استوحش منه

[ 1 ] و كم ذا . . . : إستبطاء لطول غيبة الإمام المهدي عليه السلام . و أين أولئك : إستفهام عن أمكنتهم ، و إشارة إلى خفائها . أولئك و اللَّه الأقلون عددا وَ قَليلُ مِن عِبَاديَ الشَكُور 34 : 13 . و الأعظمون قدرا : لهم المنزلة الرفيعة ، و الشأن العظيم عند اللَّه تعالى .

[ 2 ] يحفظ اللَّه بهم حججه و بيناته . . . : هم حفظتها ،

الضابطون لأحكامها . حتى يودعوها نظرائهم :

أمثالهم يدلي بها السلف للخلف . و يزرعوها في قلوب أشباههم : بعدهم .

[ 90 ]

الجاهلون ، و صحبوا الدّنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى [ 1 ] . أولئك خلفاء اللَّه في أرضه ، و الدّعاة إلى دينه [ 2 ] آه آه شوقا إلى رؤيتهم [ 3 ] انصرف يا كميل إذا شئت .

[ 1 ] هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة . . . : أفاضت عليهم العناية الإلهية ، و انفتحت أمامهم أبواب المعارف . و باشروا روح اليقين : باشر الأمر : تولاه بنفسه . و اليقين : العلم و زوال الشك . و المراد : وجدوا حلاوته . و استلانوا ما استوعره المترفون : سهل عليهم ما عسر على المنعمين من الزهد و العبادة . و أنسوا بما إستوحش منه الجاهلون : من الإنقطاع إلى اللَّه تعالى ، و الرغبة فيما عنده . و صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحل الأعلى : تجرّدت عن عوالم المادة ، و اتصلت بالعوالم العلوية .

[ 2 ] أولئك خلفاء اللَّه في أرضه . . . : الحاكمون بأمره وَ إِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلائكَةِ إِنّي جَاعِل في الأرضِ خليفَةً 2 : 30 .

و الدعاة إلى دينه : إلى إعتناق الإسلام ، و العمل بأحكامه .

[ 3 ] آه آه . . . : كلمة توجّع . شوقا إلى رؤيتهم : حبا و رغبة بلقائهم .

[ 91 ]

148 و قال عليه السلام : المرء مخبوء تحت لسانه [ 1 ] . 149 و قال عليه السلام : هلك امرؤ لم يعرف قدره [ 2 ] . 150 و قال عليه السلام : لرجل سأله أن يعظه :

لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير العمل ،

و يرجّي التّوبة بطول الأمل ، يقول في الدّنيا بقول الزّاهدين ، و يعمل فيها بعمل الرّاغبين ،

إن أعطي منها لم يشبع ، و إن منع منها لم يقنع ،

يعجز عن شكر ما أوتي ، و يبتغي الزّيادة فيما

[ 1 ] المرء مخبوء . . . : مستور . تحت لسانه : عند كلامه تتبين مواهبه ، و مقدار حظّه من العلم .

[ 2 ] هلك إمرؤ لم يعرف قدره : يتجاوز منزلته فيعطب .

[ 92 ]

بقي ، ينهى و لا ينتهي ، و يأمر النّاس بما لا يأتي ، يحبّ الصّالحين و لا يعمل عملهم ، و يبغض المذنبين و هو أحدهم ، يكره الموت لكثرة ذنوبه ، و يقيم على ما يكره الموت من أجله [ 1 ] ، إن سقم ضلّ نادما ،

و إن صحّ أمن لاهيا [ 2 ] ، يعجب بنفسه إذا عوفي ،

و يقنط إذا ابّتلي [ 3 ] ، إن أصابه بلاء دعا مضطرّا ،

[ 1 ] لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل . . . : هي مشكلتنا العظمى ، بينما المفروض بمن يرجو شيئا أن يحقق رجاءه بالعمل و الجد . و يرجي التوبة بطول الأمل : يؤخرها لطول أمله بالبقاء . و يقيم على ما يكره الموت من أجله : من الأعمال السيئة .

[ 2 ] أن سقم ظل نادما . . . : إن مرض أسف على تفريطه و عصيانه . و أن أصبح أمن لاهيا : لهى عن الشي‏ء : سلا عنه و ترك ذكره . و المراد : أنه ينسى عند صحته ما كان فيه من مرض و بلاء ، و ما عزم عليه من التغيير و السير في طريق الإستقامة .

