فصل نذكر فيه شيئا من اختيار غريب كلامه المحتاج إلى التفسير

1 في حديثه عليه السلام فإذا كان ذلك [ 1 ] ضرب يعسوب الدّين بذنبه ،

فيجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف . قال الرضي اليعسوب : السيد العظيم المالك لأمور الناس يومئذ ، و القزع : قطع الغيم التي لا ماء فيها .

[ 1 ] فإن كان ذلك . . الخ : المراد بالحديث الإمام المهدي عليه السلام و أصحابه الذي يجتمعون إليه في مكة ، و يبايعونه بين الركن و المقام .

[ 46 ]

2 و في حديثه عليه السلام هذا الخطيب [ 1 ] الشّحشح . يريد الماهر بالخطبة الماضي فيها ، و كل ماض في كلام أو سير فهو شحشح و الشحشح في غير هذا الموضع : البخيل الممسك . 3 و في حديثه عليه السلام إنّ للخصومة قحما . يريد بالقحم المهالك لأنها تقحم أصحابها

[ 1 ] هذا الخطيب : قالها في صعصعة بن صوحان العبدي رضوان اللَّه عليه ، و هو من فصحاء العرب و بلغائها . و من وجوه أصحاب الإمام عليه السلام ، و أشدّهم ذبّا عنه .

[ 47 ]

في المهالك و المتالف في الأكثر ، و من ذلك « قحمة الأعراب » و هو أن تصيبهم السنة فتتعرق أموالهم فذلك تقحمها فيهم . و قيل فيه وجه آخر ، و هو أنها تقحمهم بلاد الريف ، أي :

تحوجهم إلى دخول الحضر عند محول البدو . 4 و في حديثه عليه السلام إذا بلغ النّساء نصّ الحقاق فالعصبة أولى . و النص : منتهى الأشياء و مبلغ أقصاها كالنص في السير لأنه أقصى ما تقدر عليه الدابة .

و تقول : نصصت الرجل عن الأمر إذا استقصيت مسألته عنه لتستخرج ما عنده فيه . فنص الحقاق يريد به الإدراك لأنه منتهى الصغر و الوقت الذي يخرج منه الصغير إلى حد الكبير ، و هو من أفصح

[ 48 ]

الكنايات عن هذا الأمر و أغربها يقول : فإذا بلغ النساء ذلك فالعصبة أولى بالمرأة من أمها إذا كانوا محرما مثل الأخوة و الأعمام ، و بتزويجها إن أرادوا ذلك و الحقاق محاقة الأم للعصبة في المرأة و هو الجدال و الخصومة و قول كل واحد منهما للآخر « أنا أحق منك بهذا » يقال منه : حاققته حقاقا ، مثل جادلته جدالا . و قد قيل : إن « نص الحقاق » بلوغ العقل ، و هو الإدراك لأنه عليه السلام إنما أراد منتهى الأمر الذي تجب فيه الحقوق و الأحكام ، و من رواه « نص الحقائق » فإنما أراد جمع حقيقة .

هذا معنى ما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام ، و الذي عندي أن المراد بنص الحقاق ههنا بلوغ المرأة إلى الحد الذي يجوز فيه تزويجها

[ 49 ]

و تصرفها في حقوقها ، تشبيها بالحقاق من الإبل ،

و هي جمع حقة و حق و هو الذي استكمل ثلاث سنين و دخل في الرابعة ، و عند ذلك يبلغ إلى الحد الذي يتمكن فيه من ركوب ظهره ، و نصه في السير ، و الحقائق أيضا : جمع حقة . فالروايتان جميعا ترجعان إلى معنى واحد ، و هذا أشبه بطريقة العرب من المعنى المذكور . 5 و في حديثه عليه السلام إنّ الإيمان يبدو لمظة في القلب كلّما أزداد الإيمان ازدادت اللّمظة . و اللمظة مثل النكتة أو نحوها من البياض .

و منه قيل : فرس ألمظ ، إذا كان بجحفلته شي‏ء من البياض .

[ 50 ]

6 و في حديثه عليه السلام إنّ الرجل إذا كان له الدّين الظّنون يجب عليه أن يزكّيه لما مضى إذا قبضه . فالظنون الذي لا يعلم صاحبه أيقضيه من الذي هو عليه أم لا ، فكأنه الذي يظن به قمرة يرجوه و مرة لا يرجوه . و هذا من أفصح الكلام و كذلك كل أمر تطلبه و لا تدري على أي شي‏ء أنت منه فهو ظنون و على ذلك قول الأعشى :

ما يجعل الجدّ الظّنون الّذي
جنّب صوب اللّجب الماطر

مثل الفراتيّ إذا ما طما
يقذف بالبوصيّ و الماهر

[ 51 ]

و الجد : البئر [ العادية في الصحراء ] و الظنون : التي لا يعلم هل فيها ماء أم لا . 7 و في حديثه عليه السلام إنه شيع جيشا يغزيه فقال : اعذبوا عن النّساء ما استطعتم . و معناه اصدفوا عن ذكر النساء و شغل القلب بهن ، و امتنعوا من المقاربة لهن ، لأن ذلك يفت في عضد الحمية و يقدح في معاقد العزيمة ،

و يكسر عن العدو ، و يلفت عن الأبعاد في الغزو ،

و كل من امتنع من شي‏ء فقد أعذب عنه . و العاذب و العذوب الممتنع من الأكل و الشرب .

[ 52 ]

8 و في حديثه عليه السلام كالياسر [ 1 ] الفالج ينتظر أوّل فوزة من قداحه . الياسرون : هم الذين يتضاربون بالقداح على الجزور ، و الفالج : القاهر و الغالب ، يقال : فلج عليهم و فلجهم ، و قال الراجز :

لما رأيت فالجا قد فلجا

9 و في حديثه عليه السلام كنّا إذا احمرّ البأس [ 2 ] اتّقينا برسول اللَّه صلى

[ 1 ] كالياسر . . الخ : المراد : المسلم المستقيم كاسب للموقف في كل حال ، فهو إمّا يحظى بالدنيا و يصيب منها ، و إن فاتته فالآخرة مضمونة له .

[ 2 ] إذا احمر البأس . . الخ : المراد بيان شجاعة النبي صلى اللَّه عليه و آله ، فالإمام عليه السلام . و قد ملأت الدنيا أحاديث بطولته و شجاعته يشهد بان النبي صلى اللَّه عليه و آله أعظم شجاعة و إقداما منه ، و هذا موافق لعقيدتنا بأن النبي صلى اللَّه عليه و آله يفوق الأمّة بأسرها في جميع صفات الكمال .

[ 53 ]

اللَّه عليه و آله و سلم فلم يكن أحد منّا أقرب إلى العدوّ منه . و معنى ذلك أنه إذا عظم الخوف من العدو و اشتد عضاض الحرب فزع المسلمون إلى قتال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم بنفسه ،

فينزل اللَّه عليهم النصر به ، و يأمنون مما كانوا يخافونه بمكانه .

و قوله « إذا احمر البأس » كناية عن اشتداد الأمر ، و قد قيل في ذلك أقوال أحسنها : أنه شبه حمى الحرب بالنار التي تجمع الحرارة و الحمرة بفعلها و لونها ، و مما يقوي ذلك قول رسول اللَّه

[ 54 ]

صلى اللَّه عليه و آله و سلم و قد رأى مجتلد الناس يوم حنين و هي حرب هوازن : « الآن حمى الوطيس » فالوطيس : مستوقد النار ، فشبه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم ما استحر من جلاد القوم باحتدام النار و شدة التهابها .

انقضى هذا الفصل ، و رجعنا إلى سنن الغرض الأول في هذا الباب . 261 و قال عليه السلام : لما بلغه إغارة أصحاب معاوية على الأنبار [ 1 ] ، فخرج بنفسه ماشيا حتى أتى النخيلة [ 2 ] فأدركه الناس ، و قالوا :

يا أمير المؤمنين ، نحن نكفيكهم ، فقال : ما تكفونني أنفسكم فكيف تكفونني غيركم [ 3 ] ؟ إن

[ 1 ] الأنبار : بلد على الفرات ، على مراحل من بغداد .

[ 2 ] النخيلة : من ضواحي الكوفة .

