شيوخه :

يكتنف حياة هذا العملاق . . . الكثير من الغموض مع الأسف الشديد ، و لم يتوصّل المؤرّخون إلى جذور حياته و مراحل دراسته بصورة وافية ، ليضعوا أمام القارى‏ء صورة صحيحة عنه ، فالجوانب من حياته مجهولة ، و منها شيوخه و أساتذته الذين تخرّج عليهم ،

إذ لا مشاحة أنّه تتلمّذ على فحول الفقه و عمالقة الكلام و أساطين الفلسفة و الحكمة و أرباب الجدل و المناقشة ، فهو في الواقع حصيلة و خميرة أدمغة الفطاحل ، و عصارة الحكماء و مجموعة ثقافات الفقهاء و المجتهدين ، بيد أنّ المؤرخين لم يذكروا منهم غير إثنين أو ثلاث و هم :

1 أبو السعادات أسعد بن عبد القاهر بن أسعد الإصبهاني المتوفى بعد 635 .

من كبار المحققين و الفقهاء و المتضلّعين في الدراية و الحديث و الفقه و أصوله ، و كانت له حوزات تدريسيّة غاصّة بالعلماء و الأدباء ، منهم الخواجه نصير الدين محمد الطوسى ، و السيد رضي الدين على بن طاوس و أمثالهما و قد ترجم له أصحاب المعاجم و أثنوا عليه .

من تصانيفه الكثيرة : « إكسير السعادتين » ، فيه الكثير من الكلمات القصار لأمير المؤمنين عليه السلام . « توجيه السؤلات في حلّ المشكلات » . « منبع الدلائل و مجمع الفضائل » . « رشح الولاء في شرح الدعاء » . « مجمع البحرين و مطلع السعادتين » .

« مجمع الدلائل 8 » .

-----------
( 8 ) أعيان الشيعة 11 : 200 . ايضاح المكنون 1 : 336 ، 353 ، 573 . الفوائد الرضوية : 43 . روضات الجنات 1 : 102 . الانوار الساطعة في المائة السابعة : 17 . ريحانة الادب 7 : 124 . تنقيح المقال 1 : 124 . أمل الآمل 2 : 32 . الذريعة 2 : 278 .

[ 15 ]

2 جمال الدين علي بن سليمان بن يحيى بن محمد بن قائد بن صباح البحراني مات . . .

الفقيه و الحكيم الربّانى و العالم الصمدانى ، أستاذ العلوم العقليّة و النقليّة ، و المتضلّع في الحكمة و الفلسفة ، و من مؤلفاته « الإشارات » في علم الكلام ، شرحه تلميذه الشيخ ميثم . شرح قصيدة ابن سينا « العينيّة » في النفس . « مفتاح الخير في شرح رسالة الطير » لابن سينا ، و قد أرسل الشرح هذا ، إلى تلميذه الخواجه نصير الدين محمد الطوسي ، و طلب منه شرحه ، فأجابه نصير الدين الطوسى إلى ذلك بعد أن افتتح شرحه بالأبيات و المقدمة التالية :

أتاني كتاب في البلاغة منته
إلى غاية ليست تقارب بالوصف

فمنظومه كالدّر جاد 9 نظامه
و منثوره مثل الدراري في اللطّف

دقيق المعاني في جزالة 10 لفظه
تجرّد في نظم الغموض إلى الكشف

كغانية حار العقول بحسنها
تمرّض عيناها و ملثمها يشفي

أتى عن كبير ذي فضائل جمّة
عليم بما يبدى الحكيم و ما يخفي

فأصبحت مشتاقا إليه مشاهدا 11
بقلبي محيّاه و إن غاب عن طرفي

رجا الطرف أيضا كالفؤاد لقاءه
و ان لا يوافى قبل إدراكه حتفي

قرأت من العنوان حين فتحته
و قبلّت تقبيلا يزيد على ألف

و لمّا بدالي ذكركم في مسامعي
تعشقكم قلبي و لم يركم طرفي

فصادفت هذا البيت في شرح قصّتي
و ايضاح ما عاينته جملة يكفي

وردت رسالة شريفة و مقالة لطيفة مشحونة بفرائد الفوائد ، مشتملة على صحائف اللطائف ، مستجمعة لعرائس النفائس ، مملوّة من زواهر الجواهر من الجناب الكريم السيّدي السندي العالمي العاملي الفاضلي المفضلي المحققي المدقّقي 12 الجمالي

-----------
( 9 ) في نسخة : حاد .

-----------
( 10 ) نسخة : في وجازة .

-----------
( 11 ) في نسخة : و شاهدا .