[ 3 ] يعجب بنفسه إذا عوفي . . . : ناسيا تقلبات الدهر و نكباته .

و يقنط إذا إبتلى : ييئس عند المحنة .

[ 93 ]

و إن ناله رخاء أعرض مغترّا [ 1 ] ، تغلبه نفسه على ما يظنّ ، و لا يغلبها على ما يستيقن [ 2 ] ، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه ، و يرجو لنفسه بأكثر من عمله [ 3 ] ، إن استغنى بطر و فتن ، و إن افتقر قنط و وهن [ 4 ] ، يقصّر إذا عمل ، و يبالغ إذا سأل [ 5 ] ،

[ 1 ] أن ناله رخاء . . . : سعة عيش و حسن حال . أعرض :

صدّ و تولّى وَ إِذا أَنعَمَنَا عَلَى الإِنسَان أَعرضَ و نأى بِجَانِبِهِ 17 : 83 . و مغتّرا : مخدوعا بزينتها .

[ 2 ] تغلبه نفسه على ما يظن . . . : يسرع إلى الإستجابة لما ترغب فيه نفسه من أمور الدنيا ، فيترك نهج الإستقامة أملا بأن يحظى بشي‏ء من الحطام . و لا يغلبها على ما يستيقن :

من أمر الآخرة . و عقاب العصاة ، فيرعوي و يكف عن عمل القبيح .

[ 3 ] يخاف على غيره بأدنى من ذنبه . . . : يستعظم ذنوب الناس و أعمالهم السيئة ، متناسيا ما هو فيه من الذنوب . و يرجو لنفسه بأكثر من عمله : مما يستحقه من الثواب .

[ 4 ] أن إستغنى بطر . . . : غلا في المرح و الزهو ، و النعمة إستخفّها فكفرها . و فتن الشي‏ء فلانا : أعجب به و إستهواه . و إن افتقر قنط : يئس . و وهى : ضعف .

[ 5 ] يقصّر إذا عمل . . . : يتهاون . و يبالغ إذ سأل : يغالي في سؤاله . و المراد : يتهاون في إداء ما فرض عليه ، و يسأل بأكثر مما يحتاج إليه .

[ 94 ]

إن عرضت له شهوة أسلف المعصية ، و سوّف التّوبة [ 1 ] ، و إن عرته محنة انفرج عن شرائط الملّة [ 2 ] ، يصف العبرة و لا يعتبر ، و يبالغ في الموعظة و لا يتّعظ [ 3 ] ، فهو بالقول مدلّ ، و من العمل مقلّ [ 4 ] ، ينافس فيما يفنى ، و يسامح فيما

[ 1 ] إن عرضت له شهوة أسلف المعصية . . . : قدّمها . و سوّف التوبة : أخّرها . و المراد : لا إرادة عنده تمنعه عن المعصية و لا عزم عنده على الإقلاع و الإنابة .

[ 2 ] و إن عرته محنة إنفرج عن شرائط الملّة : إن أصابه بلاء خرج من الشريعة بقول أو فعل ينافي تعاليم الإسلام .

[ 3 ] يصف العبرة و لا يعتبر . . . : العبرة : الإتعاظ و الإعتبار بما مضى . و يبالغ في الموعظة و لا يتعظ كَبُرَ مَقتاً عِندَ اللَّه أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفعَلُونَ 61 : 3 .

[ 4 ] فهو بالقول مدل . . . : أدل على أقرانه : إستعلى عليهم . و من العمل مقل : مما ينتفع به في الآخرة . و المراد :

حسن القول قبيح العمل .

[ 95 ]

يبقى [ 1 ] ، يرى الغنم مغرما ، و الغرم مغنما [ 2 ] ،

يخشى الموت ، و لا يبادر الفوت [ 3 ] يستعظم من معصية غيره [ 4 ] ما يستقلّ أكثر منه من نفسه ، و يستكثر من طاعته

[ 1 ] ينافس فيما يفنى . . . : يتسابق في طلب الدنيا ، و السعي لها . و يسامح فيما يبقى : يتسامح في عمل الآخرة و ما يسعده فيها .

[ 2 ] يرى الغنم مغرما و الغرم مغنما : الغنم : الفوز بالشي‏ء من غير مشقّة . و الغرم : ما ينوب الإنسان في ماله بغير جناية .