[ 3 ] ما تكفونني أنفسكم فكيف تكفونني غيركم : أنتم بحاجة إلى إصلاح ، فكيف أصلح بكم غيركم ؟

[ 55 ]

كانت الرّعايا قبلي لتشكو حيف [ 1 ] رعاتها ، و إنّني اليوم لأشكو حيف رعيّتي ، كأنّني المقود و هم القادة ، أو الموزوع و هم الوزعة [ 2 ] .

فلما قال عليه السلام هذا القول في كلام طويل قد ذكرنا مختاره في جملة الخطب ، تقدم إليه رجلان من أصحابه فقال أحدهما : إني لا أملك إلا نفسي و أخي فمر بأمرك يا أمير المؤمنين ننفذ له فقال عليه السلام : و أين تقعان ممّا أريد .

[ 1 ] الرعايا قبل تشكو حيف رعاتها . . الخ : الرعايا جمع رعية : الشعب . و الرعاة جمع راعي : الأمير . و الحيف :

الظلم . و المراد : ان الشعوب تشكو دائما ظلم أمرائها و قادتها ، و أنا اليوم أشكو ظلم رعيتي .

[ 2 ] الموزوع . . . : المحكوم . و الوزعة جمع وازع : الكافي الدافع ( الحاكم ) .

[ 56 ]

262 و قيل إن الحارث بن حوت أتاه فقال :

أتراني أظن أصحاب الجمل كانوا على ضلالة ؟ .

فقال عليه السلام : يا حارث ، إنّك نظرت تحتك و لم تنظر فوقك فحرت [ 1 ] إنّك لم تعرف الحقّ فتعرف من أتاه و لم تعرف الباطل فتعرف من أتاه [ 2 ] ، فقال الحارث : فإني أعتزل مع سعيد بن مالك و عبد اللَّه بن عمر ؟ فقال عليه

[ 1 ] إنك نظرت تحتك . . . : نظرة سطحية بعيدة عن التحقيق و الإستقصاء . و لم تنظر فوقك : لم ترتفع نظرتك ، و لم تراجع عقلك ، و ما لزمك من بيعتي و طاعتي . فحرت :

تحيّرت .

[ 2 ] إنك لم تعرف الحق فتعرف أهله . . . : كان اللازم عليك قبل البحث عن الأسماء أن تتحرى الحق ، و بعد الإهتداء إلى معالمه يظهر لك أتباعه . و لم تعرف الباطل فتعرف من أتاه :

و أيضا تبحث عن الباطل و المعتدي ، و بعد أن تعرف جهته تضيف إليه أنصاره .

[ 57 ]

السلام : إنّ سعيدا و عبد اللَّه بن عمر لم ينصرا الحقّ و لم يخذلا الباطل . 263 و قال عليه السلام : صاحب السّلطان كراكب الأسد : يغبط بموقعه ، و هو أعلم بموضعه [ 1 ] . 264 و قال عليه السلام : أحسنوا في عقب غيركم تحفظوا في عقبكم [ 2 ] .

[ 1 ] صاحب السلطان . . . : الوزير و من بمثابته . يغتبط بموقعه : يتمنى الآخرون مثل ما له من النعمة . و هو أعلم بموضعه : يخشى من أن تبدر منه بادرة فيقتله السلطان ، كما يحصل هذا دائما .

[ 2 ] احسنوا في عقب غيركم تحفظوا في عقبكم : العقب : الولد و ولد الولد . و هي نظير ما جاء في خطبة الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله في فضل شهر رمضان : ( و تحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم ) و الحديث : ( مثل ما تدين تدان ) .

[ 58 ]

265 و قال عليه السلام : إنّ كلام الحكماء إذا كان صوابا كان دواء ، و إذا كان خطأ كان داء [ 1 ] . 266 و سأله رجل أن يعرفه الإيمان فقال عليه السلام : إذا كان الغد فأتني حتّى أخبرك على أسماع النّاس ، فإن نسيت مقالتي حفظها عليك غيرك ، فإنّ الكلام كالشّاردة ينقفها [ 2 ] هذا و يخطئها هذا .

[ 1 ] أن كلام الحكماء . . . الخ : ان كلامهم سواء كان حقا أو باطلا يأخذ أثره في النفوس ، فينبغي للمسلم قبل الإنقياد لهم ، و حضور دروسهم أن يتعرّف على هويتهم ، فما أكثر الحكماء و العلماء الذين اتبعوا الشيطان طلبا للدنيا .

[ 2 ] فإن الكلام كالشاردة . . . : الضالة من الإبل . ينقفها :

يجدها . و المراد : ينبغي أن يسمعه أكبر عدد من الناس لأجل حفظه ، و عموم فائدته .

[ 59 ]

و قد ذكرنا ما أجابه به فيما تقدم من هذا الباب و هو قوله « الإيمان على أربع شعب » . 267 و قال عليه السلام : يا ابن آدم ، لا تحمل همّ يومك الّذي لم يأتك [ 1 ] على يومك الّذي قد أتاك فإنّه إن يك من عمرك يأت اللَّه فيه برزقك . 268 و قال عليه السلام : أحبب حبيبك هونا مّا ، عسى أن يكون بغيضك يوما مّا ، و أبغض بغيضك هونا مّا ، عسى أن يكون حبيبك يوما مّا [ 2 ] .

[ 1 ] يا إبن آدم لا تحمل همّ يومك . . الخ : إن اللَّه سبحانه متكفل بأرزاق عباده ، و لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها ،

و إن انشغال الفكر بأمر مضمون و مفروغ منه عبث ، و لو أخذ الناس بهذه الحكمة لا نعدمت مشاكل كثيرة ، و سكنت نفوس سلبت منها الراحة بالتفكير لغد و ما بعد غد .

[ 2 ] أحبب حبيبك هونا . . . الخ : الهون : الرفق و التؤدة .

و المراد : لا تندفع بكلك نحو من تحبّه و لا مع من تبغضه ،

و الإعتدال في الأمور سبب للفوز و النجاح ، و احسب حسابا للمستقبل فعسى أن يتغيّر الموقف .

[ 60 ]

269 و قال عليه السلام : النّاس في الدّنيا عاملان : عامل عمل [ في الدّنيا ] للدّنيا ، قد شغلته دنياه عن آخرته ، يخشى على من يخلفه الفقر و يأمنه على نفسه ، فيفني عمره في منفعة غيره ، و عامل عمل في الدّنيا لما بعدها فجاءه الّذي له من الدّنيا بغير عمل ، فأحرز الحظّين معا ، و ملك الدّارين جميعا فأصبح وجيها عند اللَّه ، لا يسأل اللَّه حاجة فيمنعه [ 1 ] .

[ 1 ] يخشى على من يخلّفه الفقر . . . : فهو يجمع حلالها و حرامها خوفا على أولاده من الفقر . و يأمنه على نفسه : لا يخاف من أن يأتي يوم القيامة فقيرا خاليا من الصالحات ، لا يجد من يسعفه بحسنة واحدة ، لانشغال كل واحد بنفسه ،

و اهتمامه بخلاصها يَومَ تَرَونَهَا تَذهلُ كَلّ مُرضِعَةٍ عَمَّاَ أَرضَعَت وَ تَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَملٍ حَملَهَا وَ تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَ مَا هُمْ بسُكارَى وَ لكِنَّ عَذَابَ اللَّه شَدِيدُ 22 : 2 . فيفني عمره في منفعة غيره : كأنّ مهمته في الحياة الجمع للآخرين ، فهو يشبه صندوق الحديد المعد لجمع الأموال . و المراد : لا يتمتع بما جمع ، و لا يستفيد مما كسب . فجاء الذي له من الدنيا بغير عمل : بلا توجه تام اليها ، و لا سعي مجد في طلبها .

فأصبح وجيها عند اللَّه : له جاه و منزلة رفيعة عند اللَّه تعالى .

لا يسأل اللَّه حاجة فيمنعه : لا ترد له طلبة و هذه المرتبة أفضل من الدنيا و ما فيها .

[ 61 ]

270 و روى أنه ذكر عند عمر بن الخطاب في أيامه حلي الكعبة [ 1 ] و كثرته ، فقال قوم : لو أخذته فجهزت به جيوش المسلمين كان أعظم للأجر و ما تصنع الكعبة بالحلي ؟ فهم عمر بذلك ، و سأل أمير المؤمنين عليه السلام فقال عليه السلام : إنّ القرآن أنزل على النّبيّ صلى اللَّه عليه

[ 1 ] حلى الكعبة : الحلى ما يتزين به من مصوغ المعدنيات و الأحجار الكريمة .

