الفصل الاوّل قوله فى خلق آدم عليه السلام :

-----------
( 1 ) ابو عبد اللّه وهب بن منبه بن كامل بن سيح بن ذى كناز اليمانى مات 116 هج ضربه يوسف بن عمر بن محمد الثقفى الاموي حتى مات . تهذيب التهذيب 11 168

-----------
( 2 ) في نسخة ش الصلاة .

[ 71 ]

ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض و سهلها ، و عذبها و سبخها ، تربة سنّها بالماء حتّى خلصت . و لاطها بالبلّة حتّى لزبت . فجبل منها صورة ذات أحناء و وصول ، و أعضاء و فصول : أجمدها حتّى استمسكت و أصلدها حتّى صلصلت لوقت معدود ، و أمد معلوم ، ثمّ نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها ، و فكر يتصرّف بها ، و جوارح يختدمها ، و أدوات يقلّبها ، و معرفة يفرق بها بين الحقّ و الباطل و الأذواق و المشامّ ، و الألوان و الاجناس ، معجونا بطينة الألوان المختلفة ، و الأشباه المؤتلفة ، و الأضداد المتعادية و الأخلاط المتباينة ، من الحرّ و البرد ، و البلّة و الجمود ، و استأدى اللّه سبحانه الملائكة وديعته لديهم ، و عهد وصيّته إليهم ، فى الإذعان بالسّجود له ، و الخشوع لتكرمته ، فقال سبحانه : ( اُسْجُدُوا لِآدَمَ ) فسجدوا إلاّ ابليس اعترته الحميّة و غلبت عليه الشّقوة ، و تعزّز بخلقة النّار و استهون خلق الصّلصال ، فأعطاه اللّه النّظرة استحقاقا للسّخطة ، و استتماما للبلّية ، و إنجازا للعدة ، فقال ( إنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) ثمّ أسكن سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشته ، و آمن فيها محلّته ، و حذّره إبليس و عداوته ، فاغترّه عدوّه نفاسة عليه بدار المقام و مرافقة الأبرار ، فباع اليقين بشكّه ، و العزيمة بوهنه ، و استبدل بالجذل و جلا ، و بالاغترار ندما ثمّ بسط اللّه سبحانه له في توبته ، و لقّاه كلمة رحمته ، و وعده المردّ إلى جنّته ، و أهبطه إلى دار البليّة ، و تناسل الذّرّيّة . أقول :

إنّ هذه القصّة قد كرّرها اللّه سبحانه ، فى كتابه العزيز في سبع سور ، و هى : البقرة ،

و الأعراف ، و الحجر ، و بني اسرائيل ، و الكهف ، و طه ، و ص ، و ذلك لما تشتمل عليه من تذكير الخلق و تنبيههم من مراقد الطبيعة التى جذبهم اليها ابليس ، و التحذير من فتنته ،

و حزن الأرض : خلاف السهل ، و المسنون ما سنّ بالماء أى : ارسل عليه فصار طينا ، و لزبت بالكسر : لصقت ، و صلصلت : انتنت ، و قيل صوّتت ليبسها ، و لاطها بالبلّة : خلطها بالرطوبة ، و جبل : خلق ، و الأحناء : الجوانب ، و الوصول المفاصل : جمع كثرة لوصل ، و جمع القلّة : اوصال ، و أصلدها اى : جعلها صلبة ملساء ، و يختدمها : يستخدمها .

و اعلم انّ قوله : لزبت ، اشارة الى امتزاج العناصر ، و خصّ الماء و الأرض لانّهما

[ 72 ]

الأصل في تكوين الأعضاء المشاهدة التى تدور عليها صورة الانسان ، و نبّه باختلاف أجزائها على كون ذلك مبادى اختلاف الناس في ألوانهم ، و أخلاقهم ، كما ورد في الخبر فجاء منهم الأسود و الأحمر .