و المراد : يرى ما يقدمه في وجوه البر و الإحسان خسارة ، و ما ينفقه في المعاصي و السفه ربحا .

[ 3 ] يخشى الموت . . . : يخافه . و لا يبادر الفوت : و لا يسارع للعمل الصالح من قبل فوات الأوان .

[ 4 ] يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه . . . :

يجد ذنوب الآخرين كثيرة ، و ذنوبه قليلة ، بينما الواجب عليه خلاف هذا . و يستكثر من طاعته ما يحقّر من طاعة غيره :

يجد أعماله الصالحة تفوق أعمال غيره .

[ 96 ]

ما يحقره من طاعة غيره [ 1 ] ، فهو على النّاس طاعن ، و لنفسه مداهن ، اللّغو مع الأغنياء أحبّ إليه من الذّكر مع الفقراء [ 2 ] ، يحكم على غيره لنفسه ، و لا يحكم عليها لغيره [ 3 ] ، و يرشد غيره و يغوي نفسه [ 4 ] . فهو يطاع و يعصي ،

[ 1 ] فهو على الناس طاعن . . . : يعيب أعمالهم . و لنفسه مداهن : مخادع . و المراد : لم يأخذ بها إلى نهج الإستقامة و السداد .

[ 2 ] اللغو مع الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء : فهو لتعلقه بالدنيا و طالبيها ، يفضّل مجالسة أهلها على عصيان ،

و يترك غيرهم على طاعة .

[ 3 ] يحكم على غيره لنفسه ، و لا يحكم عليها لغيره : فهو لإنانيته و بعده عن الرشاد ، يرى الحق دائما معه و خصمه على باطل .

[ 4 ] يرشد غيره . . . : إلى الطريق المستقيم . و يغوي نفسه :

يضلها أتأمُرون النَّاسَ بالبر وَ تَنسَونَ أنفُسكُم 2 : 44 .

فهو يطاع : يؤخذ بإرشاده . و يعصي : بعدم تطبيق ما يأمر به و الحديث : ( يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار فيقولون : ما أدخلكم النار و إنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم و تعليمكم ؟ فيقولون : إنا كنا نأمركم بالخير و لا نفعله .

[ 97 ]

و يستوفي و لا يوفي [ 1 ] ، و يخشى الخلق في غير ربّه ، و لا يخشى ربّه في خلقه [ 2 ] . قال الرضي : و لو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة ، و حكمة بالغة ، و بصيرة لمبصر ، و عبرة لناظر مفكر . 151 و قال عليه السلام : لكلّ امرى‏ء عاقبة حلوة أو مرّة [ 3 ] .

[ 1 ] يستوفي . . . : يحصل حقوقه . و لا يوفي : و لا يعطي حقوق الآخرين .

[ 2 ] يخشى الخلق في غير ربّه . . . : يخاف الناس في أمر فيه رضا اللَّه تعالى فيجتنبه رعاية لهم ، و حفاظا على مودّتهم .

و لا يخشى ربّه في خلقه : و لا يخاف من الإساءة إلى أوليائه .

[ 3 ] لكل امرى‏ء عاقبة . . . : هي آخر كل شي‏ء و خاتمته . حلوة :

لذيذة . أو مرّة : ضد حلوة . و المراد : ان الحياة تنتهي بالانسان إمّا إلى جنة أو نار فَمنهم شَقِيّ وَ سَعيدُ 11 :

105 .

[ 98 ]

152 و قال عليه السلام : لكلّ مقبل إدبار ،

و ما أدبر كأن لم يكن [ 1 ] . 153 و قال عليه السلام : لا يعدم الصّبور الظّفر و إن طال به الزّمان [ 2 ] .

154 و قال عليه السلام : الرّاضي بفعل قوم كالدّاخل فيه معهم ، و على كلّ داخل في باطل إثمان : إثم العمل به ، و إثم الرّضا به [ 3 ] .

[ 1 ] لكل مقبل إدبار . . . : يقال : أقبلت الدنيا عليه : جاءته بخيرها . و أدبر الأمر : ولّى . و المراد : وصف سرعة تقلبها و تبدلها . و ما أدبر كأن لم يكن : ينسى و تذهب لذته .

