3 و من خطبة له عليه السلام المعروفة بالشِّقشقية 1

أما و اللّه لقد تقمّصها فلان ، و إنّه ليعلم أنّ محلّى منها محلّ القطب من الرّحى :

ينحدر عنّي السّيل ، و لا يرقى إلىّ الطّير ، فسدلت دونها ثوبا و طويت عنها كشحا . و طفقت أرتئى بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، و يشيب فيها الصّغير ، و يكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه . فرأيت أنّ الصّبر على هاتا أحجى ،

فصبرت و في العين قذى ، و في الحلق شجا ، أرى تراثى نهبا ، حتّى مضى الأوّل لسبيله ،

فأدلى بها إلى فلان بعده ( ثمّ تمثّل بقول الأعشى )

شتّان ما يومى على كورها
و يوم حيّان أخى جابر

-----------
( 1 ) في نسخة ش بزيادة : و تعرف بالمقمصة .

[ 90 ]

فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشدّ ما تشطّرا ضرعيها فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلامها ، و يخشن مسّها ، و يكثر العثار فيها ، و الاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصّعبة إن أشنق لها خرم ، و إن أسلس لها تقحّم ، فمنى النّاس لعمر اللّه بخبط و شماس ، و تلوّن و اعتراض ، فصبرت على طول المدّة ، و شدّة المحنة ، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة ، زعم أنّى أحدهم ، فيا للّه و للشّورى متى اعترض الرّيب فيّ مع الأوّل منهم ، حتّى صرت اقرن إلى هذه النّظائر لكنّى أسففت إذ أسفّوا ، و طرت إذ طاروا ، فصغى رجل منهم لضغنه ، و مال الآخر لصهره ، مع هن و هن ، إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه ، بين نثيله و معتلفه ، و قام معه بنوا أبيه يخضمون مال اللّه خضمة الإبل نبتة الرّبيع ، إلى أن انتكث فتله ، و أجهز عليه عمله ، و كبت به بطنته . فما راعنى إلاّ و النّاس كعرف الضّبع إلىّ ، ينثالون علىّ من كلّ جانب ،

حتّى لقد و طى‏ء الحسنان ، و شقّ عطفاى ، مجتمعين حولى كربيضة الغنم فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ، و مرقت أخرى ، و قسط آخرون كأنّهم لم يسمعوا كلام اللّه حيث يقول : ( تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتّقين ) بلى و اللّه لقد سمعوها و وعوها ، و لكنّهم حليت الدّنيا في أعينهم ، و راقهم زبرجها . أما و الّذى فلق الحبّة ، و برأ النّسمة لو لا حضور الحاضر و قيام الحجّة بوجود النّاصر ، و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ، و لا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ، و لسقيت آخرها بكأس أوّلها ، و لألفيتم دنياكم هذه أزهد عندى من عفطة عنز .

قالوا : و قام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا ، فأقبل ينظر فيه ، قال له ابن عباس رضى اللّه عنهما : يا أمير المؤمنين ، لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت .

فقال : هيهات يابن عبّاس ، تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت قال ابن عباس : فو اللّه ما أسفت على كلام قط كأسفى على هذا الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد .

[ 91 ]

قوله عليه السلام في هذه الخطبة : كراكب الصعبة ان اشنق لها خرم و ان اسلس لها تقحّم . . . يريد انّه اذا شدّد عليها في جذب الزمام و هى تنازعه راسها خرم انفها ، و ان ارخى لها شيئا مع صعوبتها تقحّمت به فلم يملكها ، يقال : اشنق الناقة اذا جذب راسها بالزمام و دفعه ، و شقّها ايضا ، ذكر ذلك ابن السكيت في اصلاح المنطق ، و انّما قال عليه السلام :

اشنق لها ، و لم يقل اشنقها لانّه جعله في مقابلة قوله : اسلس لها ، فكانّه عليه السلام ،

قال : ان رفع اشنق لها بالزمام يعنى : امسكه عليها .

