كتب هذا البحث ليكون مقدمة لكتاب حول موضوعات نهج البلاغة ألفه سماحة آية الله الشيخ علي المشكيني (حفظه الله)

ونحن نورده هنا أيضاً رجاء أن ينفع الله به، إنه وليه التوفيق. بتاريخ 1/شوال/1404.

 


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين، محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين، إلى قيام يوم الدين..

 

بـدايـة:

فإنه إذا كان الإمام امير المؤمنين علي بن ابي طالب صلوات الله وسلامه عليه، هو ذلك التجسيد الحي، والنموذج الفذ للإنسان الكامل في إنسانيته، الذي اراد الله له أن يكون منار السالكين، ومدرسة الأجيال، وقدوة الأمم.. فإن نهج البلاغة – كتاب علي عليه السلام – هو ذلك الكتاب الغني عن التعريف والتوصيف، بعد أن كان دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوق.. ولقد كان وسيبقى على مر العصور نوراً تشرق به دروب العارفين، وبصيرة وهدى للمستبصرين..

وكذلك.. فإنه إذا كانت معرفة علي عليه السلام ضرورة لابد منها لكل مسلم مؤمن بربه، تابع لدينه، فإن معرفة نهج البلاغة – كتاب علي(ع) – وهو فكر علي(ع) وعقله، واسلوبه، وحياته.. وغير ذلك ضرورة لابد منها لكل مؤمن تقي، وعارف وفي، بل وحتى لكل كيس عاقل، ومتعلم عامل..

كما أنه بمقدار استغناء أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام عن الناس، كل الناس.. – نعم.. بهذا المقدار إن لم يكن بأزيد منه، كانت حاجة الناس إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وافتقارهم إلى النهل من معينه الذي لا ينضب، وإلى التأسي والاقتداء به، وهو الأمثولة التي لا تجارى، وإلى الاقتباس من نوره، وهو الشعلة التي لا تخبو..

 

الظلم المزدوج:

ولكن الحقيقة هي: أن نهج البلاغة قد ظلم في علي عليه الصلاة والسلام.. تماماً كما ظلم علي عليه السلام في نهج البلاغة.. فأما ظلم نهج البلاغة في علي عليه السلام ؛ فلأن أعداء علي عليه السلام، والحاقدين عليه، قد طعنوا في هذا الكتاب وأثاروا الشبهات حوله، سعياً في إبطال آثار أمير المؤمنين عليه السلام، والتعتيم على مناقبه الجليلة، وآثاره الفريدة والنبيلة.

هذا.. عدا عن أنهم أرادوا التمويه والتشويه في حقيقة موقفه صلوات الله وسلامه عليه من كثير من القضايا، التي صرح في نهج البلاغة، وفي غيره بما يخالف هوى نفوسهم فيها، وبما ينافي ما يعتقدونه، أو ما بنوا عليه أفكارهم وعقائدهم، ولاسيما فيما يتعلق بموقفه من الخلفاء، الذين تسلموا أزمة الأمور قبله، وبالأخص ما جاء في الخطبة الموسومة بالشقشقية، التي ربما يكون فيها شيء من القسوة والمرارة، الأمر الذي دعاهم لأن ينكروا هذا الكتاب وغيره من مواقفه وآثاره عليه السلام من الأساس ؛ ظناً منهم: أن ذلك سوف ينهي بشكل أو بآخر أمر ذلك الذي رأوا فيه مصدراً لمتاعبهم، ومناقضة لأفكارهم وعقائدهم، أو فقل هكذا خير لهم.

وقد يكون الكثيرون منهم إنما يفعلون ذلك بحسن نية، وسلامة طوية ؛ وذلك لأن اعتقادهم بأنه عليه السلام يذهب إلى نفس رأيهم في الخلافة والإمامة بعد رسول الله(ص)، وفيمن تصدى لها قبله (ع)، وفي غير ذلك من أمور – إن اعتقادهم بذلك – قد جعلهم يقتنعون – ومن دون أي تبين أو تحقيق – بافتئات ذلك عليه، وعدم صحة نسبته إلى علي عليه السلام.