[ 2 ] لا يعدم الصبور : كثير الصبر . الظفر و إن طال الزمان :

يكسب الموقف حتما .

[ 3 ] الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم . . . : لرغبته فيه ،

و ميله له . و على كل داخل في باطل إثمان : ذنبان . إثم العمل به : إرتكابه . و إثم الرضا به : إختياره و قبوله .

[ 99 ]

155 و قال عليه السلام : اعتصموا بالذّمم في أوتادها [ 1 ] .

156 و قال عليه السلام : عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته [ 2 ] .

[ 1 ] إعتصموا بالذمم في أوتادها : إعتصم به : إمتنع به ، و لجأ إليه . و الذمم جمع ذمّة : العهد و الأمان . و أوتاد جمع وتد : ما ثبت في الأرض أو الحائط من خشب . و المراد :

إعقدوها مع الذين يلتزمون بالحفاظ عليها ، و لا تعقدوها مع من وصفتهم الآية لا يَرقُبُونَ فيِ مؤُمِن إلاّ وَ لا ذِمَّةً 9 :

10 .

[ 2 ] عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته : لا عذر لكم في مخالفته . و المراد بذلك نفسه المقدسة . قال ابن أبي الحديد : و هو حث على المذهبين جميعا ، أما نحن فعندنا إمام واجب الطاعة بالإختيار ، فلا يعذر أحد من المكلفين بوجوب طاعته ، و أما على مذهب الشيعة فلأنه إمام واجب الطاعة بالنص فلا يعذر أحد من المكلفين في جهالة إمامته .

[ 100 ]

157 و قال عليه السلام : قد بصّرتم إن أبصرتم ، و قد هديتم إن اهتديتم ، و أسمعتم إن استمعتم [ 1 ] .

158 و قال عليه السلام : عاتب أخاك بالإحسان إليه ، و اردد شرّه بالأنعام عليه [ 2 ] . 159 و قال عليه السلام : من وضع نفسه

[ 1 ] قد بصّرتم أن أبصرتم . . الخ : لقد دللتم على الخير ،

و لزمتكم الحجّة ، و القرآن الكريم وحده نظاما كاملا للهداية و الرشاد ، أضف إلى ذلك حديث سيد المرسلين ، و عترته الطيبين ، و ما يحدث من تقصير و بعد عن منهج العدل و الإستقامة فهو من جهتكم و تقصيركم .

[ 2 ] عاتب أخاك بالإحسان إليه . . . : إستبدل عتابه و تأنيبه بالإكرام . و اردد شرّه بالإنعام عليه فبدلا من التحرز منه ،

و التفكير في مقابلته ، أحسن إليه ، فطالما إستعبد الإحسان إنسانا وَ لاَ تَستَوي الحَسَنةُ وَ لاَ السَّيّئة ادفَع بالَّتِي هِيَ أَحسَنُ فَاذَا الَّذي بَينَكَ وَ بَينَهُ عَدَاوَةُ كَأَنَّهُ وَليُّ حميمُ 41 : 34 .

[ 101 ]

مواضع التّهمة فلا يلومنّ من أساء به الظّنّ [ 1 ] . 160 و قال عليه السلام : من ملك استأثر [ 2 ] . 161 و قال عليه السلام : من استبدّ برأيه هلك ، و من شاور الرجال شاركها في عقولها [ 3 ] .

[ 1 ] من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء به الظن :

ينبغي للمسلم أن يتجنب الأعمال و الأماكن التي ينبغي تجنبها ، فإن هو لم يفعل و تلوّثت سمعته فهو الملوم ،

و الجاني على نفسه .

[ 2 ] من ملك إستأثر به : خص به نفسه . و المراد : من طبيعة البشر حينما يصل إلى القمة ينسى الطبقة الضعيفة ، و يستأثر عليهم بالمنافع و قد أخذ هذا المعنى أبو الطيب المتنبي فقال :

الظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفّة فلعلة لا يظلم

 

[ 3 ] من استبد برأيه هلك . . . : وقع في مظنّة الهلاك ،

لأنه لم يعرف إلاّ طريقا واحدا ، و غير بعيد أن يكون فيه التواء . و من شاور الرجال شاركها في عقولها : ضمّ عقولهم و تجاربهم إلى عقله ، و قد أدّب اللَّه نبيّه صلى اللَّه عليه و آله و هو المثل الأعلى في العلم و الفهم فأمره بالمشاورة وَ شَاوِرهُم فيِ الأمرِ 3 : 159 .