اقول :

انّ هذه الخطبة و ما يشبهها مما يتضمّن شكايته في امر الخلافة قد انكرها جماعة من اهل السنة حتّى قالوا : انّه لم يصدر عنه عليه السلام شكائه في هذا الامر اصلا ، و منهم من نسب هذه الخطبة خاصّة الى السيّد الرضىّ رحمه اللّه . و الحق انّ ذلك افراط في القول لانّ المنافسة التى كانت بين الصحابة في امر الخلافة معلومة بالضرورة لكلّ من سمع اخبارهم ، و تشاجرهم في السقيفة ، و تخلّف عليّ و وجوه بنى هاشم عن البيعة امر ظاهر لا يدفعه الاّ جاهل او معاند ، و اذا ثبت انّه عليه السلام نافس في هذا الامر كان الظّن غالبا بوجود الشكاية منه ، و ان لم يسمع ذلك منه ، فضلا عن ان الشكاية بلغت مبلغ التواتر المعنوىّ فى الالفاظ لشهرتها ، و كثرتها تعلم بالضرورة انّها لا تكون باسرها كذبا بل لا بدّ ان يصدق بعضها فثبتت فيه الشكاية على انّ هذه الخطبة نقلها من يوثق به من الادباء و العلماء قبل مولد الرّضى بمدّة و وجدت بها نسخة موثوقا بنقلها ، عليها خطّ الوزير ابن الفرات و كان قبل مولد الرّضىّ بنيف و ستّين سنة و لنرجع الى المتن 1 .

فنقول : المراد بفلان ابو بكر . و في بعض النسخ لقد تقمّصها ابن ابى قحافة ،

و الضمير في تقمّصها راجع الى الخلافة لعهدها او لسبق ذكرها ، و استعار لفظ التقمّص لتلّبسه بها . و الواو في « و انّه » واو الحال ، و مثّل نفسه منها 2 بالقطب من الرحا في انّها لا تستقيم بدونه ، و اكّد ذلك بالكناية عن علوّه و شرفه مع فيضان العلوم و الفضائل عنه

-----------
( 1 ) يراجع بشأن مصادر الخطبة الشقشقية كتاب الغدير 7 82 87

-----------
( 2 ) في ش : فيها .

[ 92 ]

بوصفين من اوصاف الجبل المنيع العالى و هما كونه ينحدر عنه السيل و لا يرقى اليه الطير .

و سدلت اى : ارخيت دونها ثوبا كناية عن احتجابه عن طلبها بحجاب الزهد فيها و الاعراض عنها .

و قوله : و طويت عنها كشحا ، كناية : عن امتناعه منها كالماكول المعاف الذى يطوى البطن دونه . و الكشح بالفتح : الخاصرة ، و قيل : انّه اراد التلفّت عنها ، كما يفعل المعرض عمّن الى جانبه كما قال :

طوى كشحه عنّى و اعرض جانبا
. . . . . .

و قوله : و طفقت . الى قوله : عمياء ، اى : جعلت افكّر في امرى هل اصول عليهم بيد جذّاء ، بالدال ، و الذال ، اى : مقطوعة و هى كناية عن عدم الناصر له ، او ان اصبر على طخية عمياء ، اى : ظلمة لا يهتدى فيها للحق ، و كنّى بها عن التباس الامور في الخلافة قبله كناية بالمستعار و كنّى عن شدّة ذلك بقوله : يهرم ، الى قوله : ربّه ، و اراد بكدح المؤمن فيها شدّة سعيه و اجتهاده في لزوم الحق و الذّب عنه . و قوله : فرايت انّ الصبر على هاتا احجى ، ترجيح لقسم الصبر على قسم المنافرة ، و هاتا لغة في هذى . و احجى : اليق ، اليق بالحجى و هو العقل لما في المنافرة من انشعاب عصا المسلمين اى : اجماعهم و ايتلافهم مع غضاضة 1 الاسلام و كثرة اعدائه . و القذى : ما يقع في العين فيؤذيها كالغبار و نحوه .

و الشجى : ما ينشب في الحلق من عظم و نحوه فيغصّ به ، و هما كنايتان عن الغمّ و مرارة الصبر و التألّم من الغبن . و تراثه ، قيل : هو ما خلّفه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لابنته كفدك لأن مال الزوجة في حكم مال الرجل . و النّهب : اشارة الى منع الخلفاء الثلاثة لها بالخبر الّذى رواه ابو بكر ( نحن معاشر الانبياء لا نوّرث ، ما تركناه فهو صدقة ) و قيل :

اراد منصب الخلافة و يصدق عليه لفظ الارث كما في قوله تعالى : ( يَرِثُنى و يرثُ من آلِ يعقوب ) 2 اى : العلم و منصب النبوّة . و الماضي الاوّل : ابو بكر ، و سبيله طريق الاخرة و هو : الموت . و فلان بعده : عمر ، و ادلى بكذا : ألقاه اليه ، و كنّى بذلك عن نصّ ابى بكر بالخلافة بعده . و امّا البيت فهو لأعشى قيس و اسمه ميمون بن جندل من قصيدة يمدح بها

-----------
( 1 ) الغضاضة : الضعف

-----------
( 2 ) سورة مريم 6 .