-----------
( 12 ) نسخة : السيد السند العالم الفاضل المفضل المحقق المدقق .

[ 16 ]

الكمالي ، أدام اللّه كماله و حرس اللّه جماله . . . إلى الداعي الضعيف المحروم اللهيف محمد الطوسي ، فأقتبس من شرار ناره نكت الزبور ، و آنس من جانب طوره أثر النور ،

فوجدها بكرا حملت حرّة كريمة و صادفها صدفا تضمنت درّة يتيمة ، هي اوراق مشتملة على رسائل في ضمنها مسائل أرسلها ، و سأل عنها من كان أفضل زمانه و أوحد أقرانه الذي نطق الحق على لسانه و لاحت الحقيقة من بيانه و رأيت المورد أدام اللّه أفضاله قد سألني الكلام فيها و كشف القناع عن مطاويها و أين أنا من المبارزة مع فرسان الكلام و المعارضة مع البدر التمام و كيف يصل الأعرج إلى قلّة الجبل المنيع ، و أنّى يدرك الظالع شأو الضليع ، لكنى لحرصي على طلب التوصّل الروحاني إليه ، بإجابة سؤاله و شغفي بنيل التوسّل الحقيقي لديه ، بإيراد الجواب عن مقاله ، إجترأت فامتثلت أمره ،

و اشتغلت بمرسومه ، فإن كان موافقا لما أراده ، فقد أدركت طلبتي ، و إلاّ فليعذرني ، إذ قدمت معذرتي ، و اللّه المستعان و عليه التكلان 13 .

3 الخواجه نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي الجهرودي المتوفى 672 .

الفيلسوف المحقق ، أستاذ البشر و أعلم أهل البدو و الحضر ، سلطان العلماء و المحقّقين و أفضل الحكماء و المتكلّمين ، ممدوح الآفاق و مجمع مكارم الأخلاق الّذي لا يفتقر إلى التعريف لغاية شهرته ، مع انّ كل ما يقال فيه فهو دون رتبته .

له مؤلّفات : منها ، « تجريد الكلام » . « التذكرة النصيريّة » في علم الهيئة .

« الأخلاق الناصريّة » . « آداب المتعلّمين » . « أوصاف الأشراف » . « قواعد العقائد » .

« تحرير المجسطي » . « تحرير أصول الهندسة لاقليدس » . « تلخيص المحصّل » . « حلّ مشكلات الإشارات لابن سينا » . إلى غيره من الحواشي و الرسائل و الأشعار بالفارسيّة و العربيّة .

أجمع المؤرخون أنّ الخواجه نصير الدين الطوسي ، تتلمّذ على كمال الدين ميثم في

-----------
( 13 ) أحوال و آثار خواجه نصير الدين طوسي : 476 .

الفوائد الرضوية : 301 . تذكرة المتبحرين : 487 . ريحانة الادب 5 : 86 . مستدرك الوسائل 3 : 462 .

الذريعة 21 : 329 . الانوار الساطعة في المائة السابعة : 105 . لباب الالقاب : 48 . الكنى و الالقاب 3 : 122 .

[ 17 ]

الفقه و تتلمّذ كمال الدين على الخواجه في الحكمة .

و قد صرّح بهذا المترجم له . . . في نسخة إجازته الكبيرة لسادات بني زهرة ، فقال عند ذكر اسم مولانا الخواجه ما لفظه :

و كان هذا الشيخ أفضل أهل عصره في العلوم العقليّة ، و له مصنّفات كثيرة في العلوم الحكميّة و الشرعيّة على مذهب الإماميّة ، و كان أشرف من شاهدناه في الأخلاق ( نورّ اللّه ضريحه ) قرأت عليه ( إلهيّات الشفاء ) لأبي علي بن سينا و بعض التذكرة في الهيئة تصنيفه ، ثم أدركه الأجل المحتوم .

و من شعره قوله :

لو أنّ عبدا أتى بالصالحات غدا
و ودّ كل نبيّ مرسل و ولي

و صام ما صام صوّاما بلا ملل
و قام ما قام قوّاما بلا كسل

و حجّ كم حجّة للّه واجبة
و طاف بالبيت حاف غير منتعل

و طار في الجوّ لا يأوى إلى أحد
و غاص في البحر مأمونا من البلل

و أكسى اليتامى من الديباج كلّهم
و اطعمهم من لذيذ البرّ و العسل

و عاش في الناس آلافا مؤلّفة
عار من الذنب معصوما من الزلل

ما كان في الحشر يوم البعث منتفعا
الاّ بحبّ أمير المؤمنين علي 14