[ 102 ]

162 و قال عليه السلام : من كتم سرّه كانت الخيرة بيده [ 1 ] . 163 و قال عليه السلام : الفقر الموت الأكبر [ 2 ] . 164 و قال عليه السلام : من قضى حقّ من لا يقضى حقّه فقد عبده [ 3 ] .

[ 1 ] من كتم سرّه كانت الخيرة بيده : ان رأى من المصلحة إفشاءه أفشاه ، و ان رأى كتمانه بقي مكتوما بخلاف المذيع له ،

فقد انفلت من يده الزمام .

[ 2 ] الفقر الموت الأكبر : الكارثة العظمى .

[ 3 ] من قضى حق من لا يقضى حقّه فقد عبده : المفروض بالمسلم مقاطعة الظالمين ، و عدم التعاون معهم ، و من تجاوز ذلك ، و قام لهم ببعض الخدمات فكأنّه قام بدور العبودية لهم ، و قريب من هذا الحديث النبوي : ( من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان الناطق عن اللَّه فقد عبد اللَّه ،

و إن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس ) .

[ 103 ]

165 و قال عليه السلام : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق [ 1 ] . 166 و قال عليه السلام : لا يعاب المرء بتأخير حقّه ، إنّما يعاب من أخذ ما ليس له [ 2 ] . 167 و قال عليه السلام : الإعجاب يمنع من الازدياد [ 3 ] .

[ 1 ] لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق : هذا تأديب و تعليم للمسلم أن يعصي حتى أباه إذا أمره بما يخالف الشريعة .

[ 2 ] لا يعاب المرء بتأخير حقه . . . : دعوة إلى كل مسلم للتسامح ،

و عدم الإلحاح في تحصيل حقّه ، لا سيما إذا كان الخصم عنيدا ، فقد يتسبب من الإصرار على أخذ الحق مشاكل و مآسي . إنما يعاب من أخذ ما ليس له : لما يلحقه من ذم و عار في الدنيا ، و عذاب و هوان في الآخرة .

[ 3 ] الإعجاب يمنع من الإزدياد : الإسلام يريد للمسلم السعي و العمل نحو العلا و المجد حتى النفس الأخير ، و الحديث الشريف : ( اطلب العلم من المهد إلى اللحد ) و إعجاب المرء بنفسه ، و ما وصل إليه من علم و غيره يدعوه للتوقف ،

و ترك المسيرة .

[ 104 ]

168 و قال عليه السلام : الأمر قريب و الإصطحاب قليل [ 1 ] . 169 و قال عليه السلام : قد أضاء الصّبح لذي عينين [ 2 ] . 170 و قال عليه السلام : ترك الذّنب أهون

[ 1 ] الأمر قريب . . . : هو الموت الذي ليس بيننا و بينه إلاّ توقف القلب لحظة واحدة . و الإصطحاب قليل : إصطحب فلانا :

صحبه . و المراد : سرعة انطواء العمر ، و هو مهما طال بالنسبة لعمر الآخرة كقطرة من البحر فَمَا مَتاعُ الحَيَاة الدُّنيا فيِ الآخِرة إِلاّ قليلُ 9 : 38 .

[ 2 ] قد أضاء الصبح لذي عينين : تبينت الحقيقة ، و قامت الحجّة على الجميع ، و لا عذر لأحد بعد القرآن الكريم في التخلف عن الإسلام .

[ 105 ]

من طلب التّوبة [ 1 ] . 171 و قال عليه السلام : كم من أكلة منعت أكلات [ 2 ] . 172 و قال عليه السلام : النّاس أعداء ما جهلوا [ 3 ] . 173 و قال عليه السلام : من استقبل وجوه

[ 1 ] ترك الذنب أهون من طلب التوبة : لاحتمال ردّها ، و لأنها للجاهلين إِنَّما التَّوبَةُ عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَريبٍ فَأُولئكَ يَتُوبُ اللَّه عَليهم 4 : 17 .

[ 2 ] كم من أكلة منعت أكلات : دعوة على الإقتصار بالغذاء على القليل ، و ترك الطعام المضر ، فربّ وجبة غذاء سببت الموت أو المرض .