و قوله : خلصت ، و لزبت : اشارة الى بلوغها في الاستعداد الغاية التى معها تكون صورة ما يتكوّن منها . و قوله : فجبل ، الى قوله : استمسكت ، اشارة الى خلق الصورة الانسانية بتمامها ، و الضمير في « منها » راجع الى التربة ، و في أجمدها ، و أصلدها ،

راجعان الى الصورة و أعضائها ، فالأجماد لغاية الاستمساك ، راجع الى بعضها كاللّحم و الأعصاب و أشباههما ، و الأصلاد لغايته راجع الى بعض آخر كالعظام ، و اسند ذلك الى المدبّر الحكيم ، لانّه العلّة الأولى و ان كانت هناك أسباب قريبة طبيعية معدّة لذلك .

و أراد بالوقت المعلوم ، الوقت الذى يعلم اللّه تعالى انحلال هذا التركيب فيه ،

و الضمير في قوله : فيها ، راجع الى الصورة كما قال اللّه تعالى : ( و نفخت فيه من روحى ) 1 و استعار وصف النفخ لافاضة النفس على البدن و اشتعال نورها المعقول فيه كما يشعل النار نافخها ، و الروح يحتمل أن يراد به جبريل ، و نسبته الى اللّه ظاهرة ، : و يحتمل أن يراد به وجود اللّه ، و نعمته ، و انّما يسمّى روحا لانّه مبدأ كلّ حياة و به قوام كلشى‏ء ،

و نسبته الى اللّه ظاهرة ، و من للتبعيض و يحتمل أن يراد به النفس الإنسانية و يكون من زائدة ، و نسبت الى اللّه لشرفها و بدائها عن المواد فلها مناسبة مع علّتها الاولى .

و قوله : ذا اذهان ، اشارة الى : القوى الباطنية المدركة ، و اجالتها : تحريكها فى المدركات ، و كذلك قوله : و فكر يتصرّف بها ، و لم يرد القوّة المفكرة فإنّها في الانسان واحدة ، بل اراد حركات تلك القوة فيما يتصرّف فيه و هى متعدّدة فلذلك جمعها ،

و الجوارح اشارة الى : عامة الأعضاء اذ كانت كلّها خدما للنفس ، و الأدوات كاليد ،

و الرجل ، و المعرفة التى يفرّق بها هى : قوّة العقل بما لها من المعارف الأولى و هى البديهيّات اذ كان الحقّ و الباطل من الأمور الكلّية التى لا يدركها الاّ العقل ، و قوله :

و الأذواق ، الى قوله : و الأجناس : تنبيه على انّ للانسان آلات يدرك بكلّ منها واحدة من هذه الأربعة ، و اخّر الأجناس لانّ المدرك لها هو العقل اذ كانت أمورا كليّة لكن بواسطة

-----------
( 1 ) سورة الحجر 29 .

[ 73 ]

احساس الحواسّ المشار اليها بمحسوساتها ، و نصب معجونا على الحال ، وطينة الألوان مادّتها التي خالطت بدن 1 الانسان فاستعدّ بها لقبول الألوان المختلفة و هى معنى : عجنها بها .

و الأشباه المؤتلفة كالعظام و الأسنان ، و الأضداد المتعادية كالكيفيّات الأربع التى ذكرها ، و هى الحرارة ، و البرودة ، و البلّة و هي : الرطوبة ، و الجمود و هى : اليبوسة ،

و الأخلاط المتباينة هى : الدّم ، و البلغم ، و الصفراء ، و السوداء .

و امّا المسأة و السرور فهما من الكيفيّات النفسانيّة ، و امّا عهد اللّه الى الملائكة و وصيّته اليهم فهو قوله تعالى : ( فاذا سوّيته و نفختُ فيهِ من روحي فَقعُوا لهُ ساجدين ) 2 و الاستيذاء ذلك منهم هو قوله بعد خلقه : ( اسجدوا لآدم ) و اتّفق الناس على انّ سجودهم لآدم لم يكن سجود عبادة لانّها لغير اللّه كفر ، لكن قال بعضهم : انّ آدم كان كالقبلة و السجود للّه ، و تكون اللام كهى في قول الشاعر في حقّ عليّ عليه 3 السلام : أليس أوّل من صلّى لقبلتكم [ 4 ] .

