مع علماء العراق :

هناك في طوايا معاجم السير و التاريخ ، قصة أو حكاية تطرّق إلى ذكرها كلّ من تصدّى لترجمة شيخ الحكمة و العلوم الشرعية كمال الدين ميثم . . . كرّم اللّه وجهه . . . و هي تنّم ؟ ؟ ؟

عن عقيدته الراسخة ، و إيمانه الصادق ، و عدم اغتراره بزخارف الدنيا و زينتها ، و فراره و نفرته من الشهرة و الجاه ، لأنّهما من المهلكات العظيمة ، و طالبهما طالب الآفات الدنيوية و الاخروية ، و من اشتهر اسمه و انتشر صيته ، لا يكاد أن تسلم دنياه و عقباه ، إلاّ من شهره اللّه لنشر دينه ، من غير تكلّف ، طلب للشهرة منه ، و لذا ورد في ذمّهما ما لا يمكن إحصاؤه من الآيات و الأخبار فقال اللّه سبحانه : ( مَن كانَ يُريدُ الحيوةَ الدُّنيا وَ زِينَتَها نُوَفِّ اِليْهِمْ أَعمالَهُمْ فيها وَ هُمْ فيها لا يُبْخَسُونَ . اُولئكَ الّذينَ لَيس لَهُمْ في الآخِرَةِ إلاّ النّارُ وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فيها وَ باطِلٌ ما كانوا يَعْمَلُونَ ) 39 .

و هذا بعمومه متناول لحبّ الجاه ، لانّه أعظم لذّة من لذات الحياة الدنيا ، و أكبر زينة من زينتها .

و قال رسول اللّه ( ص ) : حبّ الجاه و المال ، ينبتان النفاق في القلب ، كما ينبت

-----------
( 39 ) سورة هود : 15 و 16 .

[ 30 ]

الماء البقل .

و قال : ما ذئبان ضاريان ارسلا في زريبة غنم ، بأكثر فسادا من حبّ الجاه و المال في دين الرّجل المسلم .

و قال : حسب امرئ من الشرّ الاّ من عصمه اللّه ، أن يشير الناس إليه بالأصابع .

و قال أمير المؤمنين عليه السلام : تبذل و لا تشتهر ، و لا ترفع شخصك لتذكر ، و تعلّم و اكتم ، و اصمت تسلم ، تسرّ الأبرار و تغيظ الفجار .

و قال الإمام الباقر عليه السلام : لا تطلبنّ الرياسة ، و لا تكن ذنبا ، و لا تأكل الناس بنا فيفقرك اللّه .

و قال الإمام الصادق عليه السلام : إيّاكم و هؤلاء الرؤساء الذين يترأّسون ، فو اللّه ما خفقت النعال خلف رجل الاّ هلك و أهلك .

و قال عليه السلام : ملعون من ترأّس ، ملعون من همّ بها ، ملعون من حدّث بها نفسه 40 .

و الأخبار بهذه المضامين كثيرة ، و لكثرة آفاتها لا يزال أكابر العلماء ، و أعاظم الأتقياء ، يفرّون منها فرار الرجل من الحيّة السوداء ، و منهم المترجم له رضي اللّه عنه . . .

فقد ذكر أرباب المعاجم و التاريخ ، انّه في أوائل الحال كان معتكفا في زاوية العزلة و الخمول ، مشتغلا بتحقيق حقائق الفروع و الأصول ، فكتب إليه فضلاء الحلّة و العراق ،

صحيفة تحتوى على عذله ، و ملامته على هذه الأخلاق ، و قالوا : العجب منك أنّك مع شدّة مهارتك في جميع العلوم و المعارف ، و حذاقتك في تحقيق الحقائق ، و إبداع اللّطايف ، قاطن في ظلوع الاعتزال ، و مخيّم في زاوية الخمول الموجب لخمود نار الكمال . . . ؟

فكتب في جوابهم هذه الأبيات :

طلبت فنون العلم أبغي بها العلى
فقصّر بي عمّا سموت به القل

تبيّن لي أنّ المحاسن كلّها
فروع و أنّ المال فيها هو الأصل

فلما وصلت هذه الأبيات إليهم ، كتبوا إليه : إنّك أخطأت في ذلك خطأ ظاهرا ، و

-----------
( 40 ) جامع السعادات 2 : 347 .

[ 31 ]

حكمك باصالة المال عجب ، بل اقلب تصب .