[ 3 ] الناس أعداء ما جهلوا : الحكمة دعوة للمربين ، و رجال الإصلاح في التوسل بشتى الطرق في جذب الناس و هدايتهم ، فالبعد الملاحظ بين عامة الناس و الإستقامة سببه الجهل ، و عدم تفهّم مقاصد الشريعة .

[ 106 ]

الآراء عرف مواقع الخطإ [ 1 ] . 174 و قال عليه السلام : من أحدّ سنان الغضب للَّه قوي على قتل أشدّاء الباطل [ 2 ] . 175 و قال عليه السلام : إذا هبت أمرا فقع فيه ، فإنّ شدّة توقّيه أعظم ممّا تخاف منه [ 3 ] .

[ 1 ] من إستقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ : دعوة إلى عدم التسرع في الأمور ، و التأنّي في دراستها ، فقد يكون مع المستعجل الزلل ، و ربما يكون المراد من الحكمة إستعمال المشورة للاحاطة بالأمر من جميع جوانبه .

[ 2 ] من أحدّ سنان الغضب للَّه ، قوي على قتل أشداء الباطل :

السنان : نصل الرمح . و المراد : الاخلاص في العمل و قصد القربة إلى اللَّه تعالى ، تعطي الإنسان قوّة و عزيمة ، فيستطيع مقابلة أعداء كثيرين ، و قد يغلبهم ، و لا أدل على ذلك من سيرة الإمام عليه السلام ، و مواقفه المشهورة و قتله الأبطال .

[ 3 ] اذا هبت أمرأ فقع فيه . . . الخ : إن ملازمة الخوف من الشي‏ء أشد و أعظم على الإنسان من الدخول فيه ، و أيضا : ربما يكون الأمر أيسر مما كان يتصوّر ، كل ذلك يجب أن يكون في أمر مشروع معقول .

[ 107 ]

176 و قال عليه السلام : آلة الرّياسة سعة الصّدر [ 1 ] . 177 و قال عليه السلام : أزجر المسي‏ء بثواب المحسن [ 2 ] . 178 و قال عليه السلام : أحصد الشّرّ من صدر غيرك بقلعه من صدرك [ 3 ] .

[ 1 ] آلة الرياسة سعة الصدر : دعوة إلى الرؤساء ، و أرباب الأمور أن يتمتعوا بالأخلاق العالية ، و أن لا يعجزوا عن المداراة ،

و احتمال المكروه .

[ 2 ] أزجر المسي‏ء بثواب المحسن : قابل الإساءة بالإحسان تأمن الشر .

[ 3 ] إحصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك : و المثل :

( القلوب شواهد ) و الحديث : ( كما تدين تدان ) فأنت إذا سلمت سريرتك من إضمار أي سؤء لأخيك ، إستوجبت المعاملة بالمثل .

[ 108 ]

179 و قال عليه السلام : اللّجاجة تسلّ الرّأي [ 1 ] . 180 و قال عليه السلام : الطّمع رقّ مؤبّد [ 2 ] . 181 و قال عليه السلام : ثمرة التّفريط الندامة ، و ثمرة الحزم السّلامة [ 3 ] .

[ 1 ] اللجاجة تسل الرأي : لجّ في الأمر لجاجا : تمادى .

و سلّ الشي‏ء من الشي‏ء سلاّ : إنتزعه و أخرجه برفق .

و المراد : الإستمرار في اللجاج و الخصام يباعد الإنسان عن وجه الحكمة و الصواب ، و يفوّت عليه مطلوبه .

[ 2 ] الطمع رقّ مؤبّد : الطمع : الرغبة في الشي‏ء و اشتهاؤه .

و الرق : العبد المملوك : و المراد : إن الطمع يذل الإنسان و يجعله شبيها بالعبد الذليل .

[ 3 ] ثمرة التفريط الندامة . . . : التفريط : التقصير عن الحد و التأخير فيه . و ثمرة الحزم السلامة : الحزم : ضبط الأمر .

و المراد : نتيجة المقصّر في عمله ، المهمل لواجبه الندم ،

كما أن نتيجة المجد الضابط لما كلف به النجاة .

[ 109 ]

182 و قال عليه السلام : لا خير في الصّمت عن الحكم كما أنّه لا خير في القول بالجهل [ 1 ] . 183 و قال عليه السلام : ما اختلفت دعوتان إلاّ كانت إحداهما ضلالة [ 2 ] . 184 و قال عليه السلام : ما شككت في الحقّ مذ أريته [ 3 ] .