و قيل : كان السجود تعظيما لآدم ، و كان ذلك سنّة الامم السّالفة في تعظيم أكابرها ، و قيل : بل السجود في اللغة : الخضوع و الانقياد ، ثمّ اختلفوا في المأمورين بالسجود ، فقيل : هم الملائكة الذين اهبطوا مع ابليس لانّ اللّه لما خلق السموات و الأرض و خلق الملائكة أهبط منهم ملأ الى الارض يسمّون بالجنّ كانوا أخفّ الملائكة عبادة ،

-----------
( 1 ) في نسخة ش : باطن

-----------
( 2 ) سورة الحجر 29

-----------
( 3 ) في ش بزيادة : الصلاة و

[ 4 ] الشعر هذا اختلف في نسبتة ، فقيل انه لأبى الفضل العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه ، قالها عند بيعة ابى بكر يعرض بها و يمدح عليا عليه السلام ، و الأبيات هي :

ما كنت أحسب ان الأمر منصرف
عن هاشم ثم منها عن ابى الحسن

اليس أول من صلى لقبلتكم
و اعلم الناس بالقرآن و السنن

و آخر الناس عهدا بالنّبى و من
جبريل عون له في الغسل و الكفن

من فيه ما فيهم لا يمترون به
و ليس في القوم ما فيه من الحسن

ما ذا الّذي ردكم عنه فنعلمه
ها انّ بيعتكم من أول الفتن

و نسبها بعض الى حسان بن ثابت . و آخرون الى عتبة بن أبى لهب . الغدير 7 93 .

[ 74 ]

فأعجب إبليس بنفسه و تداخله الكبر ، و اطّلع اللّه تعالى على ذلك فقال له و لجنده : « انّى خالق بشرا من طين » الآية .

و قيل : هم كل الملائكة لقوله تعالى : ( كلّهم اجمعون ) ، و كذلك اختلفوا في ابليس فقالت المعتزلة : انّه لم يكن من الملائكة لقوله تعالى : ( كان من الجنّ ) و هم ليسوا من الملائكة لقوله تعالى : ( أ هؤلاء ايّاكم كانوا يعبدون ) ، و قول الملائكة : ( بل كانوا يعبدون الجن ) .

و أقول : يشبه ان يكون الخلاف لفظيا لانّه اذا ثبت انّ الجنّ ملائكة اهبطوا الى الأرض لم يكن بين كونه من الجنّ ، و كونه من الملائكة منافاة ، و امّا الخطاب و الجواب فجاز ان يكون مع الملائكة السماويّة .

و قوله : الاّ ابليس و قبيله ، الى قوله : الصلصال ، فقبيله : جماعته من الجنّ و الشياطين ، و اعترتهم الحميّة و غشيتهم ، و ذلك من قوله تعالى : ( الاّ ابليس أبى و استكبر ) الآية ، و تعزّزهم بخلقة النار قوله : ( انا خيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنى من نارٍ ) و استضعافهم لخلق الصلصال ، كقوله : ( اسجد لبشر خلقته من صلصال ) و اعطاؤه النظرة هو قوله تعالى :

( انّكَ من المُنْظَرين ) ، و النظرة بكسر الظاء : الامهال ، و هنا حذف تقديره ، فسأل النظرة فأعطاه ذلك في قوله : ( قال انظرنى ) الآية ، و قوله : استحقاقا للسخطة اشارة الى قوله تعالى : ( و لا تحسبنّ الذين كفروا انّما نملي لهم ) الآية ، و انجاز العدّة كقوله تعالى :

( اِنّكَ من المنظَرين ) الآية . و الخلف في خبر اللّه تعالى محال . و استتماما للبليّة اى : بليّة بنى آدم به و اختبارهم بعصيانه او طاعته . و اسكان آدم ، الى قوله : محلّته ، كقوله تعالى :

