4 و من خطبة له عليه السلام

بنا اهتديتم في الظّلماء ، و تسنّمتم العلياء ، و بنا انفجرتم عن السّرار ، و قر سمع لم يفقه الواعية ، و كيف يراعى النّبأة من أصمّته الصّيحة ، ربط جنان لم يفارقه الخفقان ،

ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر ، و أتوسّمكم بحلية المغترّين سترنى عنكم جلباب الدّين ،

و بصّرنيكم صدق النيّة ، أقمت لكم على سنن الحقّ في جوادّ المضلّة حيث تلتقون و لا دليل ، و تحتفرون و لا تميهون ، اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان ، غرب رأى امرى‏ء ،

تخلّف عنّى ، ما شككت في الحقّ مذ أريته ، لم يوجس موسى عليه السّلام خيفة على نفسه : أشفق من غلبة الجهّال و دول الضّلال . اليوم تواقفنا على سبيل الحقّ و الباطل ، من وثق بماء لم يظمأ . اقول :

استعار لفظ الظّلماء للجهل الحاجب لأبصار البصائر عن ادراك الحق ، و وصف التسنّم لما حصلوا عليه من شرف الاسلام و علوّ الرّتبة ، و وصف الانفجار لظهورهم في انوار الاسلام من شرار الشرك . و السرار : الليلة و الليلتان في آخر الشهر يستتر القمر فيهما و

[ 98 ]

يخفى ، و لفظه مستعار للشرك و الجهل السابق . و الوقر : الثقل في السمع و هو دعاء على سمع لا يفقه صاحبه بسماعه ، علما من مقاصد الكتب الالهية و حق له الصمم لعدم فائدة خلقه منه . و النبأة : الصّوت الخفىّ ، و كنّى بها عن دعائه لهم الى الحقّ . و بالصيحة عن خطاب اللّه و رسوله ، و هى في معرض العذر لنفسه في عدم نفع دعائه لهم ، اى : اذا كانت دعوة اللّه و رسوله الّتى اصمّتكم بقوّتها لم تستجيبوا لها ، فكيف تراعون دعوتى لكم هى كالنبأة من الصيحة .

و قوله : ربط دعاء للقلوب التى تخفق خوفا من اللّه بالثبات و السكينة اى : ثبّت قلب كان كذلك ، و روى ربط بالبناء للمفعول اى : ربط اللّه . و قوله : اتوسّمكم اى :

اتعرّفكم . و المغترّين الغافلين عن عواقب الأمور اى : مازلت اعرفكم بصفات الغدر فى البيعة و النكث لها . و الجلباب : الملحفة ، و استعار لفظه للدين باعتبار ستره و حجبه عن العنف بهم ، و حملهم على المشقة او ستره عن علمهم في قوّته و بأسه ، و لو لم يكن ذلك الستر لعرفوه بذلك . و روى ستركم عنّى ، أى : عصم الدين منّى دماءكم و اتّباع مدبركم . و قوله : و بصّرنيكم اى : عرفنى بكم صدق نيّتى ، و اخلاصى للّه ، و ما يؤول اليه عاقبة امركم كما قال 1 صلى اللّه عليه و آله : ( اتّقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور اللّه ) ثم اشار الى فضيلته ليقتدوا به ، بقوله : اقمت لكم على سنن الحق اى : طريقه ، و هى الكتاب و السنّة . و في جواد المضلّة و هى الشبه اذ كان عليه السلام العالم بالكتاب و الموضّح لطرق الحقّ منه لطرق الباطل ، و الهادى فيهما ، و ذلك حيث يلتقون في ظلمة الجهل فلا يبصرون دليلا سواه ، و يطلبون ماء الحياة بالبحث و الفحص من اودية القلوب فلا يجدون بها ماء الاّ معه . و ماهت البئر : خرج ماؤها . و استعار 2 الاحتفار للبحث عن مظانّ العلم و لفظ الماء له . و كنّى بالعجماء : عن الحال التى يشاهدونها من العبر الواضحة و عن كمال فضله و هذا من اللّه 3 . فانّ هذه الامور و ان لم يكن لها نطق الاّ انّها مبيّنة بلسان حالها ما ينبغى ان يقال في الافصاح عن ذلك لأوامر اللّه ، و رسوله ، فلذلك كانت ذات بيان . و

-----------
( 1 ) في ش بزيادة : رسول اللّه

-----------
( 2 ) نسخة ش : و استعار لفظ الاحتفار

-----------
( 3 ) في ش : و هدايته الى اللّه .

[ 99 ]

انطاقها هو تنبيه عليها اذ عبّر بلسان مقاله عما كانت يقتضيه و يشاهده من نظر اليها بعين الاعتبار و هو كقولهم : سل الارض من شقّ انهارك ، و اخرج ثمارك ، فان لم تجبك حوارا اجابتك اعتبارا .

و روى بعضهم : انطق بفتح الهمزة على انّ العجماء صفة مصدر محذوف ، اى :

الكلمات العجماء و نحوه ، و اراد بها ما ذكر في هذه الخطبة من الرموز و استعار لها لفظ العجماء و كونها ذلّت البيان لما فيها من الفوائد ، و عزب الرأى : ذهب . و قوله : ما شككت في الحق مذ أريته : تنبيه على وجوب عزوب رأى من تخلّف عنه . و قوله : لم يوجس الى قوله : الضّلال ، اى : لم يجس موسى في نفسه خوفا اشّد عليه من خوف غلبة الجّهال على الدين ، و فتنة الخلق بهم ، و اراد انّى كذلك ، و اوجس : احسّ . و الشّفقة الخوف ، و قيل : اشفق في تقدير الاستدراك بعد النفى اى : لكن اشفق و ليس هى افعل التفضيل .

و قوله : اليوم تواقفنا للخطاب لمقابلته ، و المراد : انّى واقف على سبيل الحق و هم واقفون على سبيل الباطل . و قوله : من وثق بماء لم يظمأ ، مثل نبّه به على وجوب الثقة بما عنده ، أى : ان سكنتم الى قولى ، و وثقتم به كنتم اقرب الى الهدى و السلامة كما انّ الواثق بالماء في إداوته آمن من العطش و خوف الهلاك بخلاف من لم يثق بذلك . و استعار لفظ الماء : لما اشتمل عليه من العلم و كيفية الهداية به الى اللّه فانّه الماء الذى لاظمأ فيه .