15 و من خطبة له عليه السّلام لما بويع بالمدينة

ذمّتى بما أقول رهينة ، و أنا به زعيم ، إنّ من صرّحت له العبر عمّا بين يديه من المثلات حجزته التّقوى عن تقحّم الشّبهات . ألا و إنّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّكم صلّى اللّه عليه و آله ، و الّذى بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة ، و لتغربلنّ غربلة و لتساطنّ سوط القدر ، حتّى يعود أسفلكم أعلاكم و أعلاكم أسفلكم ، و ليسبقنّ سابقون كانوا قصروا ، و ليقصّرنّ سبّاقون كانوا سبقوا ، و اللّه ما كتمت وشمة ، و لا كذبت كذبة ،

و لقد نبّت بهذا المقام و هذا اليوم ، ألا و إنّ الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها و خلعت لجمها فتقحّمت بهم في النّار ألا و إنّ التّقوى مطايا ذلل ، حمل عليها أهلها و أعطوا أزمّتها ، فأوردتهم الجنّة ، حقّ و باطل ، و لكلّ أهل ، فلئن أمر الباطل لقديما فعل ، و لئن قلّ

[ 109 ]

الحق فلربّما و لعلّ و لقلّما أدبر شى‏ء فأقبل قال الشريف : أقول : إنّ في هذا الكلام الأدنى من مواقع الإحسان مالا تبلغه مواقع الاستحسان ، و إنّ حظّ العجب منه أكثر من حظّ العجب به ، و فيه مع الحال الّتى و صفنا زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان ،

و لا يطّلع فجّها إنسان ، و لا يعرف ما أقول إلاّ من ضرب في هذه الصّناعة بحقّ ، و جرى فيها على عرق . ( و ما يعقلها إلاّ العالمون ) . اقول :

الذمّة : العهد . و الزّعيم : الكافل . و المثلات : العقوبات . و الحجز : المنع . و تقحّم فى الأمر : رمى بنفسه فيه . و اشار الى وجوب الاعتبار لوجوب التّقوى . و انّ العبرة بما تفعله الدنيا من عقوبة من اغترّ بها و تبدّل حالاتها عليهم مستلزمة في المعتبر تصوّر مثل ذلك في نفسه ، و ذلك مستلزم لافاضة تقوى اللّه عليه ، المستلزمة لتوقّفه و امتناعه من أن يلقى نفسه في تلك الأمور الزّائلة و الشّبهات الباطلة ، و هى احوال الدنيا المشبهة للحقّ و العقل ،

الخارج من اسر الهوى قوىّ على نقد الحق و تمييزه من الشّبهات ، و اكّد ذلك برهن ذمّته و كفالته به .

ثم نبهّهم على انّهم في الشبهات مغمورون ليبادروا الى تقوى اللّه و هو قوله : ( الا و انّ بليّتكم قد عادت ) ، و اراد بالبليّة : ما هم عليه من اختلاف الأهواء عن الشبهات الّتى يلقيها اليهم الشّيطان ، و ذلك أمر يشبه ما كانوا عليه حين بعثة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله ،

ثم توعّدهم بعاقبة ذلك و نزول ثمرته بهم ، و البلبلة : الاختلاط . و الغربلة : نخل الدقيق و غيره ، و ذلك اشارة الى ما يفعله بنو اميّة بهم من خلط بعضهم ببعض ، و رفع اراذلهم و حط أكابرهم ، كما يفعل بالقدر سائطها . و لفظ الغربلة : مستعار لالتقاط احادهم بالقتل و الاذى كما فعلوا بكثير من الصّحابة و التّابعين .

و قوله : و ليسبقنّ ، الى قوله : سبقوا ، : اشارة الى ما علمه من اسرار القدر في تقصير من كان له سبق في الدّين ، و تقدّم رتبة فيه ، او الى سبق من كان قصر فيه في اوّله أو سبق من كان قاصرا في اوّل الاسلام عن الخلافة و الامارة في آخر الزّمان اليها ، و بقصر من سبق اليها عن بلوغها . ثم اشار الى ذلك الاخبار انّه مما أخبر به النّبى صلّى اللّه عليه و آله ،

[ 110 ]

و اقسم انّه لم يكتم منه وشمة اى : كلمة مما اخبره به و تعيّن عليه ان يوثره عنه . و الوشمة بالشين المعجمة : الكلمة ، و انّه لم يكذب فيه ، و هذا المقام مقام بيعة الخلق له ، و هذا اليوم اى : يوم اجتماعهم عليه ، و استعار لفظ الخيل : بوصف الشماس ، و خلع اللجم للخطايا باعتبار ورودهم بها النار بسرعة كالفرس الجموح براكبه المتقحم 1 به فى المهالك . و لفظ المطايا : بضد تلك الأوصاف للتّقوى الموصلة لصاحبها الى الجنّة كراكب المطيّة الذّلول يصل الى غايته بها بسهولة و اختيار .

و قوله : حقّ و باطل ، اى : في الوجود فلكل واحد منهما اهل كقول النّبى صلّى اللّه عليه و آله : « كلّ ميسر لما خلق له » . و قوله : فلئن امر الباطل اى : كثر الى قوله : و لعلّ ،

كالاعتذار لنفسه و لأهل الحقّ في قلّته ، و توبيخ لأهل الباطل على كثرته . و في قوله : ربّما و لعلّ ترجّ ، و اطماع لعود الحقّ الى الكثرة بعد قلّته ترغيبا في لزومه كيلا يضمحل بالتّخاذل عنه ، و الاحسان في كلام السيد : مصدر أحسن اذا فعل حسنا ، و مواقع الاحسان : الكلمات الحسنة منه 2 ، و مواقع الاستحسان : الكلم المستحسنة له ، لأنّها لا تبلغ محاسن كلامه و لا تحيط بها . و قوله : و ان حظّ الى قوله : به ، اى : انّ تعجب الفصحاء من حسنه أكثر من عجبهم بأنفسهم باستخراج محاسنه ، لأنّ فيه محاسن لا يمكنهم التعبير عنها ، و ان تعجبوا منها .