ولا نريد أن نفيض في الرد على هؤلاء وأولئك، ولا أن نسهب القول في إثبات صحة نسبة ما في نهج البلاغة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقد كفانا العلماء الأبرار، والمحققون المنصفون الأخيار مؤنة ذلك، حيث قد أثبتوا بالأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة: أن النهج لا يمكن أن يكون من إنشاء الرضي، ولا من إنشاء غيره عدا أمير المؤمنين عليه السلام، وأثبتوا أن مضامينه ونصوصه موجودة في عشرات بل في مئات المصادر التي ألفت قبل عهد الشريف الرضي بزمان، أو ألفت بعده.. لكنها لم تعتمد على كتاب الرضي فيما اوردته من نصوص. إلى غير ذلك من الدلائل والشواهد القاطعة فيما يرتبط بذلك..

وأما ظلم علي عليه السلام في نهج البلاغة.. فقد كان من الأعداء والحاقدين – على النحو الذي قدمناه آنفاً – ومن الأصدقاء والمحبين أيضاً، على حد سواء، وما ذلك إلا لأن هذا الكتاب لم ينل بعد من الأصدقاء والمحبين ما يستحقه من عناية واهتمام، ولا نظروا إليه تلك النظرة الشمولية والواعية، التي تمنحهم القدرة على استخراج كوامنه، والاستفادة من كنوزه وجواهره..

 

كلام علي عليه السلام:

وإذا كان الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام هو القرآن الناطق، وهو ذلك التعبير الصادق، والتجسيد الحي للإسلام، كل الإسلام.. حيث إن الإسلام قد ذاب في علي عليه السلام، كما ذاب علي عليه السلام في الإسلام.. فكان الإسلام في سلوكه ومواقفه، والإسلام في فكره ووجدانه، والإسلام في كلماته وتوجيهاته.

وكذلك.. إذا كان الإسلام هو ذلك الكل المترابط الذي لا يتبعض ولا يتجزأ.. وإذا كان لا يقبل من أحد أن يؤمن ببعض الكتاب، ويكفر ببعض، بل هو يصدق بعضه بعضاً، ويفسر بعضه بعضاً..

إذا كان كذلك.. فإن فهم فكر، ومواقف، وسلوك وعواطف، وكلام وتوجيهات علي عليه السلام يحتاج إلى استيعاب وشمولية في الإطلاع على ذلك كله، وكذلك إلى عمق في التفكير، ودقة في الملاحظة، وسلامة في المقارنة والربط بين ذلك كله.. حتى بالنسبة لما ربما يبدو للوهلة الأولى سهلاً، وواضحاً، وحتى بديهياً أيضاً.. ولكنه بعد التأمل والتدقيق، وملاحظة مدى ارتباطه بغيره يعلم: أنه ليس بتلك السهولة، ولا هو بذلك الوضوح.

 

بين اختيارات الرضي.. واختيارات غيره:

ولعل أول من صنف في كلام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام هو أصحابه الميامين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، مثل زيد بن وهب الجهني، الذي أدرك الجاهلية والإسلام، الذي له كتاب خطب أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر في الجمعة والأعياد وغيرها[1]، كما أن لعبد الله بن الحر الجعفي كتاباً عن علي عليه السلام[2]، ومنهم ايضاً الحارث الأعور الهمداني رحمه الله، فقد روى الكليني والصدوق: أن أمير المؤمنين عليه السلام خطب مرة خطبة بليغة، فقال أبو إسحاق السبعي للحارث الأعور: " أو ما حفظتها ؟

قال: قد كتبتها، فأملاها علينا الحارث من كتابه "[3].

وغير هؤلاء ممن جاء بعدهم وكثيرون جداً، كما يعلم من مراجعة كتاب مصادر نهج البلاغة ( ج-1 )، و" يادنامه كنكرة هزارة نهج البلاغة " مقال العطاردي ( فارسي )، وغير ذلك..

وإنه وإن كان الكثيرون قد سبقوا الشريف الرضي(رض) إلى جمع كلام أمير المؤمنين عليه السلام وخطبه ومواعظه، إلا أن أفضل ما وصل إلينا منها، وأكثرها نفعاً واتقاناً، واعظمها كان كتاب الرضي(رض) هذا.

ولعل امتياز هذا الكتاب يكمن في أنه عدا أنه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام، وحسبه ذلك عظمة وسمواً وخلوداً، قد اختاره الشريف الرضي على أنه يمتاز – بنظره – بصفة كونه في أرقى درجات الفصاحة والبلاغة، وحسن السبك، وجمال الأداء، مع كونه جامعاً لمختلف ضروب الحكمة، وسائر فنون الكلم، وكافة روائع الأدب، هذا عدا عن أن جامعه هو علم من الأعلام، وغرة زاهرة في جبين الأيام، معروف بالعلم والأدب والفضيلة، مع كرم وإباء، وعزة وسناء، ووفاء وإخاء.

