منها : في ذكر الحج

و فرض عليكم حجّ بيته الحرام ، الّذى جعله قبلة للأنام ، يردونه ورود الأنعام ، و يألهون إليه ولوه الحمام ، جعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته ، و إذعانهم لعزّته ، و اختار من خلقه سمّاعا أجابوا إليه دعوته ، و صدّقوا كلمته ، و وقفوا مواقف أنبيائه ، و تشبّهوا بملائكته المطيفين بعرشه : يحرزون الأرباح في متجر عبادته ، و يتبادرون عند موعد مغفرته ، جعله سبحانه و تعالى للإسلام علما ، و للعائذين حرما ، فرض حجّه ، و أوجب حقّه ،

و كتب عليكم وفادته فقال سبحانه : ( و للّه عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْه سَبيلاً ، وَ مَنْ كَفَرَ فإنَّ اللَّه غَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) . اقول :

أشار في هذا الفصل الى وجوب حجّ البيت الحرام و منّة اللّه تعالى على خلقه

-----------
( 1 ) في ش بزيادة او ذلك

-----------
( 2 ) في ش : على المغفرة .

[ 83 ]

بذلك ، و الى بعض اسرار وضعه ، و الحرام : إمّا بمعنى المحرّم كقوله تعالى : ( عندَ بَيتكَ المحرّم ) فانّ العرب كانت تحرّم فيه ما تستحلّ في غيره من القتل ، و القتال ، و امّا بمعنى الحرم كزمان و زمن ، لكونه آمنا لمن دخله و مانعا له ، و وجه شبه ورود الناس له بورود الانعام ازدحامهم عليه و محبّتهم له كازدحام الابل العطاش على الماء .

و قوله : و يألهون اليه ، أى يشتدّ وجدهم به في كل عام ، و يشتاقون الى وروده كما يشتاق الحمام الساكن به اليه عند خروجه ، و منه قوله : جعله الى قوله : لعزّته ، و ذلك انّ العقل لمّا لم يكن ليهتدى الى اسرار اعمال الحجّ لم يكن الباعث عليها في اكثر الخلق الاّ الامر المجرّد ، و قصد امتثاله من حيث هو واجب الاتبّاع فقط و فيه كمال الرقّ و خلوص الانقياد للّه ، فمن فعل ما أمر به من اعمال الحج كذلك فهو المخلص الذى ظهرت عليه علامات المخلص المتواضع المذعن لجلال اللّه ربّ العالمين .

و لمّا كان تعالى عالم الغيب و الشهادة لم يمكن أن يقال انّ تلك العلامة مما يستفيد بها علما بأحوال عبيده من طاعتهم و معصيتهم ، فهى علامة لغيرهم من الناس ، و قوله : و اختار ، الى قوله : دعوته ، فالسمّاع : جمع سامع و هم الحاجّ 1 في قوله تعالى : ( وَ اَذِّنْ في النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ ) و في الخبر انّ ابراهيم عليه السلام لما فرغ من بناء البيت جاءه جبريل عليه السلام فأمره أن يؤذّن في الناس بالحجّ ، فقال ابراهيم : و ما يبلغ صوتى ،

قال اللّه : اذّن و عليّ البلاغ ، فعلا ابراهيم المقام ، و اشرف به ، حتى صار كاطول الجبال ،

و اقبل بوجهه يمينا و شمالا و شرقا و غربا و نادى يا ايّها الناس كتب عليكم الحجّ الى البيت العتيق فاجيبوا ربّكم ، فأجابه من كان في اصلاب الرجال ، و ارحام النساء : لبّيك اللّهم لبّيك . . . و فيه اشارات لطيفة نبّهنا عليها في الأصل 2 .

منها انّ اجابة من كان في الأصلاب و الأرحام اشارة الى ما كتب بقلم القضاء فى اللوح المحفوظ من طاعة المطيع لهذه الدعوة على لسان ابراهيم عليه السلام ، و من بعده من الانبياء و هم المراد بالسماع الذين اجابوا دعوته لحجّهم و صدّقوا ما بلّغه عن ربّه تعالى ،

و في قوله : وقفوا مواقف انبيائه ، و شبّهوا بملائكته المطيفين بعرشه ، استدراج حسن للطباع

-----------
( 1 ) في نسخة ش : الحجاج

-----------
( 2 ) شرح نهج البلاغة الكبير 1 233 .

[ 84 ]

اللطيفة و جذب لها الى هذه العبادة بذكر التشبيه بالأنبياء و الملائكة .

و اعلم انّ الطواف المطلوب هو طواف القلب بحضرة الربوبية ، و انّ البيت مثال ظاهر في عالم الشهادة لتلك الحضرة التى هى عالم الغيب ، كما انّ الانسان الظاهر في هذا العالم مثال للانسان الباطن الّذى لا يشاهد بالبصر و هو في عالم الغيب ، و انّ عالم الشهادة مرقاة و مدرج الى عالم الغيب لمن فتح له باب الرحمة ، و الى هذه الموازنة وقعت الاشارة النبوية ، فانّ البيت المعمور في السماء بازاء الكعبة و انّ طواف الملائكة به كطواف الانس بهذا البيت ، و لك ان تسمىّ ذلك البيت و الحضرة المقدّسة بالعرش و لما قصرت مرتبة اكثر الخلق عن مثل ذلك الطواف امروا بالتشبّه بهم بحسب الامكان ، و وعدوا بانّ من تشبّه بقوم فهو منهم ، و كثيرا ما يزداد ذلك التشبّه الى ان يصير المتشبّه في قوّة المشبّه به ، و الذى يبلغ تلك المرتبة فهو الّذى يقال انّ الكعبة تزوره و تطوف به على ما رواه بعض المكاشفين لبعض اولياء اللّه .

و قوله : يحرزون ، الى قوله : مغفرته . . . استعارة لفظ المتجر للحركات في العبادة ، و لفظ الارباح لثمرتها في الآخرة من كرامة اللّه .

و لمّا كان الاسلام و الحق هو الطريق الى اللّه تعالى استعار لفظ العلم للحجّ بالنسبة اليه ، لانّ به يكون سلوك طريق اللّه ، القبلة في الاسلام كالعلم للطريق ، و الوفادة القدوم للاسترفاد ، و لفظه مستعار للحجّ لانّه قدوم الى بيت اللّه طلبا لفضله و ثوابه ، و الآية لبيان سبب وجوبه و هى خبر في معنى الامر ، و باللّه التوفيق .