( فقلنا يا آدم اسكن ) الى قوله : ( شئتما ) . و الدار : الجنّة . و تحذيره ايّاه كقوله تعالى : ( فقلنا يا آدم انَّ هذا عدوٌّ لكَ ) الى قوله : ( فتشقى ) و قوله : فاغترّه ، الى قوله : الأبرار كقوله تعالى : ( فوسوس اليه ) الآية ، و الوسوسة : القاء ما يتوهّم نافعا الى النفس مما يخالف او امر اللّه تعالى ، و تزيينه لها ذلك ، و قيل : فى سبب عداوته له انّه الحسد بما اكرمه اللّه تعالى به من اسجاد الملائكة له ، و تعليمه ما لم يطّلعوا عليه و اسكانه الجنّة ،

و هو المشار اليه بالنفاسة هنا ، و اصل النفاسة : البخل ، يقال : نفست عليه بكذا اى : بخلت ،

و قيل : السبب تباين اصليهما و لذلك اثر قوىّ في العداوة و المجانبة ، و بيعه اليقين بشكه ،

[ 75 ]

و العزيمة بوهنه ، كقوله : ( فنسى و لمْ نَجِدْ لهُ عَزْما ) قيل : و معنى ذلك انّ آدم كان فى الجنة على حال يعلمها يقينا و ما كان يعلم عيشه في الدنيا فبدّل ذلك اليقين بما شكّكه فيه ابليس بقسمه . و قوله ( انّى لكما من النّاصحين ) و قيل : بل كان يتيقّن عداوته فشكّكه في ذلك بما حكاه من النّصح عن نفسه . و قيل : بل كان يتيقّن عهد اللّه اليه بملازمة طاعته و امره ، فلمّا وسوس له الشيطان نسى ذلك العهد فذلك قوله تعالى : ( و لقد عهدنا الى آدم ) الآية . و كذلك بدّل عزيمته الجازمة على المحافظة على طاعة اللّه ،

و الصّبر عليها بالضعف عن ذلك و استبداله بالجذل و هو السرور و جلا كما دلّ عليه بقوله تعالى : ( قالا ربّنا ، الى قوله : الخاسرين ) و قوله : ثمّ بسط اللّه ، الى قوله : رحمته كقوله تعالى : ( فتلقّى آدم ) الآية . و لقّاه ايّاها افاضها عليه و الهمه ايّاها و استعدّ 1 بها لقبوله رحمة اللّه .

و روى عن ابن عباس انّه قال : علّم اللّه آدم و حوّاء امر الحجّ ، و الكلمات التى تقال فيه ، فحجّا ، فلما فرغا اوحى اللّه اليهما انّى قبلت توبتكما .

و عن عائشة : لما اراد اللّه تعالى ان يتوب على آدم طاف بالبيت سبعا ، و البيت يومئذ ربوة حمراء فلمّا صلّى ركعتين استقبل البيت و قال : اللّهمّ انّك تعلم سرّى و علانيتى فاقبل معذرتى ، و تعلم حاجتى فاعطنى سؤلى ، و تعلم ما في نفسى فاغفرلى ذنوبى ، اللّهم انّى اسألك ايمانا تباشربه قلبى ، و يقينا صادقا حتى اعلم انّه لن يصيبنى الاّ ما كتبت لي ، و ارضني بما قسمت لى ، فأوحى اللّه اليه : يا آدم قد غفرت لك ذنبك و لن يأتينى احد من ذرّيتك يدعونى بمثل ما دعوتنى به الاّ غفرت ذنوبه ، و كشفت همومه ، و نزعت الفقر من بين عينيه ، و جاءته الدنيا و هو لا يريدها .

و وعده المردّ الى جنّته لقوله تعالى ( فامّا يأتِيَنَّكُم مِنّي هدى ) 2 الآية . و اهباطه الى دار البليّة و تناسل الذريّة فاستبدل بالجذل و جلا و بالاغترار ندما ، ثم اناب الى اللّه فبسط له الى آخره ، و انّما جعل تناسل الذريّة في معرض ذمّ الحال و ان كان من كمالات الدنيا لحقارة ذلك بالنسبة الى الكمال ، و الخير الّذى كان فيه آدم في الجنة .

-----------
( 1 ) في نسخة ش : و استبد بها

-----------
( 2 ) في ش بزيادة : فمن اتبع هداي .

[ 76 ]