 

شروح نهج البلاغة:

ولقد أدرك العلماء والباحثون – نسبياً – مكانة وأهمية نهج البلاغة، فشمروا عن سواعد الجد، للكشف عن مراميه، وشرح معانيه، وقد ظهر له من الشروح حتى الآن ما يعد بالعشرات.. وقد بدأ ذلك من عصر الرضي نفسه، حيث كتب معاصره السيد علي بن ناصر، شرحاً لهذا الكتاب، وشرحه أيضاً القاضي عبد الجبار والموبري وهما من اعلام القرن الخامس ثم توالت الشروح له، وتتابعت، فشرحه البيهقي الشهير بفريد خراسان، والراوندي والكيدري. والفخر الرازي، وابن أبي طي، وابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي، وابن طاووس وابن الساعي، وابن ميثم البحراني، والصغاني العمري الحنفي[4] وغيرهم كثيرون..

إلا أن ملاحظة ما انتهى إلينا من هذه الشروح، يعطي: أنهم عموماً يعتمدون طريقة التفسير التجزيئي. وإن كان بعضهم يكتفي بشرح كلماته لغوياً، وآخر يهتم بإبراز الجانب التاريخي أكثر من سائر الجوانب، كما هو الحال بالنسبة لابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي، وثالث: يطغى على شرحه طابع خاص فرضته عليه طبيعة تكوينه الثقافي والفكري، كالناحية الفلسفية – كابن ميثم -.

أما التستري، فيقول عن نفسه: " فرأيت أن أكتب بعون الله تعالى شرحاً جامعاً فيه من التاريخ، والأدب والأخبار القوية، والأخبار التي تكون حجة بقدر الحاجة الخ "[5] إلى غير ذلك من نواح فكرية وعقائدية، وأدبية وغيرها، تركت بصماتها ظاهرة على ما ظهر لهذا الكتاب من شروح.

وأما عن البحوث التي كتبت، وتكتب حول نهج البلاغة وموضوعاته، فهي تعتمد في أكثرها – فيما أعلم – أسلوب الملاحظة العامة المبني على بعض المقارنات. والمرتكز بالدرجة الأولى على الأجواء والمنطلقات، والأفكار والرواسب التي يحملها ذلك الباحث نفسه من دون التفات إلى حقيقة فهم الإمام علي عليه السلام نفسه للقضية، ومنطلقاته في التفكير فيها، ونوعية تفاعله معها، وكيفية وأسلوب معالجته لها.

فهي تفتقر إلى المزيد من التحري والدقة، وإلى المزيد من العمق في فهم حقيقة ما يرمي إليه عليه السلام، وإلى التعامل مع النص من نفس منطلقاته عليه السلام، وبنفس أسلوب معالجته.

هذا كله.. إلى جانب: أن الكثيرين من الباحثين يكررون الكثير من الأفكار والأبحاث، ولا يأخذون بمبدأ توفير الوقت والجهد، وعدم الحاجة إلى تكرار التجربة، وهدر الطاقات..

ولعل من المفيد في هذا المجال: أن يزوِّد الباحثون الذين يطلب منهم تقديم دراسة في، أو عن نهج البلاغة – يزودِّون - بما كتبه الآخرون، وتوصل إليه العلماء والباحثون.

أضف إلى ذلك: أن من الضروري التوجه لإبراز كافة جوانب نهج البلاغة، ولاسيما ما كان منها أسلوباً وحركة، وحياةً، وموقفاً.. حتى وإن كان ذلك على شكل بحوث جزئية ومتناثرة في البداية، لتكون النواة والبداية للنظرة الشمولية الواعية والمتكاملة..

 

الشريف الرضي ونج البلاغة:

هذا ولا بأس بالإشارة هنا إلى الأمور التالية:

ألف: إن الشريف الرضي قد اهتم في اختياراته لخطبه وكتبه وكلماته عليه السلام بالجانب البلاغي، فاختار من ذلك ما يدخل فيه هذا السياق، وما رآه واضح النهج والأسلوب، تام الظهور والدلالة في الناحية المشار إليها.. وأهمل ذكر الأسانيد التي اعتمد عليها، إما لشهرة ذلك عنه عليه السلام، أو لكونه موجوداً في الكتب والمصادر المتداولة في زمنه رحمه الله تعالى بشكل مكثف. وإن كان الكثير من تلك المصادر لم يصل إلينا حتى الآن، بسبب طول المدة، وتوالي عوادي الزمن.