[ 62 ]

و آله و سلم و الأموال أربعة : أموال المسلمين فقسّمها بين الورثة في الفرائض ، و الفي‏ء [ 1 ] فقسّمه على مستحقّيه ، و الخمس [ 2 ] فوضعه اللَّه حيث وضعه ، و الصّدقات فجعلها اللَّه حيث جعلها ، و كان حلي الكعبة فيها يومئذ ، فتركه اللَّه على حاله ، و لم يتركه نسيانا ، و لم يخف عليه مكانا ، فأقرّه حيث أقرّه اللَّه و رسوله . فقال له عمر : لولاك لافتضحنا ، و ترك الحلي بحاله .

[ 1 ] الفي‏ء : الغنيمة : تنال بلا قتال .

[ 2 ] الخمس : إسم لحقّ يجب في المال ذكرته الآية الكريمة :

وَ اعلَمُوا انَّما غَنِمتُم من شي‏ءٍ فَإَنَّ للَّهِ خُمسُهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لذِي القُربى و اليَتَامى وَ المَسَاكِين وَ ابنِ السّبيلِ 8 : 41 .

فالأقسام الثلاثة الأولى للرسول صلى اللَّه عليه و آله في حياته ، و بعده للإمام القائم مقامه ، و هو المعني بذي القربى ، و الثلاثة الباقية لمن سمّاهم من بني عبد المطلب خاصة دون غيرهم ، تعويضا لهم عن الزكاة و الصدقات .

[ 63 ]

271 و روى أنه عليه السلام رفع إليه رجلان سرقا من مال اللَّه : أحدهما عبد من مال اللَّه ،

و الآخر من عروض الناس [ 1 ] فقال عليه السلام :

أمّا هذا فهو من مال اللَّه و لا حدّ عليه ، مال اللَّه أكل بعضه بعضا ، و أمّا الآخر فعليه الحدّ فقطع يده . 272 و قال عليه السلام : لو قد استوت قدماي من هذه المداحض لغيّرت أشياء [ 2 ] . 273 و قال عليه السلام : اعلموا علما يقينا أنّ اللَّه لم يجعل للعبد و إن عظمت حيلته ،

[ 1 ] عرض الناس : من سائر الناس .

[ 2 ] لو قد استوت قدماي . . . : انقادت لي الأمور . من هذه المداحض : المزالق . لغيّرت أشياء : خولف فيها أحكام الشريعة ، و لم تكن على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله ، كصلاة التراويح و أمور غيرها كثيرة .

[ 64 ]

و اشتدّت طلبته ، و قويت مكيدته أكثر ممّا سمّى له في الذّكر الحكيم ، و لم يحل بين العبد في ضعفه [ 1 ] و قلّة حيلته ، و بين أن يبلغ ما سمّي له في الذّكر الحكيم . و العارف لهذا العامل به أعظم النّاس راحة في منفعة ، و التّارك له الشّاكّ فيه أعظم النّاس شغلا في مضرّة [ 2 ] و ربّ منعم

[ 1 ] عظمت حيلته . . . : وسيلته البارعة في جمع المال .

و إشتدت طلبته : للدنيا ، و السعي لها . و قويت مكيدته :

خديعته . أكثر مما سمّي له في الذكر الحكيم : مما كتبه و فرضه له . و لم يحل بين العبد في ضعفه . . . الخ : فهو على ضعفه ، و قلّة بصيرته في المكاسب ، يصله ما كتب له ،

و الحديث : ( إجملوا في الطلب ، فإنه ليس لعبد إلا ما كتب له ، و لن يخرج عبد من الدنيا حتى يأتيه ما كتب له في الدنيا و هي راغمة ) .

[ 2 ] و العارف لهذا العامل به ، أعظم الناس راحة في منفعة . . . : قلة تفكير و عدم اهتمام . يقول الإمام الصادق عليه السلام لمن سأله على م بنيت أمرك ؟ فقال : و الثالثة :

( علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنيت ) و التارك له .

الشاك فيه أعظم الناس شغلا في مضرّة : في الدنيا بكثرة السعي و الجهد و الحرص و الإهتمام ، و في الآخرة بطول الحساب ، و التضييع لما كلف به ، و أمر بعمله ، لأن الدنيا مشغلة عن الآخرة .

[ 65 ]

عليه مستدرج بالنّعمى و ربّ مبتلى مصنوع له بالبلوى ، فزد أيّها المستمع في شكرك ، و قصّر من عجلتك ، وقف عند منتهى رزقك [ 1 ] . 274 و قال عليه السلام : لا تجعلوا علمكم

[ 1 ] و ربّ منعم عليه مستدرج بالنعمى : كلما جدد خطيئة جدد له نعمة . و المراد : تكون النعم سببا لأخذه ، و زيادة في محنته . و ربّ مبتلى مصنوع له بالبلوى : الصنع : الفعل الحسن . و المراد : يكون ابتلاؤه لطفا من اللَّه تعالى به ،

و رفعا لمنزلته فإذن ليست كل نعمة تغبط لأنها قد تكون استدراجا ، و لا كل فقر و بلاء يمقت ، لأنه ربما كان سببا قصّر من عجلتك ، وقف عند منتهى رزقك : لا تنهمك في طلب الدنيا .

[ 66 ]

جهلا ، و يقينكم شكّا إذا علمتم فاعملوا ، و إذا تيقّنتم فأقدموا [ 1 ] . 275 و قال عليه السلام : إنّ الطّمع مورد غير مصدر ، و ضامن غير وفيّ ، و ربّما شرق شارب الماء قبل ريّه ، و كلّما عظم قدر الشّي‏ء المتنافس فيه عظمت الرّزيّة لفقده [ 2 ] ، و الأمانيّ

[ 1 ] لا تجعلوا علمكم جهلا . . . : تتركوا العمل به فيكون بمنزلة الجهل . و يقينكم شكا : ما ثبت و تحقق عندكم من أمر الآخرة و وجوب السعي لها ، و بترك العمل و الإستعداد لذلك كنتم بمثابة من أرتاب . إذا علمتم فاعملوا : لأن ثمرة العلم العمل . قال أمير المؤمنين عليه السلام : أشد الناس عذابا يوم القيامة من علم علما فلم ينتفع به . و إذا تيقنتم فاقدموا : بادروا العمل قبل فوات الأوان .

[ 2 ] أن الطمع مورد غير مصدر . . . : الطمع : الرغبة في الشي‏ء و اشتهاؤه . و ورد : حضر . و صدر : رجع . و المراد :

خطر غير مضمون . النجاة منه ، يقود الإنسان إلى المهالك .

و ضامن غير وفي : ضمن الرجل ضمانا :

كفله ، أو التزم أن يؤدي عنه ما قصر في ادائه . و ربما شرق شارب الماء قبل ريّه : جاءته منيته قبل أن يتمتع و يتهنّى بما جمعه و هذا مشاهد دائما . و كلما عظم قدر الشي‏ء المتنافس فيه عظمت الرزية لفقده : ان من فقد خاتما ثمنه ليرة واحدة أخف مصيبة ممن فقد خاتما بمليون ليرة .

و المراد : ان من مساوى‏ء المال أن فقده قد يؤدّي إلى الهلاك .

[ 67 ]

تعمي أعين البصائر ، و الحظّ يأتي من لا يأتيه [ 1 ] . 276 و قال عليه السلام : اللّهمّ إنّي أعوذ بك من أن تحسّن في لامعة العيون علانيتي ،

و تقبّح فيما أبطن لك سريرتي ، محافظا على رئاء

[ 1 ] الاماني تعمي أعين البصائر . . . : الاماني جمع أمنية : ما يتمناه الإنسان . و البصائر جمع بصيرة : الدلالة التي يستبصر بها الشي‏ء على ما هو . و المراد : ان سعيه وراء ما يتمناه من حطام يجعله يتخلى عن العمل لما يسعده غدا . و الحظ : يأتي من لا يأتيه : الحظ : النصيب . و المراد :

يأتيك ما قسم لك من دون أن تسعى إليه و هو المعبّر عنه بالرزق الذي يطلبك .

