المدخل

لا أحسب كتابا على امتداد التأريخ ، و عبر القرون و الأحقاب . . . منذ أن تدرّج الإنسان على الأرض . . . وضعت حول جوانبه و مفاهيمه و بحوثه و مطالبه و مواضيعه امّهات الكتب و الدراسات و الشروح ، بعد القرآن الكريم مثل كتاب ( نهج البلاغة ) فهو لاحتوائه على « 242 خطبة و كلاما ، و 78 كتابا و رسالة ، و 498 كلمة ، من يواقيت الحكمة و درر البيان ، و جوامع الكلم . . . أشغل الشخصية الاسلامية . . . و حوّل نحوه الجامعات و الأكاديميات العلمية و الأدبية و الفلسفية . . . و أخذ بمجامع العقول و الأفكار و القلوب . . . منذ أن قالها و أنشأها و صاغها و ارتجلها ، عملاق الفصاحة ، و عبقريّ البلاغة ، و سيّد البيان ، و أمير الأدب الإمام أمير المؤمنين عليّ بن ابي طالب عليه سلام اللّه و رحمته و بركاته .

و الواقع أنّ الكتاب هذا . . . في حروفه . . . كلماته . . . جملاته . . . سطوره . . . جاذبيّة خاصة . . .

و الكثير من قوّة الجذب التي لا عهد لنا بها إلاّ في القرآن الكريم . . . فهو كالمسك ما كرّرته يتضوّع ، و لذلك نجد بينه و بين القرآن تشابها ، و ترادفا في الهدف ، و الغاية ،

و الغرض ، و اللفظ ، و المعنى ، و السياق ، و البيان ، و الشكل . . . و لهذا يعتقد الكثير من أئمة البيان و الكلام ، أنّ نهج البلاغة وليد القرآن فحسب .

و لا غرو ، و لا مغالاة في القول هذا ، بعد أن وجدنا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ،

حفظ القرآن كلّه ، فوقف على أسراره ، و إعجازه ، و حكمه ، و ظاهره ، و باطنه ، و ناسخه ، و منسوخه ، و محكمه ، و متشابهه ، و كافة جزئياته و كلياته ، و سار القرآن في جسمه ، و اختلط به لحمه ، و دمه ، و مشى في عروقه ، ثم وجدنا الجميع في نهج البلاغة . . . مع تبيانه الصريح ، و إعلانه الرصين في عدّة مواضع صارخا : سلوني قبل أن تفقدوني . . . سلوني عن

[ 10 ]

كتاب اللّه ، فإنّه ليس من آية إلاّ و قد عرفت بليل نزلت أم بنهار ، في سهل أم في جبل 1 .

أو ما رواه المأمون ، عن الرشيد ، عن المهدي ، عن المنصور ، عن أبيه ، عن علي بن العباس ، عن عبد اللّه بن عباس ، قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : كفوّا عن ذكر علي ابن أبي طالب ، فلقد رأيت من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم ، فيه خصالا لأن تكون لي واحدة منهن في آل الخطاب أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس ، كنت أنا ، و أبو بكر ، و أبو عبيدة ، في نفر من أصحاب رسول اللّه ( ص ) فانتهيت إلى باب امّ سلمة ، و عليّ قائم على الباب ، فقلنا : أردنا رسول اللّه ( ص ) ؟ فقال : يخرج إليكم ، فخرج رسول اللّه ( ص ) فثرنا اليه ، فاتّكأ على علي بن أبي طالب ، ثم ضرب بيده على منكبه ، ثم قال : إنّك مخاصم تخاصم ، أنت أوّل المؤمنين إيمانا ، و أعلمهم بأيام اللّه ، و أوفاهم بعهده و أقسمهم بالسويّة و أرأفهم بالرعية و أعظمهم رزية ، و أنت عاضدى و غاسلي و دافني ،

و المتقدّم إلى كل شديدة و كريهة ، و لن ترجع بعدي كافرا ، و أنت تتقدّمني بلواء الحمد ، و تذود عن حوضي ، ثم قال ابن عباس من نفسه : و لقد فاز عليّ عليه السلام ، بصهر رسول اللّه ( ص ) ، و بسطة في العشيرة ، و بذلا للماعون و علما بالتنزيل و فقها للتأويل و نيلا للأقران 2 .

و من هنا نرى الغزالي 3 بعد تلاوته الحديث هذا ، يقول : قد علم الأولون و الآخرون ،

أنّ فهم كتاب اللّه منحصر إلى علم عليّ ، و من جهل ذلك فقد ضلّ عن الباب الذي من ورائه يرفع اللّه عن القلوب الحجاب ، حتى يتحقق اليقين الّذي لا يتغير بكشف الغطاء 4 .

-----------
( 1 ) الغدير 3 : 95 الاحاديث الواردة في علم أمير المؤمنين و رأي الصحابة فيه و ان اول من اعترف له بالاعلمية نبي الاسلام صلى اللّه عليه و آله و سلم . مستدرك الصحيحين 3 : 499 . كنز العمال 6 : 13 . جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 : 398 . مسند احمد بن حنبل 5 : 26 . الرياض النضرة 2 : 194 . مجمع الزوائد 9 : 101 ، 114 . مناقب الخوارزمي : 49 .