[ 93 ]

عامرا و يهجو علقمة اوّلها :

شاقتك من قتلة اطلالها
بالشط و الوتر الى حاجر

و حيّان ، و جابر ، ابنا السمين بن عمر من بنى حنيفة . و كان حيّان صاحب الحصن باليمامة سيّدا مطاعا يصله كسرى في كلّ سنة ، و كان في نعمة و رفاهية ، و كان الأعشى ينادمه ، و اراد ما ابعد ما بين يومى على كور المطيّة أدأب ، و انصب في الهواجر ، و بين يومى منادما حيّان اخا جابر و ادعا في نعمة و خفض .

و روى انّ حيّان ، عاتب الاعشى في تعريفه بأخيه فاعتذر انّ القافية جرّته الى ذلك فلم يقبل عذره . و اليوم الاوّل ، رفع بانّه فاعل اسم الفعل ، و الثانى عطف عليه ، و عرض البيت تمثيل حاله بحاله القائل ، و الفرق بين ايّامه مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ،

و حاله معه في العزّة و قرب المنزلة و الحصول على العلوم و مكارم الاخلاق ، و ايّامه فى القوم و حاله من المتاعب و المشّاق و مقاساة المحن . و قيل : اراد الفرق بينه و بين القوم فى ظفرهم و فوزهم به ، و فوات مطلوبه هو و حصوله على الحرمان و المشقّة .

و قوله : فيا عجبا الى بعد وفاته ، الضمير راجع الى ابى بكر و استقالته هو قوله :

( اقيلونى فلست بخيركم ) 1 و وجه التعجّب هو استقالته منها في الحياة لثقلها مع تحمّله لها فى الممات ايضا بعقدها لغيره . و اللاّم في « لشدّ » للتأكيد و استعار لها لفظ الضرع لشبهها بالناقة و انّما وصف تشطّره ، و هو اخذ كل منهما شطرا ، لاشتراكهما في امر الخلافة ، و اخذهما لها فكأنّهما اقتسماها اقتسام الحالبين اخلاف الناقة . و الحوزة : الناحية : و كنّى بها بوصف خشنها عن طباع عمر ، فانّها كانت توصف بالجفاوة و بغلظ كلمها : عن غلظته فى المواجهة بالقول و غيره . و الكلم : الجرح ، و بخشونة مسّها : عن عدم لينه لمن يلتمس منه امرا ، و بكثرة العثار و الاعتذار منها : عما كان يتسرّع اليه من الاحكام ثم يعاود النظر فيها فيجدها غير صائبة فيحتاج الى العذر منها كقصّة المجهضة و غيرها .

و الضمير في « منها » يعود الى الحوزة ، و قوله : فصاحبها اى : انّ المصاحب لتلك الطبيعة الغليظة الخشنة كراكب الناقة التى لم ترض . و قوله : ان اشنق ، الى قوله : تقحم ،

هو : وجه الشبه ، و المعنى : انّ مصاحبه ان اكثر انكاره ما يتسرّع اليه ادّى الى مشاقته ، و

-----------
( 1 ) هذا القول متواتر عن ابى بكر . الغدير 7 128 بطرق صحيحة ثابتة .

[ 94 ]

فساد الحال بينهما ، و ان سكت عنه ادّى ذلك الى الاختلال بالواجب ، كما انّ راكب الصعبة ان اشنق لها و والى جذب الزمام في وجهها خرم انفها ، و ان أسلس لها في قيادها تقحّمت به في المهالك ، و ركبت به العسف . و قيل : الضمير في صاحبها يعود الى الخلافة ، و صاحبها هو من تولّى أمرها ، و وجه شبهه براكب الصعبة انّ الخليفة يحتاج الى مداراة الخلق و جذبهم عن طرفى الافراط و التفريط الى حاقّ الوسط فلا يشدّد عليهم في طلب الحق التشديد الموجب لعجزهم و قصورهم و فساد الامر بينه و بينهم ، كمن اشنق الصعبة و لا يهملهم فيتّعدوا الواجب و يهلك بهلاكهم كمن اسلس لها . و قيل : اراد بصاحبها نفسه لانّه ايضا بين خطرين ، امّا ان يبقى ساكتا عن طلب الأمر فيتقحّم بذلك فى موارد الذلّ كما يتقّحم مسلس قياد الصعبة . و امّا ان يتشدّد في طلبه فيشق بذلك عصا الاسلام فيكون كمن اشنق لها فخرم انفها .