هذا: ولكن بعد أن ظهرت بعض الشبهات والتشكيكات من بعض المتعصبين والحاقدين – وليس ذلك بالأمر العجيب، فقد حاول المشركون من قبل والمستشرقون وتلامذتهم من السطحيين الحاقدين من بعد التشكيك حتى بالقرآن، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه – بعد أن ظهرت هذه التشكيكات – قام عدد من العلماء والباحثين بتحري المصادر التي أوردت نفس النصوص الموجودة في نهج البلاغة.

حسبما أشرنا إليه فيما سبق – بعد ذلك كله – فإننا نجد: أن ما جاء منها في هذه المصادر يختلف جزئياً عما جاء في نهج البلاغة، وذلك بسبب أن الشريف الرضي قد اعتمد فيما نقله على مصادر غيرها على ما يظهر، فلا بأس بالمقابلة والمقارنة بين النصوص، والتحقيق قدر الإمكان فيها.

بـاء: وإننا في نفس الوقت الذي نشكر فيه لهؤلاء العلماء جهودهم الكريمة في الدفاع عن نهج البلاغة، وحشدهم الكثير من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، التي تؤكد على أنه لا مجال لأي من تلك الشبهات التي أثيرت حول هذا الكتاب.. إلا أننا لابد وأن نعبر عن مزيد أسفنا حين نجد: أنهم قد اكتفوا بذكر المصدر، ورقم الجزء والصفحة، مع بعضا الإيضاحات، التي لا ترتبط بالتوثيق السندي، بل ومن دون أن يتعرضوا لذكر الأسانيد أصلاً.. فضلاً عن أن يهتموا أو يلتفتوا إلى مناقشتها، وتوثيق ما أمكن توثيقه منها.

وطبيعي أن هذه المناقشة وذلك التوثيق – لو كان – فإنه يساعد كثيراً على تقوية النصوص الأخرى، التي يمكن بمساعدتها رفع مستوى الإطمئنان فيما يرتبط بدلالة ومرامي ذلك النص الصحيح نفسه، والذي ربما، بل كثيراً ما يكون منقولاً بالمعنى، أو قد تعرض لشيء من التصحيف أو التحريف في العصور المتمادية.

جيـم: إن المراجع للنسخ المختلفة لنهج البلاغة، سواء المطبوع منها أو المخطوط، يجد الكثير من التفاوت والاختلاف فيما بينها، وذلك يرجع إلى:

أن الظاهر من بعض الدلائل والشواهد، هو أن الشريف الرضي رحمه الله قد جمع هذا الكتاب أولاً.. ثم كان يزيد وينقص، ويغير ويبدل فيه باستمرار.. حيث إنه ايضاً كان يعمل باستمرار على اقتناص الشارد، واستلحاق الوارد، كلما سنحت له فريدة من الفرائد، أو لاحت له آبدة من الأوابد، وكانت هذه النسخ المختلفة والمتفاوتة تنتشر في عهده ويتداولها الناس..

هذا كله.. بالإضافة إلى خلط بعض الحواشي بالمتن من قبل النساخ في بعض الموارد. ولأجل ذلك ولغيره من أمور لا مجال لذكرها الآن.. فإن الحاجة تمس كثيراً للتحقيق حول نسخ النهج، المطبوع منها والمخطوط على حد سواء، ومقابلتها مع بعضها البعض، مع تبيين موارد هذه الاختلافات بدقة وأمانة، وبيان تلك الموارد، التي وقع فيها التصحيف أو التحريف، أو خلط فيها بعض الحواشي بالمتن نتيجة لتعدد استنساخ الكتاب في الأزمنة المتمادية، أو لغير ذلك..

دال: إن الشريف الرضي رحمه الله تعالى قد ركز في اختياراته على ما رآه منسجماً مع هدفه الذي يرمي إليه. وهو ما كان واضح النهج والأسلوب، تام الظهور في تلك الناحية التي أراد، وهي " الفصاحة، والبلاغة " فكان أن اختار من خطبة عليه السلام، ومن كتبه، وكلماته، خصوص الفقرات التي تدخل في هذا السياق ؛ فأوجب ذلك أن لا يتمكن الباحث من الإطلاع على تمام مراداته ومراميه عليه السلام، فتمس الحاجة إلى اتخاذ طريقة يعرض فيها النص الكامل لكلامه عليه السلام، مع إعطاء لمحة، مهما كانت خاطفة وموجزة عن بعض الظروف التي أحاطت بالنص إبان صدوره، سواء في ذلك الظروف السياسية، أو الثقافية، أو الاجتماعية، أو النفسية والعاطفية، أو غيرها..