[ 1 ] لا خير في الصمت عن الحكم . . . : السكوت عن النصيحة ، و ما ينفع الناس مذموم ، و الحديث : ( إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه ) كما أنّه لا خير في القول بالجهل : لأنه يستوجب الكذب و مساوى‏ء أخرى .

[ 2 ] ما اختلفت دعوتان إلاّ كانت إحداهما ضلالة : لاستحالة أن تكون الدعوتان على الحق ، لأنه لو كانتا على حق لم تختلفا .

[ 3 ] ما شككت في الحق مذ أريته : الشك : الإرتياب .

و الحق : من أسمائه جلّ جلاله أَن اللَّه هُو الحَقُّ المبينُ 24 : 25 . و مذ أريته : مذ علمته . و المراد منذ علمت اللَّه سبحانه لم أشك فيه ، و هو القائل : ( لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ) و قد يكون المراد : منذ عرفت العقيدة الحقّة لم أشك فيها .

[ 110 ]

185 و قال عليه السلام : ما كذبت و لا كذّبت و لا ضللت و لا ضلّ بي [ 1 ] . 186 و قال عليه السلام : للظّالم البادي غدا بكفّه عضّة [ 2 ] .

[ 1 ] ما كذبت . . . : هو أجل و أعظم من ذلك . و لا كذبت : و لا أخبرني كاذب . قالها و هو يفتش في قتلى الخوارج عن ذي الثدية ، و قد أخبره رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله أنه يقتل في هذا اليوم ، و فعلا وجده مقتولا . و لا ضللت : لم أنحرف عن طريق الإستقامة . و لا ضل بي : و لم أضل أحدا .

[ 2 ] للظالم البادي غدا بكفّه عضّة : أخذه من قوله تعالى :

وَ يَومَ يعَضُّ الظَّالمُ عَلَى يَدَيه يقُولُ يَا ليتَنيِ اَتّخَذتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً 25 : 27 .

[ 111 ]

187 و قال عليه السلام : الرّحيل وشيك [ 1 ] . 188 و قال عليه السلام : من أبدى صفحته للحقّ هلك [ 2 ] . 189 و قال عليه السلام : من لم ينجه الصّبر أهلكه الجزع [ 3 ] . 190 و قال عليه السلام : وا عجباه أ تكون

[ 1 ] الرحيل وشيك : سريع . و المراد بذلك السفر إلى اللَّه جلّ جلاله و ليس بيننا و بينه إلاّ توقف القلب لحظة واحدة .

[ 2 ] من أبدى صفحته للحق هلك : صفحة الشي‏ء : وجهه و جانبه ، و يقال : أبدى صفحته : جهر بالذنب و الخطيئة .

و الحق : هو اللَّه جلّ جلاله . و المراد : من بارز اللَّه بالمعاصي فمصيره الهلاك الأبدي ، و الخلود في الجحيم .

[ 3 ] من لم ينجه الصبر أهلكه الجزع : من لم يعتصم عند الملمات بالصبر يؤول أمره إلى الجزع ، فيخسر دنياه و آخرته .

[ 112 ]

الخلافة بالصّحابة و لا تكون بالصّحابة و القرابة ؟ [ 1 ] . قال الرضي : و روي له شعر في هذا المعنى .

فإن كنت بالشّورى ملكت أمورهم
فكيف بهذا و المشيرون غيّب ؟

[ 1 ] وا عجباه أتكون الخلافة بالصحابة و لا تكون بالصحابة و القرابه : بعد وفاة الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله ،

و اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة لمبايعة سعد بن عبادة الخزرجي ، جاءهم أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح ،

فقدّم عمر أبا بكر للبيعة قائلا : أنت صاحب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم ، فكانت المؤهلات هي الصحبة وحدها ، و الإمام عليه السلام يزيد على أبي بكر و جميع المسلمين بالقرابة ، فهو بهذا اللحاظ أولى بالخلافة .

[ 2 ]

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم

الخ : يردّ فيه على مزاعم أبي بكر ، و أن بيعته صدرت عن أهل الحل و العقد ،

بينما كبار الصحابة لم يشهدوها ، كالهاشميين ، و سلمان و أبي ذر ، و المقداد ، و عمار ، و غيرهم كثير .