فكتب في جوابهم هذه الأبيات ، و هي لبعض الشعراء المتقدّمين :

قد قال قوم بغير علم
ما المرء إلاّ بأكبريه

فقلت قول امرى‏ء حكيم
ما المرء إلاّ بدر هميه

من لم يكن درهم لديه
لم تلتفت عرسه إليه

ثم إنّه عطّر اللّه مرقده ، لما علم أنّ مجرد المراسلات و المكاتبات لا تنفع الغليل ، و لا تشفي العليل ، توجّه إلى العراق لزيارة الأئمة المعصومين عليهم السلام ، و إقامة الحجّة على الطاعنين ، ثم انّه بعد الوصول إلى تلك المشاهد العلية ، لبس ثيابا خشنة عتيقة ،

و تزيّأ بهيئة رثّة بالاطراح و الإحقار خليقة ، و دخل بعض مدارس العراق المشحون بالعلماء و الحذّاق ، فسلّم عليهم فردّ بعضهم عليه السّلام بالاستقسال و الانتقاع التام ،

فجلس عطّر اللّه مرقده ، في صفّ النّعال و لم يلتفت إليه أحد منهم ، و لم يقضوا واجب حقه ، و في أثناء المباحثة وقعت بينهم مسألة مشكلة دقيقة ، كلّت فيها أفهامهم ، و زلّت فيها أقدامهم ، فأجاب روّح اللّه روحه ، و تابع فتوحه ، بتسعة أجوبة في غاية الجودة ، و الدقّة ،

فقال له بعضهم بطريق السخرية و التهكّم : أخالك طالب علم ؟ ثمّ بعد ذلك أحضر الطعام ، فلم يواكلوه قدّس سره . . . بل أفردوه بشي‏ء قليل على حدّة ، و اجتمعوا هم على المائدة ، فلما انقضى ذلك المجلس ، قام قدّس سره .

ثم إنّه عاد في اليوم الثاني إليهم ، و قد لبس ملا بس فاخرة بهية ، و أكمام واسعة ،

و عمامة كبيرة ، و هيئة رائعة فلما قرب و سلّم عليهم ، قاموا تعظيما له ، و استقبلوه تكريما ، و بالغوا في ملاطفته ، و مطايبته ، و اجتهدوا في تكريمه ، و توقيره و اجلسوه في صدر ذلك المجلس المشحون بالأفاضل ، و المحقّقين ، و الأكابر المدقّقين ، و لما شرعوا في المباحثة و المذاكرة تكلّم معهم بكلمات عليلة ، لا وجه لها عقلا و لا شرعا ، فقابلوا كلماته العليلة بالتّحسين ، و التّسليم ، و الإذعان على وجه التّعظيم ، فلمّا حضرت مائدة الطعام ، بادروا معه بأنواع الأدب ، فألقى الشيخ قدّس سره . . . عن كمه في ذلك الطعام ، مستعبا على اولئك الأعلام ، و قال : كلى يا كمّي . . . فلمّا شاهدوا تلك الحالة العجيبة ، أخذوا في التعجّب و الاستغراب ، و استفسروه قدّس سره . . . عن معنى ذلك الخطاب ؟ فأجاب عطّر اللّه مرقده . . .

[ 32 ]

بأنّكم إنّما أتيتم بهذه الأطعمة النفيسة ، لأجل اكمامي الواسعة ، لا لنفسي القدسيّة اللاّمعة ، و إلاّ فأنا صاحبكم بالأمس ، و ما رأيت تكريما و لا تعظيما ، مع أنّي جئتكم بالأمس بهيئة الفقراء ، و بتحية العلماء ، و اليوم جئتكم بلباس الجبّارين ، و تكلّمت بكلام الجاهلين فقد رجحتم الجهالة على العلم ، و الغنى على الفقر ، و أنا صاحب الأبيات التي في إصالة المال ، و فرعية الكمال التي أرسلتها إليكم ، و عرضتها عليكم ، و قابلتموها بالتخطئة ، و زعمتم انعكاس القضية .

فاعترف الجماعة بالخطأ في تخطئتهم ، و اعتذروا بما صدر منهم من التقصير في شأنه قدّس سره .

ذكر القصة هذه ، بعض من المؤرخين ، و بعضهم أشار إليها بالقول بأنّ له حكاية لطيفة . . . كلي يا كمّي . . . و انّي أشكّ في حقيقتها ، و أصلها بصورة عامة ، لأنّ العلماء على الإطلاق بعيدون كل البعد ، عن مثل هذه الخلّة و السّنة و السّيرة ، سيّما علماء العراق و في طليعتهم ، علماء الشيعة الإمامية في الحلة ، و بقية العواصم العلمية في العراق . . . فالقصّة مختلقة للحطّ من كرامة العلماء فحسب ، و لكن بشكل أدبي . . . و قيمة كل امري‏ء عند العلماء ما يحسنه و يعلمه و يتقنه ، و إنّي أدرجت القصّة للتأريخ ، و الإعلام بأنها مصطنعة ،

و لا مكانة لها من الصّواب .