و من هذه الخطبة :

شغل من الجنّة و النّار أمامه ، ساع سريع نجا ، و طالب بطى‏ء رجا ، و مقصّر في النّار هوى . اليمين و الشّمال مضلّة ، و الطّريق الوسطى هى الجادّة عليها باقى الكتاب و آثار النّبوّة ، و منها منفذ السّنّة ، و إليها مصير العاقبة ، هلك من ادّعى ، و خاب من افترى . من أبدى صفحته للحقّ هلك ، و كفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره لا يهلك على التّقوى سنخ أصل ، و لا يظمأ عليها زرع قوم . فاستتروا ببيوتكم ، و أصلحوا ذات بينكم ، و التّوبة من ورائكم ، و لا يحمد حامد إلاّ ربّه ، و لا يلم لائم إلاّ نفسه .

-----------
( 1 ) نسخة ش : المقتحم

-----------
( 2 ) نسخة ش : له .

[ 111 ]

اقول :

معنى القضيّة الأولى انّ من كانت الجنّة و النّار امامه كان له بهما شغل عن غيرهما ، و شغله بهما ملاحظتهما و الهمّة بما يكون وسيلة اليهما ، و استعار لفظ الامام لهما : باعتبار كونهما غايتين ينتهى اليهما ، و بناء الفعل للمفعول اذ الغرض ذكر الشغل دون المشغل . و قوله : ساع ، الى قوله : النار : قسمة للناس بالنسبة الى ما وجب عليهم من الشغل المشار اليه الى ثلاثة اقسام و وجه القسمة انّ الناس امّا طالبون للّه و لما عنده ،

او غير الطّالبين ، و الطّالبون امّا مجتهدون في الوصول اليه ، او متأنّون ، و الاوّل هم السابقون المقرّبون . و الثالث المقصّرون الذين وقف بهم الشيطان حيث اراد ، و ظاهر كونهم فى النار . و امّا الثانى فذو وصفين يتجاذبانه من جهتى السّفالة و العلوّ فسلوكه الى اللّه و ان ضعف جاذب له الى الجنّة ، و يد الشّيطان جاذبة له الى النّار الاّ انّ رجاءه للّه و مسكنه به اذا انضاف الى حركته البطيئة في سبيل اللّه كانت السّلامة عليه اغلب .

و انّما خصّ الثانى بالرجاء لانّه عمدته دون عمله لضعفه ، و نحوه قوله تعالى : ( فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيراتِ بإذنِ اللَّه ) 1 . و قوله : اليمين و الشمال 2 الى آخره ، الجادّة : اشار باليمين و الشمال الى طرفى الافراط و التفريط من الفضائل النفسانية ، و الطرق الوسطى الى العدل منهما . و هو الحصول على نفس الفضيلة من غير انحراف عنها الى اطراف الرذائل منها و هى الصراط المستقيم في الدنيا 3 ، و الجادّة الواضحة لمن اهتدى و عليها باقى الكتاب الكريم من المقاصد الالهية : و آثار النبوّة ، و منقذ السنّة : اى طريقها و مخرجها و اليها تصير عاقبة الخلق في الدّنيا و الآخرة ، فانّ من العدل بدأت السنّة و انتشرت في الخلق ، و اليه مرجع امورهم و عواقبها .

قوله : هلك من ادّعى : تعريض لمعاوية و دعواه الامامة ، و اللّفظ عام ، خرج على سبب خاص اى : هلك من ادّعى ما ليس له بحق و خاب من كذب في دعواه ، و الخيبة :

دعاء او خبر بعدم حصول الخير في الآخرة . و قوله : من ابدى ، الى قوله : قدره ، أراد من

-----------
( 1 ) سورة فاطر 32

-----------
( 2 ) بزيادة مضلة في نسخة ش

-----------
( 3 ) في ش : و الاخرة .

[ 112 ]

تجرّد لاظهار الحق في مقابلة كل باطل سمعه او رآه من الجاهلين و حملهم على مرّ الحق و صعبه في كلّ وقت كان في مظنّة الهلاك بأيديهم و ألسنتهم ، و كانّه ايماء الى نفسه في معرض الاعتذار في مقابلة معاوية و غيره على باطلهم ، و جهل المرء بقدره و مرتبته من النّاس جهل فاحش لاستلزامه رذائل صعبة كالعجب و الكبر و نحوهما من المهلكات .

و قوله : لا يهلك ، الى قوله : قوم : فالسنخ الاصل و ذلك لانّ التّقوى كالارض الحرّة لا يهلك ما غرس من اصل ، و كالماء العذب ما يظمأ عليه ما زرع و هو ترغيب فيها لغاية ما يثمره من الخير الاخروى ، و امرهم بالاستتار ببيوتهم اى : لزومها قطعا لمادة الفتنة من الاجتماع للمنافرات و المفاخرات ، و نبّههم على الرجوع الى التّوبة و انّها مقبولة منهم و كونها وراء لهم باعتبار رجوع العاصى اليها عمّا هو متوجّه بقلبه اليه من المعصية . و قيل : وراء بمعنى :

امام و الاوّل اشبه .