و قوله : فمنى الناس اى : ابتلوا ، و استعار لفظ الخبط و الشماس و هو : نفار الدابة و التلوّن ، و الاعتراض و هو المشى في عرض الطريق لما كان يقع من تغيّر اخلاق الرجل و اختلاف حركاته ، كالفرس الذى لم يرض ، و قيل : اراد ما ابتلى به الناس من تفرّق الكلمة و اضطراب الامر لذلك بعد رسول اللّه عليه السلام . و المدّة : مدّة البلاء و شدّة المحنة لفوات حقّه .

و قوله : حتّى مضى ، اى : الثانى ، و الجماعة الذين جعلها فيهم هم اهل الشورى .

و الشورى : مصدر كالنجوى ، و خلاصة خبرهم : انّه لما طعن عمر دخلت عليه وجوه الصحابة و سألوه ان يستخلف رجلا برضاه ، فقال : لا احبّ ان اتحمّلها حيّا و ميتا ،

فقالوا : الاّ تشير علينا ؟ فقال : ان احببتم ؟ فقالوا : نعم ، فقال : الصالحون لهذا الامر سبعة و هم : سعيد بن زيد ، و انا مخرجه منهم لانّه من أهل بيتى ، و سعد بن ابى وقّاص ، و عبد الرحمن بن عوف ، و طلحة ، و زبير ، و عثمان ، و علّى . فامّا سعد فيمنعنى منه عنفه ، و من عبد الرحمن انّه قارون هذه الامّة ، و من طلحة فتكبّره ، و من الزّبير فشحّه ، و من عثمان حبّه لقومه ، و من علىّ حرصه على هذا الأمر ، و أمر أن يصلّى صهيب بالناس ثلاثة ايّام ، و يخلوا الستة في بيت ثلاثة ايّام فان اتّفقت خمسة على رجل و ابى واحد قتل ، و ان اتّفقت ثلاثة و أبت ثلاثة فليكن الناس مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن .

[ 95 ]

و يروى : فاقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن . فلما خرجوا و اجتمعوا للأمر ،

قال عبد الرحمن : انّ لى و لسعد من هذا الامر الثلث فنحن نخرج انفسنامنه ، على ان نختار خيركم للامة فرضى القوم غير علىّ ، فانّه قال : أرى و انظر . فلما أيس عبد الرحمن من رضى علىّ رجع الى سعد ، و قال له : هلمّ نعيّن رجلا فنبايعه ، و الناس يبايعون من بايعته ، فقال سعد : ان بايعك عثمان فانا لكم ثالث ، و ان اردت ان تولّى عثمان فعليّ احبّ الّى . فلما أيس من رضى سعد رجع فأخذ بيد عليّ فقال : ابايعك على ان تعمل بكتاب اللّه ، و سنّة رسوله ، و سيرة الشيخين ابى بكر و عمر ، فقال : تبايعنى على ان اعمل بكتاب اللّه ، و سنّة رسوله ، و اجتهد برأيى فترك يده . و اخذ بيد عثمان ، و قال له : مقالته لعلىّ ، فقال : نعم فكرّر القول على كلّ منهما ثلاثا ، فأجاب كل بما اجاب به اوّلا فبعدها . قال 1 عبد الرحمن : هى لك يا عثمان و بايعه ثم بايعه الناس .

ثمّ اردف حكاية الحال باستغاثة اللّه للشورى ، و الاستفهام على سبيل التعجّب و عروض الشك للناس في مساواته بالاوّل ، الى ان قرن بالجماعة المذكورين في الفضل و الاستحقاق . و أسف الطائر : قارب الأرض بطيرانه ، و كنّى بذلك عن مقاربته لهم ، و اتباعه ايّاهم في مرادهم ، و الصغو : الميل ، و الضغن : الحقد ، و الذى ضغن هو سعد ، لانّه كان منحرفا عنه عليه السلام ، و تخلّف عن بيعته ، بعد قتل عثمان ، و الذى مال لصهره هو عبد الرحمن و كانت بينه و بين عثمان مصاهرة لانّ عبد الرحمن كان زوجا لامّ كلثوم بنت عقبة بن ابى معيط ، و هى اخت عثمان لامّه اروى بنت كريز .

و قوله : مع هن و هن يريد انّ ميله لم يكن لمجرّد المصاهرة بل لاسباب اخرى كنفاسة عليه ، أو حسد له فكنى بهن و هن عنها . و ثالث القوم : عثمان ، و الحضن :

الجانب ، و النفج : كالنفخ . و النثيل : الروث . و المعتلف : ما يعتلف به من المأكول ، و كنّى بذلك عن انّه لم يكن همّته الاّ التوسّع ببيت المال ، و الاشتغال بالنعم بالمآكل و المشارب ، ملاحظا في ذلك تشبيهه بالبعير و الفرس المكرم . و بنوابيه : بنواميّة و كنّى بالخضم و هو : الاكل بكلّ الفم عن كثرة توسّعهم بمال المسلمين كما نقلناه في الاصل .