[ 68 ]

النّاس من نفسي بجميع ما أنت مطّلع عليه منّي ، فأبدي للنّاس حسن ظاهري ، و أفضي إليك بسوء عملي ، تقرّبا إلى عبادك ، و تباعدا من مرضاتك [ 1 ] .

[ 1 ] اللهم . . . : يا اللَّه . أعوذ بك : أعتصم و امتنع . أن تحسن في لامعة العيون علانيتي : أظهر للناس بالمظهر الجميل اللائق من العبادة و الطاعة . و تقبح فيما عندك سريرتي :

القبيح : ما كره الشرع اقترافه . و السريرة : ما يكتمه المرء في نفسه . محافظا على رياء الناس من نفسي : الرياء :

التظاهر بالصلاح طلبا لرضاء الناس . و من حديث للرسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله : ( ان المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء : يا كافر يا فاجر يا غادر يا خاسر حبط عملك ،

و بطل أجرك ، فلا خلاص لك اليوم . فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له ) . فأبدي للناس حسن ظاهري : كما هو حال المرائي . و أفضي إليك : أصل . بسوء عملي : أنتهي إليك بصحائف سوداء استوجب بها البعد منك . تقربا إلى عبادك :

بعملي . و تباعدا من مرضاتك : سالكا غير الطريق الذي أمرت بسلوكه .

[ 69 ]

277 و قال عليه السلام : لا و الّذي أمسينا منه في غبر ليلة دهماء تكشر عن يوم أغرّ ما كان كذا و كذا [ 1 ] . 278 و قال عليه السلام : قليل تدوم عليه أرجى من كثير مملول [ 2 ] منه . 279 و قال عليه السلام : إذا أضرّت النّوافل بالفرائض فارفضوها [ 3 ] .

[ 1 ] لا و الذي أمسينا في غبر ليلة دهماء تكشر عن يوم أغر : غبر ليلة : بقاياها . و دهماء : سوداء . و كشّر عن أسنانه : كشفها و أبداها . و الأغر : الأبيض من كل شي‏ء . و المراد : القسم بالخالق القادر الذي يُولِجُ اللَيلَ فيِ النَّهَارِ وَ يُولِجُ النَّهَارَ فيِ اللَيلِ 35 : 13 .

[ 2 ] قليل تدوم عليه . . . : من أعمال الخير . أرجى من كثير مملول : يصحبه ضجر فتسارع إلى تركه .

[ 3 ] إذا أضرت النوافل بالفرائض فارفضوها : النوافل : كل ما يتقرب به الى اللَّه تعالى مما ندب إليه و لم يفرضه ، و يراد بها دائما الصلاة المستحبة . و الفرائض : كل ما أوجبه اللَّه تعالى على عباده . و المراد : عندما يتعارض وقت العمل المستحب و الواجب فيجب ترك المستحب ، لأنه لا عبادة كاداء الفرائض .

[ 70 ]

280 و قال عليه السلام : من تذكّر بعد السّفر استعدّ [ 1 ] .

281 و قال عليه السلام : ليست الرّويّة كالمعاينة مع الإبصار فقد تكذب العيون أهلها ،

و لا يغشّ العقل من استنصحه [ 2 ] .

[ 1 ] من تذكّر بعد السفر . . . : إلى الآخرة ، و كثرة ما يحتاجه من الزاد . استعد : هيأه قبل ساعة الصفر وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوى 2 : 197 .

[ 2 ] ليست الروية كالمعاينة مع الأبصار . . . : الرويّة : النظر و التفكّر في الأمور . فقد تكذب العيون أهلها : فتريهم الكبير صغيرا ، و الصغير كبيرا ، و المتحرك ساكنا ، و الساكن متحركا . و لا يغش العقل من استنصحه : إسترشده لما فيه صلاحه . و المراد : إمعان الفكر ، و استخلاص حكم العقل في جميع الأمور .

[ 71 ]

282 و قال عليه السلام : بينكم و بين الموعظة حجاب من الغرّة [ 1 ] . 283 و قال عليه السلام : جاهلكم مزداد ،

و عالمكم مسوّف [ 2 ] . 284 و قال عليه السلام : قطع العلم عذر المتعلّلين [ 3 ] . 285 و قال عليه السلام : كلّ معاجل يسأل

[ 1 ] بينكم و بين الموعظة حجاب من الغرة : هي الغفلة أثناء اليقظة .

[ 2 ] جاهلكم مزداد . . . : جهلا . و عالمكم مسوّف : التسويف في الأمر : المطل و التأخير ، و القول : بأني سأفعل .

[ 3 ] قطع العلم عذر المتعللين : تعلل بالأمر : تلهى به و اكتفى . و المراد : ما جاء في القرآن الكريم ، و على لسان الرسول صلى اللَّه عليه و آله من الآيات و الحجج فلم يبق عذر لمعتذر ، و لا علّة يتعلل بها مسرف أو متسامح .

[ 72 ]

الانظار ، و كلّ مؤجّل يتعلّل بالتّسويف [ 1 ] . 286 و قال عليه السلام : ما قال النّاس لشي‏ء « طوبى له » إلاّ و قد خبأ له الدّهر يوم سوء [ 2 ] . 287 و سئل عن القدر فقال : طريق مظلم فلا تسلكوه ، و بحر عميق فلا تلجوه ، و سرّ اللَّه فلا تتكلّفوه [ 3 ] .

[ 1 ] كل معاجل . . . : بالموت . يسأل الانظار : يطلب الامهال حَتَّى إِذا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوتُ قَالَ رَبِّ إرجعُونِ لعَلّيِ أَعملُ صَالِحاً فَيمَا تَرَكتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلمةُ هَوُ قَائِلُهَا وَ مِن ورائِهمَ بَرزَخُ إلى يَومِ يُبعَثُونَ 23 : 100 . و كل مؤجّل يتعلل بالتسويف : يتلهى و يعتذر بأنه سوف يعمل .

[ 2 ] ما قال الناس لشي‏ء طوبى له . . . : فرح و قرّة عين . إلاّ و قد خبّأ له الدهر يوم سوء : ينزله إلى الحضيض .

[ 3 ] سئل عن القدر . . . : ما يقدّره اللَّه تعالى من القضاء .

فقال : طريق مظلم فلا تسلكوه : لا يخلو من العثار فالأولى العدول عنه . و بحر عميق فلا تلجوه : فلا تدخلوه . و سر اللَّه : كتمه و منع من البحث عنه . فلا تتكلفوه : تتعرضوا لما لا يعنيكم .

[ 73 ]

288 و قال عليه السلام : إذا أرذل اللَّه عبدا حظر عليه العلم [ 1 ] .

289 و قال عليه السلام : كان لي فيما مضى أخ في اللَّه [ 2 ] ، و كان يعظمه في عيني صغر الدّنيا في عينه ، و كان خارجا من سلطان بطنه [ 3 ] فلا

[ 1 ] إذا أرذل اللَّه عبدا أحظر عليه العلم : الرذل : الدون الخسيس . و حظر : منع . و المراد : قد يبلغ العبد درجة من العصيان فيكون غير مؤهل لأخذ العلم ، فعبّر عنه بالخطر ،

لأنه في هذه الحال غير قابل لأن يفيض اللَّه سبحانه عليه علم الشريعة ، لأن العلم كما في الحديث : ( نور يقذفه اللَّه في قلب من يشاء ) .

[ 2 ] كان لي فيما مضى أخ في اللَّه : احتمله بعض الشراح عثمان بن مظعون ، و هو أهل لهذا الوصف .

[ 3 ] كان يعظمه عندي صغر الدنيا في عينه . . . : سبب تعظيمي له هو عدم اهتمامه بالدنيا . و كان خارجا عن سلطان بطنه :

قامعا لشهواته و رغباته ، لا يسمح لها بالتسلط و التمكن منه .

[ 74 ]

يشتهي ما لا يجد و لا يكثر إذا وجد و كان أكثر دهره صامتا ، فإن قال بدّ القائلين و نقع غليل السّائلين [ 1 ] و كان ضعيفا مستضعفا فإن جاء الجدّ فهو ليث غاب و صلّ واد [ 2 ] ، لا يدلي بحجّة حتّى يأتي قاضيا [ 3 ] و كان لا يلوم أحدا على ما

[ 1 ] بذّ القائلين . . . : فاقهم . و نقع : روى . غليل السائلين :

شدة العطش و حرارته . و المراد : أتى بما لا مزيد عليه من القول .