هـاء: إننا نجد أن ما يكتب حول نهج البلاغة يختص في معظمه بفئات معينة من ذوي الاختصاصات العالية عموماً.. حتى لقد أصبح نهج البلاغة الذي خاطب به أمير المؤمنين عليه السلام الناس كل الناس: كبيرهم وصغيرهم، عالمهم وجاهلهم، ويعالج به قضاياهم، ويعيش من خلاله مشاكلهم – أصبح – لفريق بعينه، ولا يعالج إلا أموراً نظرية عالية، وقضايا فكرية خاصة، لا تهم إلا أهلها، ولا يستفيد منها عامة الناس.

فتمس الحاجة لمزيد من الاهتمام بتبسيط هذا الكتاب على مراحل يمكن معها للنشء الصاعد ولغيره من المستويات، الإستفادة منه على النحو الأكمل والأفضل، مع لزوم مراعاة الأهم فالأهم في مجال عرض الموضوعات التي تمس إليها الحاجة، وتقضي بها الضرورة.

واو: إننا نجد أن الباحثين لم يهتموا كثيراً كذلك بإعداد الفهارس الفنية لهذا الكتاب وموضوعاته، والتي من شأنها أن تسهل على القارئ والباحث الإستفادة منه بالشكل المناسب والمطلوب.

 

هذا الكتاب:

أما هذا الكتاب، الذي بين يدي القارئ الكريم، والذي هو من تأليف سماحة آية الله الشيخ علي المشكيني، الذي هو علم فذ، من أعلام الإسلام، والثورة الإسلامية في إيران الإسلام – أما هذا الكتاب – فهو محاولة جديرة بالاحترام وبالتقدير، حيث إنها جاءت جديدة وجليلة، تعني بتسهيل الإستفادة من نهج البلاغة، أعظم كتاب بعد القرآن الكريم، وتحمل في طياتها التنبيه – تلويحاً – على ما يحويه هذا الكتاب من طروحات جامعة ومستوعبة لمختلف شؤون الحياة ؛ حيث أخذ على عاتقه مهمة تبويب هذا السفر الجليل على أساس ما جاء فيه من موضوعات ؛ فيجمع النصوص التي تشير إلى موضوع واحد، في صعيد واحد، متوخياً التركيز على الموضوعات الكلية البارزة، التي رأى فيها المؤلف مناسبة وخصوصية من نوع ما. وإن كان البحث العميق لربما يشير إلى خصوصيات أخرى هامةٍ أيضاً ؛ فإن ما كان من هذا القبيل إنما يوكل إلى مناسبته عادة، ولا مجال لتحمل أعباء البحث عنه والالتزام بتقصي موارده في عمل يخضع لقيوده الخاصة، ولمنهجيته المحددة والملتزمة، التي تفرض نفسها على الكتاب وعلى الكاتب بصورة عامة..

 

خطوة رائدة:

وأخيراً.. فإن "بنياد"، أو فقل "مؤسسة نهج البلاغة" قد كانت في مضمونها هي تلك الخطوة الرائدة والفذة على طريق العمل الجاد والدائب، من أجل الاستفادة على النحو الأكمل والأشمل من فكر وطروحات الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام.. ولعلها توفق للإجابة على جل، إن لم يكن كل التساؤلات والتوقعات منها، في نشاطاتها المستقبلية في هذا المجال، إن شاء الله تعالى.

والله هو الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل. والحمد لله رب العالمين

جعفر مرتضى العاملي


 


[1] الفهرست للشيخ الطوسي ص148 ومصادر نهج البلاغة ص51.

[2] رجال النجاشي ص7.

[3] الكافي ط. الإسلامية ج1 ص109 ونهج الصباغة ج1 ص5. عنه وعن الصدوق، وراجع أيضاً سفينة البحار ج1 ص392.

[4] راجع في ذلك كله كتاب: مصادر نهج البلاغة ج1 ص202 حتى ص226. وذكر أثناء ذلك، وبعده شروحاً أخرى زادت على المئة..

[5] نهج الصباغة ج1 ص8.