و كنّى بانتكاث فتله عن انتقاض الامور عليه ، و ما كان يبرمه من الآراء دون الصحابة . و

-----------
( 1 ) فى ش : فقال .

[ 96 ]

استعار لفظ الاجهاز الذى يفهم منه سبق الجراح و الاثخان بضرب و نحوه لقتله المسبوق بمشق اسلات الاسنة ، و كذلك وصف الكبو الّذى هو حقيقة في الحيوان : لفساد امره بعد استمراره كالكبو بعد استمرار الفرس من العدو . و كنّى ببطنته عن : توسّعه ببيت المال ايضا . و اسند الكبو اليها لانّها السبب الحامل على فساد امره ، و الواو في « و الناس » للحال ، و خبر المبتداء محذوف دلّ عليه متعلّقه و هو اليّ اى : مقبلون و نحوه ، و فاعل راعنى امّا ما دلت عليه هذه الجمل من المصدر ، اى : فما راعنى الاّ اقبال الناس اليّ و انثيالهم عليّ . و الانثيال : تتابع الشى‏ء يتلو بعضه بعضا و هو كقوله تعالى : ( ثمّ بدالهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننّه 1 ) و امّا الجملة الاسميّة و ينثالون : امّا حال من راعنى ، او خبر ثان للمبتدأ و الاشارة الى حال الناس وقت بيعته ، و شبّههم في ازدحامهم عليه يومئذ يريدون بيعته ، بعرف الضبع في تكاثفه ، و قيام شعره .

و العرب تسمّى الضبع عرفا لعظم عرفها . و الحسنان ولداه عليهما 2 السلام . و قيل :

الابهامان و الحسن الابهام و انشد للشنفرّى :

مهضومة الكشحين خرماء الحسن .

اراد انّهم وطئوا ابهاميه ، و شقّوا عطافه ، و هو ردائه المجتبى به . و روى عطفاى و هما : جانبا ردائه او جانبا قميصه . و مجتمعين حال و شبّههم بربيضة الغنم و هى القطعة المجتمعة رابضة لاجتماعهم حوله . و الطائفة الناكثة : اصحاب الجمل لنكثهم بيعته .

و المارقه : الخوارج لمروقهم من الدين كمروق السهم من الرميّة و هو لفظ الخبر النّبوى .

و القاسطون اصحاب معاوية لبغيهم . و القسط : الخروج عن سنن العدل ، و حليت : زانت .

و قوله : اما و الّذى الى آخره ، : اشارة الى الاعذار الحاملة له على قبول الخلافة بعد تخلّفه عنها .

و فلق الحبة : خلقها ، و قيل : هو : شقّها الّذي في وسطها ، و قد نبّهنا على الحكمة فيه فى الأصل . و اشار الى ثلاثة اعذار و هو حضور الحاضرين لمبايعته . و قيام الحجّة عليه بوجود الناصرين للحق معه . و ما اخذ على العلماء من العهد على انكار المنكر و الامر

-----------
( 1 ) سورة يوسف 35

-----------
( 2 ) في ش بزيادة : الصلاة .

[ 97 ]

بالمعروف عند التمكّن . و المقارة : الموادعة و المسالمة . و العذران الاولان شرطان فى الثالث . و كنّى بكظّة الظالم و هى : بطنته و شبعه عن قوّة ظلمه لانّ قدرته مظنّة ذلك ،

و بسغب المظلوم و هو : جوعه عن كونه مظلوما . و الضمير في حبلها و غاربها للخلافة ملاحظا في استعارتها : تشبيه الخلافة بالناقة . و كنّى بذلك عن تركها كارسال الناقة لترعى اى : كنت اترك آخرا كما تركت اوّلا . و الفيت الشى‏ء : وجدته . و العفطة : الحبقة ،

و قيل : العطسة . و يفهم منه انّه عليه السلام كان مطالبا للدنيا لكن ليس لها بل لنظام الخلق ، و امتثالا لأوامر اللّه في اجراء امورهم ، على قانون العدل كما هو مقصود بعثة الانبياء و انزال الكتب . و اطردت مقالتك ، اى : اجريتها . و افضيت وصلت و « لو » للتحضيض . و الشقشقة : اللحمة التى تخرج من فم البعير عند هياجه .