[ 2 ] كان ضعيفا مستضعفا . . . : الضعيف : خلاف القوي .

و استضعفه : أذلّه . و المراد : كان يعاني من بطش الطغاة و الجبارين . فإذا جاء الجد : الإجتهاد . فهو ليث : أسد .

و عاد : من أسماء الأسد أيضا ، لأنه يفترس الناس . وصل واد : حيّة من أخبث الحيّات .

[ 3 ] لا يد لي بحجّة حتى يأتي قاضيا : يريد وصفه بالحكمة ،

و وضعه الشي‏ء في مواضعه ، و كلامه حين يلزم الكلام .

[ 75 ]

يجد العذر في مثله حتّى يسمع اعتذاره [ 1 ] و كان لا يشكو وجعا إلاّ عند برئه [ 2 ] و كان يقول ما يفعل و لا يقول ما لا يفعل [ 3 ] ، و كان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السّكوت ، و كان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلّم [ 4 ] ، و كان إذا

[ 1 ] كان لا يلوم أحدا . . الخ : لا يسرع في لوم الآخرين و تبكيتهم إنشغالا بنفسه ، فإن اضطر إلى ذلك سأل عن الموجب للعمل ، فربما كان له العذر .

[ 2 ] كان لا يشكو وجعا . . . : عملا بالحديث : ( كتمان المصيبة من كنوز البر ) إلاّ عند برئه : لأن الحديث في ذلك من باب الشكر الذي يستوجب به الأجر .

[ 3 ] كان يفعل ما يقول . . . : يعمل بما ينصح به الآخرين من عمل الخير . و لا يقول ما لا يفعل : تنزيها لنفسه عن الكذب و خلف الوعد .

[ 4 ] و كان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت . . . :

إذا كان الظرف لا يصلح للكلام آثر جانب الصمت . و كان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلم : طلبا للإنتفاع ،

و اهتماما بإصلاح نفسه .

[ 76 ]

بدهه أمران ينظر أيّهما أقرب إلى الهوى فخالفه [ 1 ] ، فعليكم بهذه الخلائق فالزموها و تنافسوا فيها ، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خير من ترك الكثير [ 2 ] . 290 و قال عليه السلام : لو لم يتوعّد اللَّه على معصيته لكان يجب أن لا يعصى شكرا لنعمه [ 3 ] .

[ 1 ] و كان إذا بدهه أمران ينظر أقربهما إلى الهوى فخالفه :

بدهه : فجأه . و المراد : يترك الأمر الذي تهواه نفسه ، لأن النفس أمّارة بالسوء .

[ 2 ] فعليكم بهذه الخلائق فالزموها . . . : إنما ذكرت هذا الأخ ، و هذه الأخلاق لأجل أن تتخلقوا بها . و تنافسوا فيها :

تسابقوا في الحصول عليها . فإن لم تستطيعوا فاعلموا أن أخذ القليل خير من ترك الكثير : لأن ما لا يدرك كله لا يترك بعضه ، و لأن القليل ربّما جرّ إلى الكثير .

[ 3 ] لو لم يتوعد اللَّه على معصيته ، لكان يجب أن لا يعصى شكرا لنعمه : المفروض بالمسلم أن يقابل هذا المحسن العظيم بالطاعة ، و يتباعد عن المعصية ، شكرا له على إحسانه ،

فكيف و قد توعدّهم على المعاصي بأشد العقاب و النكال ،

فلزم من هذا و ذاك التحرز الكامل عن الذنوب .

[ 77 ]

291 و قال عليه السلام : و قد عزى الأشعث ابن قيس عن ابن له :

يا أشعث ، إن تحزن على ابنك فقد استحقّت منك ذلك الرّحم و إن تصبر ففي اللَّه من كلّ مصيبة خلف [ 1 ] . يا أشعث ، إن صبرت جرى عليك القدر و أنت مأجور و إن جزعت جرى عليك القدر و أنت مأزور [ 2 ] ، يا أشعث

[ 1 ] فقد استحقت ذلك من الرحم . . . : إستوجبت ذلك عاطفة الأبوة . و أن تصبر ففي اللَّه من كل مصيبة خلف : يعوضك عن مصيبتك .

[ 2 ] إن صبرت جرى عليك القدر و أنت مأجور . . . : و هذا أحسن ما يمكن أن يقال في الصبر ، لأن المصيبة بعد أن نزلت فخليق بالإنسان أن يستعين عليها بالصبر . و إن جزعت جرى عليك القدر و أنت مأزور : مأثوم . و المراد : ان الجازع لا يستطيع دفع مصيبته ، بل يضيف إليها مصيبة أعظم و هي الأثم .

[ 78 ]

ابنك سرّك و هو بلاء و فتنة و حزنك و هو ثواب و رحمة [ 1 ] . 292 و قال عليه السلام على قبر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم ساعة دفن :

إنّ الصّبر لجميل إلاّ عنك و إنّ الجزع لقبيح إلاّ عليك و إنّ المصاب بك لجليل و إنّه قبلك و بعدك لجلل [ 2 ] .

[ 1 ] إبنك سرّك و هو بلاء و فتنة . . . : يشير إلى قوله تعالى :

إِنَّما أَموَالُكُم وَ أولاَدكُم فِتنَةُ 64 : 15 . و حزنك و هو ثواب و رحمة : يشير إلى حديث النبي صلى اللَّه عليه و آله :

( من دفن واحدا فصبر عليه و احتسبه وجبت له الجنة ) .

[ 2 ] إن الصبر لجميل إلاّ عنك . . . : إن مصابنا بك مستوجب لترك الصبر . و إن الحزن لقبيح إلاّ عليك : لعظم مصيبتك علينا . و إن المصاب بك لجليل : لعظيم . و أنه قبلك و بعدك لجلل : هيّن . و المراد : ان مصائبنا السالفة و اللاحقة بالقياس إلى مصيبتنا بك لهينة ، و منه قول الشاعر :

أنست رزيتكم رزايانا التي
سلفت و هونت الرزايا الآتيه

 

[ 79 ]

293 و قال عليه السلام : لا تصحب المائق فإنّه يزيّن لك فعله ، و يودّ أن تكون مثله [ 1 ] . 294 و قد سئل عن مسافة ما بين المشرق و المغرب ، فقال عليه السلام : مسيرة يوم للشّمس [ 2 ] . 295 و قال عليه السلام : أصدقاؤك

[ 1 ] لا تصحب المائق . . . : الشديد الحمق . فإنه يزيّن لك فعله : يحسّنه عندك ، و يرغّبك فيه . و يود أن تكون مثله :

تعمل بمثل عمله .

[ 2 ] مسيرة يوم للشمس : و هذا من أعظم الأجوبة و أروعها ، فقد تضمّن الحقيقة ، مع العدول عن الجواب بتعيين المسافة لأنه لا سبيل للسائل إلى التأكد من ذلك .

[ 80 ]

ثلاثة [ 1 ] ، و أعداؤك ثلاثة : فأصدقاؤك صديقك ،

و صديق صديقك ، و عدوّ عدوّك . و أعداؤك عدوّك و عدوّ صديقك ، و صديق عدوّك . 296 و قال عليه السلام لرجل رآه يسعى على عدو له بما فيه إضرار بنفسه : إنّما أنت كالطّاعن نفسه ليقتل ردفه [ 2 ] . 297 و قال عليه السلام : ما أكثر العبر و أقلّ الاعتبار [ 3 ] .

[ 1 ] أصدقاؤك ثلاثة : تحديد الأصدقاء و الأعداء و إحاطة بخط الاخاء ليقوم بما يلزمه لهم ، و خط العداء ليحذرهم .

[ 2 ] إنما أنت كالطاعن نفسه ليقتل ردفه : الردف : الراكب خلف الراكب . و المراد : إنك في غاية الجهل و الحماقة لإضرارك بنفسك من أجل الإضرار بعدوك .