-----------
( 2 ) حلية الاولياء 1 : 66 . الرياض النضرة 2 : 198 عن الحاكمي . مطالب السئول : 34 . كنز العمال 6 : 393 .

كفاية الطالب : 197 . اسد الغابة 5 : 520 . مجمع الزوائد 9 : 113 . الاستيعاب 2 : 462 بسنده عن سعيد بن وهب .

ذخائر العقبى : 61 و قال : اخرجه الطبراني .

-----------
( 3 ) أبو حامد حجة الاسلام محمد بن محمد بن محمد الغزالي الشافعي الطوسي المتوفى 505 . ه .

-----------
( 4 ) فيض القدير 3 : 64 .

[ 11 ]

هذا بالاضافة إلى عشرات الأحاديث ، و الروايات الصحيحة الثابتة عن النبيّ الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، في علم عليّ عليه السلام و قضائه و أدبه و حكمته و دينه و إيمانه و تكامله في كافّة الجوانب العلميّة و الاخلاقيّة و السياسيّة و الاجتماعيّة ، فهو نسيج وحده بعد المشرّع الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، في جميع المثل و القيم الانسانيّة ، و لذلك يمكن القول بصراحة أنّ نهج البلاغة . . . وليد القرآن ، من دون منازع و من غير افتقار إلى دليل و حجة و برهان ، و لم يكن القول هذا بابتداع و اختلاق منبعث عن التعصّب و الانحياز ، و الغلو و إنّما هو عقيدة أئمة الأدب و فقهاء البيان و البلاغة و أحبار الحكمة ، و الفلسفة ، و جهابذة النحو و المنطق و اللغة ، منذ إنشاء نهج البلاغة و صوغه و إنشاده و تكوينه .

لقد تلقّت رجالات الفصاحة و فقهاء البيان و أحبار الحكمة و الفلسفة كتاب نهج البلاغة ، بالإكبار و التجليل ، و وقفت خاشعة ذاهلة أمام اسلوبه الرصين و بيانه السّحريّ و نهجه البليغ و سبكه العذب و معنويته الحيّة ، و راحت تدرسه و تحلّله ، و تضع له شروحا و تفاسير جمّة ، و ترجمته إلى اللغات الحية ، و وضعت حوله دراسات و بحوث شتّى ، فبلغ ما ينيف على 350 شرحا و ترجمة باللغتين العربية و الفارسية 5 ، و على هذا يمكن القول : أنّ المؤلّفات و الكتب الخاصة ، بكتاب نهج البلاغة تشكل وحدها مكتبة عامرة 6 و لعلّ اللّه يوفّق من يجمع هذه الدراسات و الكتب في خزانة خاصّة ، أو يضع لها ثبتا و معجما خاصا ، خدمة للعلم و الأدب و التأريخ :

كتاب كأنّ اللّه رصّع لفظه
بجوهر آيات الكتاب المنزّل

حوى حكما كالدّر ينطق صادقا
و لا فرق إلاّ انّه غير منزل

هذا و من الذين شرحوا كتاب نهج البلاغة ، فقيه الحكماء و فيلسوف الفقهاء و فخر العلماء و الأدباء و أفضل المتقدّمين و المتأخّرين ، كمال الدين و مفيد الدين الشيخ ميثم

-----------
( 5 ) الغدير 4 : 186 .

-----------
( 6 ) هذا و قد ترجم نهج البلاغة الى اللغات الحية كالانكليزية و الفرنسية و الهندية و التركية و غيرها .

[ 12 ]

ابن علي بن ميثم البحراني . . . رضي اللّه عنه ، فقد صنّف لهذا الكتاب شروحا ثلاثة ،

بأسلوب علمي بليغ و نهج فلسفي قويم ، كانت موضع التقدير و الإكبار و البحث و التدريس .

ولد و نشأ هذا العليم النّحرير في البحرين ، و ترعرع في أحضان العلم و الفقه ، لأنّ أسرته كانت من الأسر الشهيرة العريقة ، فنشأ في حجر أبيه المقدّس و بذل في تربيته الجهد ، و استفرغ في تأديبه و تهذيبه وسعه و بوّأه من علمه و حكمته في تثقيفه مبوّأ صدق مبارك ، يفتح له سبل الحجى و يدفعه إلى أوج الهدى و التقى ، فأخذ أولا علوم اللّغة و الصرف و النحو و فنون اللسان ، و حصل في الصرف و النحو و المعاني و البيان و البديع و علم المنطق ، على درجة و امتياز رفيع .

لقد أخذ هذه العلوم عن أساتذة مهرة بررة من علماء البحرين ، اختارهم له والده ، و كان يقف على دروسه معهم لا يألو جهدا في تشويقه و تشجيعه و تنشيطه و تمرينه ، و لا يدّخر وسعا و فراغا في إرهاف عزمه و اغرائه في الامعان بالبحث و المناقشة .