[ 113 ]

و إن كنت بالقربى حججت خصيمهم
فغيرك أولى بالنّبيّ و أقرب [ 1 ]

191 و قال عليه السلام : إنّما المرء في الدّنيا غرض تنتضل فيه المنايا ، و نهب تبادره المصائب ، و مع كلّ جرعة شرق ، و في كلّ أكلة غصص [ 2 ] و لا ينال العبد نعمة إلاّ بفراق أخرى ،

[ 1 ] و إن كنت بالقربى . . الخ : يعترض فيه على قول أبي بكر في السقيفة حيث قال : نحن عترة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله ، لأن قرابة الإمام عليه السلام بالرسول الصق ، فهو إبن عمه ، و زوج إبنته .

[ 2 ] إنما المرء في الدنيا غرض . . . : الهدف الذي يرمى إليه .

تنتصل فيه المنايا : النصل : حديدة السهم . و المنايا جمع منيّة : الموت . و نهب تبادره المصائب : نهب الشي‏ء نهبا : أخذه قهرا . و بادر : أسرع . و المراد : سرعة وصول المكاره إليه .

[ 114 ]

و لا يستقبل يوما من عمره إلاّ بفراق آخر من أجله [ 1 ] . فنحن أعوان المنون و أنفسنا نصب الحتوف [ 2 ] فمن أين نرجو البقاء [ 3 ] و هذا اللّيل

[ 1 ] و مع كل جرعة شرق ، و في كل أكلة غصص . . . : شرق :

غصّ بالماء . و الغصّة : ما اعترض في الحلق من طعام أو شراب . و المراد : ان لذاته دائما تكون منغصة ، لأنه لم يخلق لهذه الحياة ، بل أمر بإستغلالها للحياة الباقية . و لا ينال العبد نعمة إلاّ بفراق أخرى : فلو حصل على نعمة المال ذهبت منه نعمة فراغ البال ، و عدم التفكير ، و قلّة الحساب في الآخرة . و لا يستقبل يوما من عمره إلاّ بفراق آخر من أجله : فكل يوم يمر من عمره و على فرض التمتع و السرور به فهو ينقص من عمره ، فيكون سبب حزن و مصيبة عليه .

[ 2 ] فنحن أعوان المنون . . . : المنون : الموت . و المراد : ان تصرفاتنا تعين الموت علينا ، و تجلبه نحونا و على سبيل المثال : ضحايا الحروب ، و حوادث وسائط النقل ، و ما يتسبب من المآكل و المشارب . و أنفسنا نصب الحتوف :

الهلاك . و المراد : مستهدفة له .

[ 3 ] فمن أين نرجو البقاء . . . الخ : شرف الرجل : علت منزلته .

و المراد : ان من شأن الدنيا أن تضع من رفعته ، فكم شاهدنا من بات رئيسا و أصبح قتيلا أو أسيرا ، لذا ينبغي الحذر منها ، و عدم الإطمئنان إليها .

[ 115 ]

و النّهار لم يرفعا من شي‏ء شرفا إلاّ أسرعا الكرّة في هدم ما بنيا ، و تفريق ما جمعا ؟ 192 و قال عليه السلام : يا ابن آدم ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك [ 1 ] . 193 و قال عليه السلام : إنّ للقلوب شهوة و إقبالا و إدبارا فأتوها من قبل شهوتها و إقبالها ،

[ 1 ] يا إبن آدم ما كسبت من قوتك فأنت فيه خازن لغيرك : دعوة إلى الإجمال في الطلب ، و عدم التوجه إلى الدنيا ، و المبادرة إلى الإنفاق في سبيل اللَّه تعالى ، و ما بقي من ذلك فهو للورثة ، و عند اختلافهم على الميراث يكثر منهم له السباب .

[ 116 ]

فإنّ القلب إذا أكره عمي [ 1 ]

[ 1 ] أن للقلوب شهوة و إقبالا . . . : رغبة في العمل . و إدبارا :

نفرة عنه : فأتوها من قبل شهوتها و إقبالها : في وقت انفتاحها و رغبتها . فإن القلب إذا أكره عمي : لم يبدع . و المراد :

التهيّؤ النفسي ، و خلق الجو المناسب قبل الشروع بالعمل .

[ 117 ]