[ 3 ] ما أكثر العبر و أقل الإعتبار : قال الشيخ الطريحي : العبرة بالكسر ، الاسم من الإعتبار ، و هو الإتعاظ ، و هو ما يفيده الفكر إلى ما هو الحق من وجوب ترك الدنيا ، و العمل للآخرة ، و اشتقاقها من العبور ، لأن الإنسان ينتقل فيها من أمر الى أمر . و مراد الإمام عليه السلام : ان العبر كثيرة ،

و كفى بالموت واعظا ، و لكن المعتبرين قلّة .

[ 81 ]

298 و قال عليه السلام : من بالغ في الخصومة أثم ، و من قصّر فيها ظلم ، و لا يستطيع أن يتّقي اللَّه من خاصم [ 1 ] . 299 و قال عليه السلام : ما أهمّني ذنب أمهلت بعده حتّى أصلّي ركعتين [ 2 ] و أسأل اللَّه العافية .

[ 1 ] من بالغ في الخصومة اثم . . . : بالغ : إجتهد و استقصى .

و الخصومة : الجدال و النزاع . و الإثم : الذنب . و المراد :

جرته الى إرتكاب الآثام . و من قصّر فيها ظلم : ذهبت حقوقه . و لا يستطيع أن يتقي اللَّه من خاصم : لأنها تجرّه الى المكابرة و المجاهدة .

[ 2 ] ما أهمني ذنب . . . الخ : دعوة الى المبادرة الى التوبة عند الذنوب ، و تقديم الصلاة لأنها أفضل ما يتقرّب به العبد الى اللَّه تعالى ليكون في مظنّة القبول و المغفرة .

[ 82 ]

300 و قال عليه السلام : كيف يحاسب اللَّه الخلق على كثرتهم ؟ فقال عليه السلام : كما يرزقهم على كثرتهم ، فقيل : كيف يحاسبهم و لا يرونه ؟ فقال عليه السلام : كما يرزقهم و لا يرونه [ 1 ] . 301 و قال عليه السلام : رسولك ترجمان عقلك ، و كتابك أبلغ ما ينطق عنك [ 2 ]

[ 1 ] كما يرزقهم على كثرتهم . . الخ : الغرض : بيان قدرته جلّ شأنه ، و أنّه لا يعجزه شي‏ء مع الاتيان بمثال على ذلك من أمر الدنيا . و هذا الجواب البديهي المقنع مع وجود المثال مما يعجز عن مثله الآخرون ، لكنه سلام اللَّه عليه باب مدينة العلم .

[ 2 ] رسولك ترجمان عقلك . . . : المؤدّي عنك ، فيجب عليك اختياره . و كتابك أبلغ ما ينطق عنك : أكثر لصوقا بالإنسان من الرسول ، لأنه لا يستطيع إنكاره ، فيتعيّن عليه أن يختار عباراته .

[ 83 ]

302 و قال عليه السلام : ما المبتلى الّذي قد اشتدّ به البلاء بأحوج إلى الدّعاء من المعافى الّذي لا يأمن البلاء [ 1 ] 303 و قال عليه السلام : النّاس أبناء الدّنيا ، و لا يلام الرّجل على حبّ أمّه [ 2 ] . 304 و قال عليه السلام : إنّ المسكين رسول اللَّه فمن منعه فقد منع اللَّه ، و من أعطاه فقد

[ 1 ] ما المبتلى الذي اشتدّ به البلاء . . الخ : البلاء : المحنة تنزل بالإنسان . و المراد : كما أن المبتلى بحاجة الى الدعاء بالعافية و الفرج ، كذلك المعافى ، لأنّه معرّض في أي لحظة للبلاء .

[ 2 ] الناس أبناء الدنيا و لا يلام الرجل على حب أمه : أن حبهم للدنيا كشي‏ء غريزي ، و لو لا هذا الحب لما استقامت الدنيا ، و لكن اللوم يتوجّه على الإنسان بتوجهه بكلّه الى الدنيا ، و ترك الإستعداد للآخرة .

[ 84 ]

أعطى اللَّه [ 1 ] . 305 و قال عليه السلام : ما زنى غيور قطّ . [ 2 ] 306 و قال عليه السلام : كفى بالأجل حارسا [ 3 ] .

[ 1 ] إن المسكين . . . : الذي لا شي‏ء له يكفي عياله .

رسول اللَّه : إن اللَّه سبحانه و تعالى أمر بمساعدته و برّه . و من حديث الإمام الصادق عليه السلام في فضل الصدقة : ( و هي تقع في يد الرب تبارك و تعالى قبل أن تقع في يد العبد ) .

[ 2 ] ما زنى غيور قط : لأن غيرته تمنعه من ذلك ، و قد جاء في الحديث الصحيح : ( من زنى زني به ) . و كان في بني إسرائيل رجل زناء ، فجاء الى بيته فوجد رجلا عند أهله ،

فجاء به الى داود عليه السلام ، فجاء الوحي : ( كما تدين تدان ) .

[ 3 ] كفى بالأجل حارسا : قد يتعرّض الإنسان لأخطار تكاد تهلكه ، و مع ذلك فيسلم منها ، و السبب أن أجله الذي كتب في اللوح المحفوظ لم يحن .

[ 85 ]

307 و قال عليه السلام : ينام الرّجل على الثّكل و لا ينام على الحرب قال الرضي : و معنى ذلك أنه يصبر على قتل الأولاد و لا يصبر على سلب الأموال . 308 و قال عليه السلام : مودّة الآباء قرابة بين الأبناء [ 1 ] و القرابة إلى المودّة أحوج من المودّة إلى القرابة . 309 و قال عليه السلام : اتّقوا ظنون المؤمنين فإنّ اللَّه تعالى جعل الحقّ على

[ 1 ] مودّة الآباء قرابة بين الأبناء . . . : الحب المتبادل بين الآباء ينمو فيكون بين الأبناء بمثابة الرحم القريبة . و القرابة أحوج الى المودّة من المودّة الى القرابة : القرابة بحاجة الى حب لينتفع بها القريب ، أمّا المودّة فقائمة بذاتها ، و النفع حاصل بسببها .

[ 86 ]

ألسنتهم [ 1 ] . 310 و قال عليه السلام : لا يصدق إيمان عبد حتّى يكون بما في يد اللَّه أوثق منه بما في يده [ 2 ] . 311 و قال عليه السلام : لأنس بن مالك ،

و قد كان بعثه إلى طلحة و الزبير لما جاء إلى البصرة يذكر هما شيئا مما سمعه من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم في معناهما ، فلوى [ 3 ]

[ 1 ] إتقوا ظنون المؤمنين فإن اللَّه جعل الحق على ألسنتهم : هو بمعنى الحديث النبوي : ( إتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بعين اللَّه ) و المراد : الإستقامة ، و السلوك الصحيح ، لأنه قد تنكشف للمؤمن خفايا أعمال البعض فيهتك حجابه .

[ 2 ] لا يصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد اللَّه . . . : من الغنى ، و النعيم الأخروي . أوثق منه بما في يده : من مال ،

فيبادر لعمل البر و الصدقة .

[ 3 ] لوى : أعرض . و الرسالة التي طلب منه إبلاغها الى طلحة الزبير هي ما سمعه من الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله يقول لهما : ( إنكما تحاربان عليا و أنتما له ظالمان )

[ 87 ]

عن ذلك ، فرجع إليه ، فقال إنّي أنسيت ذلك الأمر فقال عليه السلام : إن كنت كاذبا فضربك اللَّه بها بيضاء لامعة لا تواريها العمامة . قال الرضي : يعني البرص ، فأصاب أنسا هذا الداء فيما بعد في وجهه فكان لا يرى إلا مبرقعا . 312 و قال عليه السلام : إنّ للقلوب إقبالا و إدبارا : فإذا أقبلت فاحملوها على النّوافل ، و إذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض [ 1 ] .

[ 1 ] إن للقلوب إقبالا و إدبارا . . . : توجها و انقباضا . فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل : الأعمال المستحبة التي يتقرب بها إلى اللَّه تعالى ، و يراد بها دائما صلاة الليل . و المراد :

إستغلوا نشاطها و رغبتها للقيام بالنوافل و المستحبات . و إذا أدبرت : أصابها فتور و كسل . فاقتصروا بها على الفرائض :

على الواجبات المفروضة .