و كان منذ نعومة أظفاره و أوّل نشأته بعيد الهمة ، توّاقا إلى المعرفة و الكمال ، و نزّاعا إلى الفضيلة و العبقرية ، فحسر عن ساعد الجدّ و الاجتهاد و جنّد نفسه في التحصيل ،

حتى بزّ أقرانه و زملائه ، و جلى و فاز دونهم في جميع المجالات بالقدح المعلى ، و فشى ذكره في التحصيل على ألسنة الخاصّة و العامّة ، من أهل بلده ، و خالط صيته العقل و الفضل و الهدى و الرأى و حسن السمت في تلك الأرجاء و عند الجميع ، فكان المثل الأعلى في الحوزات العلمية و أوساط الشبيبة في حمد السيرة و طيب السريرة و جمال الخلق و كمال الخلق و حبّ الخير .

غير أنّه آثر العزلة و اختارها و أحبّها و هام بها لأنّه بلغ مقام الأنس على حدّ قول علماء الاخلاق ، و قد قالوا : إنّ من بلغ مقام الأنس غلب على قلبه حبّ الخلوة و العزلة عن الناس ،

لأنّ المخالطة مع الناس تشغل القلب عن التوجّه التام إلى اللّه ، فلا بدّ من بيان أنّ الأفضل من العزلة و المخالطة أيّهما ، فإنّ العلماء في ذلك مختلفون و الأخبار أيضا في ذلك مختلفة ، و لكل واحد منهما أيضا فوائد و مفاسد ، و قد أجمعت كلمتهم على تفضيل العزلة على المخالطة مطلقا ، لوجود فوائد ، منها ، الفراغ للعبادة ، و الذكر و الفكر و الاستيناس

[ 13 ]

بمناجاة اللّه و الإشتغال باستكشاف أسرار اللّه في ملكوت السماوات و الأرض و التخلّص عن المعاصي الّتي يتعرّض الإنسان لها غالبا بالمخالطة 7 .

و مهما يكن من أمر فإنّ المترجم له . . . آثر العزلة إلى أن تخلّص منها على أثر مكاتبات جرت بينه و بين علماء العراق ، فغادر مسقط رأسه متوجّها إلى العراق و ايران ،

بغية زيارة الأعتاب المقدّسة و مراقد أهل البيت الطاهرين عليهم السلام في النجف الاشرف ، و كربلاء ، و الكاظمية ، و سامراء ، و خراسان ، و قم ، و من ثمّ الاجتماع بالعلماء و الفقهاء في الحوزات العلمية آنذاك .

لقد استغرقت رحلته هذه ، سنين عدّة و عاد إلى البحرين ، و كانت أوقاته منقسمة حتى في السفر بين المحراب و المطالعة و التدريس و الكتابة و البحث و الارشاد ، ففي سفره صنّف الشروح الثلاثة لكتاب نهج البلاغة ، كما كانت مجالس تزاوره في رحلته مدارس سيارة ، يجد الطالب فيها ما يبتغيه من فنون العلم ، و الحكمة و الأدب و ما إلى ذلك من مواعظ تسمو بالانسان إلى حيث الملكوت و الروحانية . . . و هو في كل هذا كما يشهد عليه بيانه ، واضح الأسلوب ، فخم العبارة ، مشرق الديباجة ، يعبّر عن كوامن نفسه بأبلغ بيان ، و يعبّر عن ضميره بأجلى العبائر الحسان ، فيبلغ بقوله و كلامه أعماق القلوب من خواصّ الناس و عوامهم ، يخاطب كلاّ منهم بما يناسب مع شعوره ، و يتّفق مع عقليته و مبلغه من الفهم و العلم و الإدراك بكلام هو أندى على الأفئدة من زلال الماء . . . فكان منتجعو روّاد مجالسه على اختلاف طبقاتهم ، ينقلون عنه بما إلتمسوه من ضوال الحكمة و جزيل الفوائد العلمية و جليل العوائد العملية .

إنّ الشيخ ميثم . . . كرّم اللّه وجهه ، كان رحلة في العلم ، كما كان قبلة في العمل و العبادة ، و إماما في الحكمة و الفقه ، و علما في الشريعة ، تمّت به النّعمة ، و هاديا إلى اللّه وجبت به الحجّة ، و مفزعا في العلم تلقى إليه المقاليد ، و مرجعا في أحكام اللّه و قوانينه يناط به التقليد ، و ثبتا في السنن و حجّة في الأخبار ، و جهبذا في الوقائع و حوادث السنين و أحوال الغابرين ، طويل الباع في الحكمة ، و بحرا في الاخلاق و تهذيب النفس ، لا يسبر غوره و لا ينال دركه .

-----------
( 7 ) جامع السعادات 3 : 194 .

[ 14 ]

و هذا إن دلّ على شي‏ء فإنّما يدلّ على شخصيّة شيوخه و مناعة أساتذته الفطاحل ،

في العلوم الإسلامية إلى جانب شدّه للعلم حيازيمه ، و إرهافه له عزائمه ، و إرصاده الأهب لأخذه بجميع فنونه عن تلكم الجهابذ ، و خوضه عباب البحار ، و لذلك عنت أساتذته بأمره إلى الغاية ، و اهتمّت بشأنه كل الإهتمام .