[ 88 ]

313 و قال عليه السلام : و في القرآن نبأ ما قبلكم ، و خبر ما بعدكم ، و حكم ما بينكم [ 1 ] . 314 و قال عليه السلام : ردّوا الحجر من حيث جاء فإنّ الشّرّ لا يدفعه إلاّ الشّرّ [ 2 ] . 315 و قال عليه السلام لكاتبه عبيد اللَّه بن

[ 1 ] نبأ ما قبلكم . . . : من الأمم التي حكى اللَّه سبحانه حالها ،

و تكذيبها للأنبياء عليهم السلام ، و ما حلّ بهم من البلاء .

و خبر ما بعدكم : من أنباء القيامة ، و الجنة و النار . و حكم ما بينكم : مما تحتاجه الأمّة من قوانين و شرائع و نظم تغنيهم عن القوانين الأوروبية ، و قد جمع العلماء هذا القسم من الآيات و سموها ب ( آيات الأحكام ) و شرحها الكثير منهم .

[ 2 ] إدفعوا الحجر من حيث جاء . . الخ : و هناك حالات يجب فيها رد المعتدين بشدّة ، و إيقافهم عند حدّهم ، و تأديب غيرهم بهم فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَليه بِمِثلِ ما اعتَدَى عَلَيكُم 2 : 194 .

[ 89 ]

أبي رافع : ألق دواتك ، و أطل جلفة قلمك ،

و فرّج بين السّطور ، و قرمط بين الحروف فإنّ ذلك أجدر بصباحة الخطّ [ 1 ] . 316 و قال عليه السلام : أنا يعسوب المؤمنين ، و المال يعسوب الفجّار .

قال الرضي : و معنى ذلك أن المؤمنين يتبعونني و الفجار يتبعون المال كما تتبع النحل يعسوبها ، و هو رئيسها . 317 و قال له بعض اليهود : ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فيه ؟ فقال عليه السلام له : إنّما

[ 1 ] الق دواتك . . . : أصلح مدادها . و أطل جلفة قلمك : ما بين مبراه الى سنّه . و فرّج بين السطور : أفصل بينها . و قرمط بين الحروف : دقق الكتابة . فإن ذلك أجدر بصباحة الخط :

إشراقه و جماله .

[ 90 ]

اختلفنا عنه لا فيه [ 1 ] ، و لكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتّى قلتم لنبيّكم : اجْعَلْ لَنَا إلهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ فَقَالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ . 318 و قيل له : بأي شي‏ء غلبت الأقران [ 2 ] ؟ فقال عليه السلام : ما لقيت رجلا إلاّ أعانني على نفسه . قال الرضى : يومى‏ء بذلك إلى تمكن هيبته في القلوب . 319 و قال عليه السلام لابنه محمد بن

[ 1 ] إختلفنا عنه . . . : في أحاديث صدرت عنه صلى اللَّه عليه و آله وسلم لا فيه : لم نختلف في نبوته . و المراد : الفرق بيننا و بينكم كبير جدا ، فنحن اختلفنا في أحاديث الوصية و الخلافة بينما أنتم فقد طلبتم معبودا غير اللَّه تعالى .

[ 2 ] الأقران جمع قرن . و هو للإنسان : مثيله و نظيره في الشجاعة و العلم و غير ذلك .

[ 91 ]

الحنفية : يا بنيّ ، إنّي أخاف عليك الفقر فاستعذ باللَّه منه فإنّ الفقر منقصة للدّين مدهشة للعقل داعية للمقت [ 1 ] . 320 و قال عليه السلام لسائل سأله عن معضلة : سل تفقّها ، و لا تسأل تعنّتا فإنّ الجاهل المتعلّم شبيه بالعالم ، و إنّ العالم المتعسّف شبيه بالجاهل المتعنّت [ 2 ] .

[ 1 ] منقصة للدين . . . : لأنه قد يحمله على التعدّي على أموال الناس كالسرقة و شبهها ، أو يؤدّي به الجزع و ما ينافي الأدب . مدهشة للعقل : يوجب الحيرة و توقف التفكير .

داعية للمقت : أشد البغض . و المراد : أن الفقير مبغوض منبوذ عند المجتمع .

[ 2 ] سأله عن معضلة . . . : مسألة مشكلة : و من ذلك قول عمر : ( لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن علي ) . سل تفقّها : تعلّما . و لا تسأل تعنّتا : مكابرة وعنادا . فإن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم : لإشتراكهما في طلب العلم . و ان العالم المتعسف : الآخذ على غير الطريق . شبيه بالجاهل المتعنت : المكابر لأن الأوّل سلك طريقا ملتويا في تعليمه ، و سلكه الثاني في تعلّمه .

[ 92 ]

321 و قال عليه السلام لعبد اللَّه بن العباس ، و قد أشار عليه في شي‏ء لم يوافق رأيه :

لك أن تشير عليّ و أرى فإن عصيتك فأطعني [ 1 ] . 322 و روي أنه عليه السلام لما ورد الكوفة قادما من صفين مر بالشباميين [ 2 ] فسمع بكاء النساء على قتلى صفين و خرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي و كان من وجوه قومه فقال عليه السلام له : أتغلبكم نساؤكم على ما أسمع ؟ ألا تنهونهنّ

[ 1 ] فإن عصيتك فأطعني : لوجوب طاعة المأموم للإمام . و أيضا :

ان الإمام يفوق الأمّة علما و تدبيرا ، فهو أولى و أجدر بالطاعة .

[ 2 ] الشباميين . . . : حىّ من العرب .

[ 93 ]

عن هذا الرّنين [ 1 ] ، و أقبل حرب يمشي معه و هو عليه السلام راكب فقال عليه السلام : أرجع فإنّ مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي و مذلّة للمؤمن [ 2 ] . 323 و قال عليه السلام ، و قد مر بقتلى الخوارج يوم النهروان : بؤسا لكم ، لقد ضرّكم من غرّكم [ 3 ] ، فقيل له : من غرهم يا أمير المؤمنين ؟ فقال : الشّيطان المضلّ و الأنفس الأمّارة بالسّوء ، غرّتهم بالأمانيّ ، و فسحت لهم

[ 1 ] تغلبكم . . . : تقهركم . و المراد : يعملن خلاف رغباتكم .

ورنّ : صوّت و صاح .

[ 2 ] فتنة للوالي . . . : يسبب له العجب و الخيلاء . و مذلّة للمؤمن : إذلال له ، لأن مشي الراجل الى جنب الراكب فيه توهين يأباه الإمام عليه السلام للرجل .

[ 3 ] بؤسا لكم . . . : شقاء لكم . لقد ضرّكم : الحق بكم مكروها . من غرّكم : من خدعكم ، و أطمعكم بالباطل .

[ 94 ]

بالمعاصي ، و وعدتهم الاظهار فاقتحمت بهم النّار [ 1 ] . 324 و قال عليه السلام : اتّقوا معاصي اللَّه في الخلوات فإنّ الشّاهد هو الحاكم [ 2 ] . 325 و قال عليه السلام لما بلغه قتل

[ 1 ] غرّتهم الأماني . . . : خدعهم ما كانوا يؤملونه من الإنتصار .

و فسحت لهم بالمعاصي : الفسحة : السعة . و المراد : أن أنفسهم وسّعت عليهم طريق المعاصي ، و دفعتهم الى تجاوز حدود الشريعة ، و هي المشكلة التي نعانيها اليوم . و وعدتهم الاظهار : الغلبة . فاقتحمت بهم النار : القحمة :

المهلكة . و المراد : وقعوا فيها .

[ 2 ] إتقوا معاصي اللَّه في الخلوات . . . : راقبوا اللَّه ، و احذروا اقتراف الذنوب ، خصوصا عند تفرّدكم ، و عدم وجود من يراقبكم . فإن الشاهد هو الحاكم : هو الشاهد عليكم بفعلها ، و هو الذي يحاكمكم عليها . و المراد : لا سبيل لكم للإنكار .

[ 95 ]

محمد بن أبي بكر [ 1 ] : إنّ حزننا عليه على قدر سرورهم به إلاّ أنّهم نقصوا بغيضا و نقصنا حبيبا [ 2 ] . 326 و قال عليه السلام : العمر الّذي أعذر اللَّه فيه إلى ابن آدم ستّون سنة [ 3 ] . 327 و قال عليه السلام : ما ظفر من ظفر الإثم به ، و الغالب بالشّرّ مغلوب [ 4 ] .

[ 1 ] محمد بن أبي بكر : من أعظم أنصار الإمام عليه السلام ،

و أشدّهم صلابة له شعر في التعريض بأبيه ليس هذا محلّه .

[ 2 ] إن حزننا عليه على قدر سرورهم به . . . : ان توجّعنا لفقده يساوي فرحهم . الا أنهم نقصوا بغيضا : عنصرا مبغوضا لهم . و نقصنا حبيبا : ذهب منا عنصر محبوب إلينا .

[ 3 ] العمر الذي أعذر اللَّه فيه الى إبن آدم : أزال عذره .

و المراد : لا عذر لمن بلغ الستين ان أقام على معصية .

[ 4 ] ما ظفر من ظفر الاثم به ، و الغالب بالشر مغلوب : ظفر به غلبه و قهره . و الاثم : الذنب . و المراد : لم يكسب الجولة من كان الاثم وسيلته إليها ، و طريقه لحصولها .

[ 96 ]

328 و قال عليه السلام : إنّ اللَّه سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء : فما جاع فقير إلاّ بما متّع به غنيّ ، و اللَّه تعالى سائلهم عن ذلك [ 1 ] .

[ 1 ] أن اللَّه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء . . . : في الأخبار الواردة عن الرسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله ،

و أهل بيته عليهم السلام : ان مقادير الزكاة التي فرضها اللَّه سبحانه على الأغنياء كافية لسد حاجة الفقراء ، و لو علم اللَّه انها لا تكفيهم لزادها . فما جاع فقير إلاّ بما متّع به غني :

إن المجاعات الواقعة في الهند و السودان و البلاد الأخرى هي بسبب تمتع الأغنياء بأموال الفقراء و تنعمهم بها . و اللَّه سائلهم عن ذلك : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله : أيما رجل له مال لم يعط حق اللَّه منه إلاّ جعله اللَّه على صاحبه يوم القيامة شجاعا له زبيبتان ينهشه حتى يقضى بين الناس ، فيقول : مالي و مالك ؟ فيقول : انا كنزك الذي جمعت لهذا اليوم .

[ 97 ]

329 و قال عليه السلام : الاستغناء عن العذر أعزّ من الصّدق به [ 1 ] . 330 و قال عليه السلام : أقلّ ما يلزمكم للَّه أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه [ 2 ] . 331 و قال عليه السلام : إنّ اللَّه سبحانه جعل الطّاعة غنيمة الأكياس عند تفريط

[ 1 ] الإستغناء عن العذر أعز من الصدق به : المفروض بالمسلم أن لا يعمل عملا يستوجب الإعتذار منه ، و التنصل عنه لأن العذر و إن كان بصدق لا يخلو من مهانة وضعة لا تليق بالمسلم .

[ 2 ] أقل ما يلزمكم للَّه أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه : من المعيب جدا أن يجعل المسلم نعم اللَّه تعالى و مواهبه وسيلة للعصيان ، و سلّما للفساد كمن يصرف الأموال في الحرام ،

و الصحة في ركوب الآثام و هذا ما لا نفعله مع المحسنين علينا من العباد ، فكيف نفعله مع الغالب القاهر .

[ 98 ]

العجزة [ 1 ] . 332 و قال عليه السلام : السّلطان وزعة اللَّه في أرضه [ 2 ] . 333 و قال عليه السلام في صفة المؤمن :

المؤمن بشره في وجهه و حزنه في قلبه [ 3 ] ، أوسع

[ 1 ] إن اللَّه سبحانه جعل الطاعة غنيمة الأكياس عند تفريط العجزة : غنيمة : فوزا . و الأكياس : العقلاء . و فرّط :

ضيّع . و المراد : أن العقلاء استغلوا الدنيا للطاعة و العبادة ،

بينما تسامح في ذلك ضعفاء الإيمان ، ففاتهم خير كثير بتعب قليل .

[ 2 ] السلطان وزعة اللَّه في أرضه : السلطان : الملك أو الوالي .

و وزعه : كفّه و منعه . و المراد : لا بد للبلاد من حاكم و إلاّ كانت الفوضى .

[ 3 ] بشره في وجهه . . . : يستقبل الناس بوجه طلق . و حزنه في قلبه : خوفا من هول المطلع و تألما مما يراه من فساد لا يمكنه تغييره .

[ 99 ]

شي‏ء صدرا ، و أذلّ شي‏ء نفسا [ 1 ] ، يكره الرّفعة ،

و يشنأ السّمعة [ 2 ] ، طويل غمّه ، بعيد همّه ، كثير صمته ، مشغول وقته [ 3 ] ، شكور صبور [ 4 ] ،

مغمور بفكرته [ 5 ] ، ضنين بخلّته [ 6 ] ، سهل

[ 1 ] أوسع شي‏ء صدرا . . . : رحب الصدر ، لا يتضايق بالأمور . و أذل شي‏ء نفسا : قد تحلّى بالتواضع ، و ابتعد عن الخيلاء و الكبرياء .

[ 2 ] يكره الرفعة . . . : يبغض العلو و ارتفاع المنزلة . و يشنو السمعة : يبغض الشهرة خوفا من أن يصيبه عجب و نحوه .

[ 3 ] طويل غمّه . . . : كثير الحزن . بعيد همّه : يطلب معالي الأمور ، و ما يعود عليه بالنفع الأخروي . كثير صمته : قليل كلامه . مشغول وقته : بما يعود عليه من صالح الأعمال .

[ 4 ] شكور صبور : يشكر اللَّه سبحانه على نعمائه ، و يصبر على بلائه .

[ 5 ] مغمور بفكرته : غمر الشي‏ء غمرا : علاه و ستره .

و المراد : غريق في التفكير بما يسعده .

[ 6 ] ضنين بخلته : الضنين : البخيل بالشي‏ء النفيس . و خلته :

صداقته . و المراد : لا يصاحب كل أحد من الناس حذرا من التخلق بأخلاقهم .

[ 100 ]

الخليقة ، ليّن العريكة [ 1 ] نفسه أصلب من الصّلد و هو أذلّ من العبد [ 2 ] . 334 و قال عليه السلام : لو رأى العبد الأجل و مصيره لأبغض الأمل و غروره [ 3 ] . 335 و قال عليه السلام : لكلّ امرى‏ء في ماله شريكان : الوارث ، و الحوادث [ 4 ] .

[ 1 ] سهل الخليقة . . . : الطبيعة التي يخلق المرء منها .

و المراد : حسن الطبع . لين العريكة : لان : سهل .

و العريكة : الطبيعة و النفس . و المراد : وصفه بالسهولة في التعامل و نحوه .

[ 2 ] نفسه أصلب من الصلد . . . : الصلد : الصلب الأملس . و المراد :

وصف صلابة إيمانه ، و قوّة ثباته على الحق . و هو أذل من العبد : في تواضعه .

[ 3 ] لو رأى العبد الأجل و مصيره ، لأبغض الأمل و غروره : لو انكشف للإنسان مدة عمره ، و مسيره في قطعه لترك آماله و اتجه بكله نحو اللَّه تعالى .

[ 4 ] لكل إمرى‏ء في ماله شريكان الوارث و الحوادث : و الى هذا المعنى يشير الشريف الرضي :

خذ من تراثك ما استطعت فإنما
شركاؤك الأيام و الوراث

لم يقض حق المال إلاّ معشر
نظروا الزمان يعيث فيه فعاثوا

و المراد : أن المال الذي نتنافس فيه ، و نقصر اهتمامنا على جمعه ، هو لغيرنا من الورثة ، و عرضة للأحداث من سلب الحاكمين و شبهه .

[ 101 ]

336 [ و قال عليه السلام : المسؤول حرّ حتّى يعد ] .

337 و قال عليه السلام : الدّاعي بلا عمل كالرّامي بلا وتر [ 1 ] .

[ 1 ] الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر : المفروض بالمسلم حينما يدعو و يسأل اللَّه سبحانه الجنة أن يقدّم الأعمال الصالحة ،

و يحرص على الطاعات و من الغريب أنا عندما نمرض نطلب من اللَّه سبحانه العافية ، و بنفس الوقت نسرع للطبيب ، و نبادر للعلاج ، بينما في أمر الآخرة نؤخّر العمل ،

فنكون كمن يرمي هدفه بلا وتر فيسقط سهمه و لا يصيب .

[ 103 ]